البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ} (58)

قال الزمخشري عن أبيّ بن كعب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ : قل بفضل الله وبرحمته فقال : «بكتاب الله والإسلام » فضله الإسلام ، ورحمته ما وعد عليه انتهى .

ولو صح هذا الحديث لم يمكن خلافه .

قال ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، وهلال بن يساف : فضل الله الإسلام ، ورحمته القرآن .

وقال الضحاك وزيد بن أسلم عكس هذا ، وقال أبو سعيد الخدري : الفضل القرآن ، والرحمة أن جعلهم من أهله .

وقال ابن عباس فيما روى الضحاك عنه : الفضل العلم والرحمة محمد صلى الله عليه وسلم .

وقال ابن عمر : الفضل الإسلام ، والرحمة تزيينه في القلوب .

وقال مجاهد : الفضل والرحمة القرآن ، واختاره الزجاج .

وقال خالد بن معدان : الفضل القرآن ، والرحمة السنة .

وعنه أيضاً أنّ الفضل الإسلام ، والرحمة الستر .

وقال عمرو بن عثمان : فضل الله كشف الغطاء ، ورحمته الرؤية واللقاء .

وقال الحسين بن فضل : الفضل الإيمان ، والرحمة الجنة .

وقيل : الفضل التوفيق ، والرحمة العصمة .

وقيل : الفضل نعمه الظاهرة ، والرحمة نعمه الباطنة .

وقال الصادق : الفضل المغفرة ، والرحمة التوفيق .

وقال ذون النون : الفضل الجنان ، ورحمته النجاة من النيران .

وهذه تخصيصات تحتاج إلى دلائل ، وينبغي أن يعتقد أنها تمثيلات ، لأن الفضل والرحمة أريد بهما تعيين ما ذكر وحصرهما فيه .

وقال ابن عطية : وإنما الذي يقتضيه اللفظ ويلزم منه أنّ الفضل هو هداية الله إلى دينه والتوفيق إلى اتباع الشرع ، والرحمة هي عفوه وسكنى جنته التي جعلها جزاء على اتباع الإسلام والإيمان .

ومعنى الآية : قل يا محمد لجميع الناس بفضل الله وبرحمته فليقع الفرح منكم ، لا بأمور الدنيا وما يجمع من حطامها ، فالمؤمنون يقال لهم : فليفرحوا وهم ملتبسون بعلة الفرح وسببه ، ومخلصون لفضل الله منتظرون لرحمته ، والكافرون يقال لهم : بفضل الله ورحمته فليفرحوا على معنى أنْ لو اتفق لكم أو لو سعدتم بالهداية إلى تحصيل ذلك انتهى .

والظاهر أن قوله : قل بفضل الله وبرحمته ، فبذلك فليفرحوا جملتان ، وحذف ما تتعلق به الباء والتقدير : قل بفضل الله وبرحمته ليفرحوا ، ثم عطفت الجملة الثانية على الأولى على سبيل التوكيد .

قال الزمخشري : والتكرير للتقرير والتأكيد ، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا ، فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه ، والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل : إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح ، فإنه لا مفروح به أحق منهما .

ويجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا بذلك ، فليفرحوا .

ويجوز أنْ يراد قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك أي : فبمجيئهما فليفرحوا انتهى .

أما إضمار فليعنتوا فلا دليل عليه ، وأما تعليقه بقوله : قد جاءتكم ، فينبغي أن يقدر ذلك محذوفاً بعد قل ، ولا يكون متعلقاً بجاءتكم الأولى للفصل بينهما بقل .

وقال الحوفي : الباء متعلقة بما دل على المعنى أي : قد جاءتكم الموعظة بفضل الله .

وقيل : الفاء الأولى زائدة ، ويكون بذلك بدلاً مما قبله ، وأشير به إلى الاثنين الفضل والرحمة .

وقيل : كررت الفاء الثانية للتوكيد ، فعلى هذا لا تكون الأولى زائدة ، ويكون أصل التركيب فبذلك ليفرحوا ، وفي القول قبله يكون أصل التركيب بذلك فليفرحوا ، ولا تنافي بين الأمر بالفرح هنا وبين النهي عنه في قوله : { لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين } لاختلاف المتعلق ، فالمأمور به هنا الفرح بفضل الله وبرحمته ، والمنهى هناك الفرح بجمع الأموال لرئاسة الدنيا وإرادة العلو بها والفساد والأشر ، ولذلك جاء بعده : { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا } وقبله : { إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم } وقوله : { لفرح فخور } جاء ذلك على سبيل الذم لفرحه بإذاقة النعماء بعد الضراء ، ويأسه وكفرانه للنعماء إذا نزعت منه ، وهذه صفة مذمومة ، وليس ذلك من أفعال الآخرة .

وقول من قال : إنه إذا أطلق الفرح كان مذموماً ، وإذا قيد لم يكن مذموماً كما قال : { فرحين بما آتاهم الله من فضله } ليس بمطرد ، إذ جاء مقيداً في الذم في قوله تعالى : { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة } وإنما يمدح الفرح ويذم بحسب متعلقه ، فإذا كان بنيل ثواب الآخرة وإعمال البر كان محموداً ، وإذا كان بنيل لذات الدنيا وحطامها كان مذموماً .

وقرأ عثمان بن عفان ، وأبيّ ، وأنس ، والحسن ، وأبو رجاء ، وابن هرمز ، وابن سيرين ، وأبو جعفر المدني ، والسلمي ، وقتادة ، والجحدري ، وهلال بن يساف ، والأعمش ، وعمرو بن قائد ، والعباس بن الفضل الأنصاري : فلتفرحوا بالتاء على الخطاب ، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم .

قال صاحب اللوامح : وقال وقد جاء عن يعقوب كذلك ، انتهى .

وقال ابن عطية : وقرأ أبي وابن القعقاع ، وابن عامر ، والحسن : على ما زعم هارون .

ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم فلتفرحوا وتجمعون بالتاء فيهما على المخاطبة ، وهي قراءة جماعة من السلف كثيرة ، وعن أكثرهم خلاف انتهى .

والجمهور بالياء على أمر الغائب .

وما نقله ابن عطية أن ابن عامر قرأ فلتفرحوا بالتاء ليس هو المشهور عنه ، إنما قراءته في مشهور السبعة بالياء أمراً للغائب ، لكنه قرأ تجمعون بالتاء على الخطاب ، وباقي السبعة بالتاء على الخطاب .

وفي مصحف أبي : فبذلك فافرحوا ، وهذه هي اللغة الكثيرة الشهيرة في أمر المخاطب .

وأما فليفرحوا بالياء فهي لغة قليلة .

وفي الحديث : «لتأخذوا مصافكم » وقرأ أبو التياح والحسن : فليفرحوا بكسر اللام ، ويدل على أنّ ذلك أشير به إلى واحد عود الضمير عليه موحداً في قوله : هو خير مما يجمعون ، فالذي ينبغي أنّ قوله تعالى : بفضل الله وبرحمته ، على أنهما شيء واحد عبر عنه باسمين على سبيل التأكيد ، ولذلك أشير إليه بذلك ، وعاد الضمير عليه مفرداً .

وقوله : مما يجمعون يعني من حطام الدنيا ومتاعها .