في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ} (129)

111

ثم ينتقل الخطاب إلى الرسول [ ص ] يعرفه طريقه حين يتولى عنه من يتولى ، ويصله بالقوة التي تحميه وتكفيه :

( فإن تولوا فقل : حسبي الله ، لا إله إلا هو ، عليه توكلت ، وهو رب العرش العظيم ) .

فإليه تنتهي القوة والملك والعظمة والجاه ، وهو حسب من لاذ به وحسب من والاه .

إنه ختام سورة القتال والجهاد : الارتكان إلى الله وحده ، والاعتماد على الله وحده ، واستمداد القوة من الله وحده . .

( وهو رب العرش العظيم ) . .

ختام السورة:

وبعد فإن هذه السورة المحكمة تحتوى بيان الأحكام النهائية في العلاقات الدائمة بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات حوله - كما بينا في خلال عرضها وتقديمها - ومن ثم ينبغي أن يرجع إلى نصوصها الأخيرة بوصفها الكلمة الأخيرة في تلك العلاقات ؛ وأن يرجع إلى أحكامها بوصفها الأحكام النهائية المطلقة ، حسبما تدل عليها نصوص السورة . كما ينبغي ألا تقيد هذه النصوص والأحكام النهائية بنصوص وأحكام وردت من قبل - وهي التي سميناها أحكاما مرحلية - مستندين في هذه التسمية : أولا وبالذات إلى ترتيب نزول الآيات . ومستندين أخيرا إلى سير الأحداث في الحركة الإسلامية ، وإدراك طبيعة المنهج الإسلامي في هذه الحركة . . هذه الطبيعة التي بيناها في التقديم للسورة وفي ثناياها كذلك . .

وهذا هو المنهج الذي لا يدركه إلا الذين يتحركون بهذا الدين حركة جهادية لتقرير وجوده في واقع الحياة ؛ برد الناس إلى ربوبية الله وحده ، وإخراجهم من عبادة العباد !

إن هنالك مسافة شاسعة بين فقه الحركة ، وفقه الأوراق ! إن فقه الأوراق يغفل الحركة ومقتضياتها من حسابه ، لأنه لا يزاولها ولا يتذوقها ! أما فقه الحركة فيرى هذا الدين وهو يواجه الجاهلية ، خطوة خطوة ، ومرحلة مرحلة ، وموقفا موقفا . ويراه وهو يشرع أحكامه في مواجهة الواقع المتحرك ، بحيث تجيء مكافئة لهذا الواقع وحاكمة عليه ؛ ومتجددة بتجدده كذلك

وأخيرا فإن تلك الأحكام النهائية الواردة في السورة الأخيرة ؛ إنما جاءت وواقع المجتمع المسلم ، وواقع الجاهلية من حوله كذلك ، كلاهما يحتم اتخاذ تلك الإجراءات وتنفيذ تلك الأحكام . . فأما حين كان واقع المجتمع المسلم وواقع الجاهلية من حوله يقتضي أحكاما أخرى . . مرحلية . . فقد جاءت في السور السابقة نصوص وأحكام مرحلية . .

وحين يوجد المجتمع المسلم مرة أخرى ويتحرك ؛ فإنه يكون في حل من تطبيق الأحكام المرحلية في حينها . ولكن عليه أن يعلم أنها أحكام مرحلية ، وأن عليه أن يجاهد ليصل في النهاية إلى تطبيق الأحكام النهائية التي تحكم العلاقات النهائية بينه وبين سائر المجتمعات . .

والله الموفق ، والله المعين . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ} (129)

{ فَإِن تَوَلَّوْاْ } تلوين للخطاب وتوجيه له إليه صلى الله عليه وسلم تسلية له ، أي فإن أعرضوا عن الإيمان بك { فَقُلْ حَسْبِىَ الله } فإنه يكفيك معرتهم ويعينك عليهم { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } استئناف كالدليل لما قبله لأن المتوحد بالألوهية هو الكافي المعين { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } فلا أرجو ولا أخاف إلا منه سبحانه { وَهُوَ رَبُّ العرش } أي الجسم المحيط بسائر الأجسام ويسمى بفلك الأفلاك وهو محدد الجهات { العظيم } الذي لا يعلم مقدار عظمته إلا الله تعالى . وفي الخبر «أن الآرض بالنسبة إلى السماء الدنيا كحلقة في فلاة وكذا السماء الدنيا بالنسبة إلى السماء . التي فوقها وهكذا إلى السماء السابعة وهي بالنسبة إلى الكرسي كحلقة في فلاة وهو بالنسبة إلى العرش كذلك » وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لا يقدر قدره أحد ، وذكر أهل الأرصاد أن بعد مقعر الفلك الأعظم من مركز العالم ثلاثة وثلاثون ألف ألف وخمسمائة وأربعة وعشرون ألفاً وستمائة وتسع فراسخ ، وأن بعد محدبه منه قد بلغ مرتبة لا يعلمها إلا الله الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الآرض ولا في السماء وهو بكل شيء عليم ، وقد يفسر العرش هنا بالملك وهو أحد معانيه كما في «القاموس » ، وقرىء { العظيم } بالرفع على أنه صفة الرب ، وختم سبحانه هذه السورة بما ذكر لأنه تعالى ذكر فيها التكاليف الشاقة والزواجر الصعبة فأراد جل شأنه أن يسهل عليهم ذلك ويشجع النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغه ، وقد تضمن من أوصافه صلى الله عليه وسلم الكريمة ما تضمن ، وقد بدأ سبحانه من ذلك بكونه من أنفسهم لأنه كالأم في هذا الباب ، ولا ينافي وصفه صلى الله عليه وسلم بالرأفة والرحمة بالمؤمنين تكليفه إياهم في هذه السورة بأنواع من التكاليف الشاقة لأن هذا التكليف أيضاً من كمال ذلك الوصف من حيث أنه سبب للتخلص من العقاب المؤبد والفوز بالثواب المخلد ، ومن هذا القبيل معاملته صلى الله عليه وسلم للثلاثة الذين خلفوا كما علمت ، وما أحسن ما قيل

فقسا ليزدجروا ومن يك حازما *** فليقس أحياناً على من يرحم

وهاتان الآيتان على ما روي عن أبي بن كعب آخر ما نزل من القران . لكن روى الشيخان عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أنه قال : آخر آية نزلت { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِى الكلالة } [ النساء : 176 ] وآخر سورة نزلت براءة .

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما آخر آية نزلت { واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله } [ البقرة : 281 ] وكان بين نزولها وموته صلى الله عليه وسلم ثمانون يوماً ، وقيل : تسع ليال ، وحاول بعضهم التوفيق بين الروايات في هذا الشأن بما لا يخلو عن كدر .

ويبعد ما روي عن أبي ما أخرجه ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جاءته جهينة فقالوا له : إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا نأمنك وتأمنا قال : ولم سألتم هذا ؟ قالوا : نطلب الأمن فأنزل الله تعالى هذه الآية { لَقَدْ جَاءكُمْ } [ التوبة : 128 ] الخ والله تعالى أعلم بحقيقة الحال .

وقد ذكروا لقوله سبحانه : { فَإِن تَوَلَّوْاْ } الآية ما ذكروا من الخواص ، وقد أخرج أبو داود عن أبي الدرداء موقوفاً . وابن السني عنه قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال حين يصبح وحين يمسي حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات كفاه الله تعالى ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة ، وأخرج ابن النجار في تاريخه عن الحسين رضي الله تعالى عنه قال : من قال حين يصبح سبع مرات حسبي الله لا إله إلا هو الخ لم يصبه في ذلك اليوم ولا تلك الليلة كرب ولا نكب ولا غرق ، وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب قال : خرجت سرية إلى أرض الروم فسقط رجل منهم فانكسرت فخذه فلم يستطيعوا أن يحملوه فربطوا فرسه عنده ووضعوا عنده شيئاً من ماء وزاد فلما ولوا أتاه آت فقال له : مالك ههنا ؟ قال : انكسرت فخذي فتركني أصحابي فقال : ضع يدك حيث تجد الألم وقل : { فَإِن تَوَلَّوْاْ } الآية فوضع يده فقرأها فصح وركب فرسه وأدرك أصحابه ، وهذه الآية ورد هذا الفقير ولله الحمد منذ سنين نسأل الله تعالى أن يوفق لنا الخير ببركتها إنه خير الموفقين .

هذا ومن باب الإشارة : وسلى قلبه عن إعراضهم عن متابعته بقوله جل شأنه : { فَإِن تَوَلَّوْاْ } وأعرضوا عن قبول ما أنت عليه لعدم الاستعداد وزواله { فَقُلْ حَسْبِىَ الله } لا حاجة لي بكم كما لا حاجة للإنسان إلى العضو المتعفن الذي يجب قطعه عقلاً فالله تعالى كافي { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } فلا مؤثر غيره ولا ناصر سواه { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } لا على غيره من جميع المخلوقات إذ لا أرى لأحد منهم فعلاً ولا حول ولا قوة إلا بالله { وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم } [ التوبة : 129 ] المحيط بكل شيء ، وقد ألبسه سبحانه أنوار عظمته وقواه على حمل تجلياته ولولا ذلك لذاب بأقل من لمحة عين ، وإذا قرئ { العظيم } بالرفع فهو صفة للرب سبحانه ، وعظمته جل جلاله مما لا نهاية لها وما قدروا الله حق قدره نسأله بجلاله وعظمته أن يوفقنا لا تمام تفسير كتابه حسبما يحب ويرضى فلا إله غيره ولا يرجى إلا خيره .