في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهۡدِي لِلۡحَقِّۗ أَفَمَن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّيٓ إِلَّآ أَن يُهۡدَىٰۖ فَمَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ} (35)

26

( قل : هل من شركائكم من يهدي إلى الحق ? ) . .

فينزل كتاباً ، ويرسل رسولاً ، ويضع نظاماً ، ويشرع شريعة ، وينذر ويوجه إلى الخير ؛ ويكشف عن آيات الله في الكون والنفس ؛ ويوقظ القلوب الغافلة ، ويحرك المدارك المعطلة . كما هو معهود لكم من الله ومن رسوله الذي جاءكم بهذا كله وعرضه عليكم لتهتدوا إلى الحق ? وهذه قضية ليست من سابق مسلماتهم ، ولكن وقائعها حاضرة بين أيديهم . فليقررها لهم الرسول [ ص ] وليأخذهم بها :

( قل : الله يهدي للحق ) . .

ومن هذه تنشأ قضية جديدة ، جوابها مقرر :

( أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع ? أم من لا يهدي إلا أن يهدى ? ) . .

والجواب مقرر . فالذي يهدي الناس إلى الحق أولى بالاتباع ، ممن لا يهتدي هو بنفسه إلا أن يهديه غيره . .

وهذا ينطبق سواء كان المعبودون حجارة أو أشجاراً أو كواكب . أو كانوا من البشر - بما في ذلك عيسى عليه السلام ، فهو ببشريته محتاج إلى هداية اللّه له ، وإن كان هو قد بعث هاديا للناس - ومن عدا عيسى عليه السلام أولى بانطباق هذه الحقيقة عليه :

( فما لكم ? كيف تحكمون ? ) . .

ما الذي وقع لكم وما الذي أصابكم ? وكيف تقدرون الأمور ، فتحيدون عن الحق الواضح المبين ?

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهۡدِي لِلۡحَقِّۗ أَفَمَن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّيٓ إِلَّآ أَن يُهۡدَىٰۖ فَمَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ} (35)

قوله : { قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق } وهذا احتجاج آخر على حقية التوحيد وبطلان الشرك ، وعلى أن هذه الأصنام الجوامد الصم لا تملك أن تهدي أحدا ، ولا تدري عن أمر الهداية والرسالات والكتب المنزلة شيئا . وهذه من صفات الإله وأعظم دلائل الألوهية . لا جرم أن الأصنام والأوثان وغير ذلك من الأرباب المزعومة أعظم ما تكون بعدا عن هذه الصفات .

قوله : قل الله يهدي للحق } هداية الناس للحق وتوفيقهم إلى الصواب من شأن الله وحده وليس من شأن الأصنام والأنداد المزعومة ، بل الله سبحانه إنما يهدي الحائرين والغافلين إلى صراطه المستقيم .

قوله : { أفمن يهدي إلى الحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدي } الاستفهام للتقرير وإلزامه الحجة . والفاء للترتيب الاستفهام على ما سبق . والمعنى : من أحلق بالاتباع ، من يهدي غيره للحق ، أم الذي { لا يهدي } ويهدي ، بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال . وأصله : يهتدي . وكسرت الهاء لالتقاء الساكنين{[1980]} أي الذي لا يهتدي بنفسه إلا أن يهديه غيره .

وثمة قراءات أخرى للكلمة منها : يهدي ، بفتح الهاء وتشديد الدال ، ومنها : يهدي ، بسكون الهاء وتشديد الدال .

ومنها : يهدي ، بكسر الهاء والياء وتشديد الدال . وقرئت بغير ذلك .

قال الزمخشري في تأويل هذه الآية : إن الله وحده هو الذي يهدي للحق بما ركب في المكلفين من العقول وأعطاهم من التمكين للنظر في الأدلة التي نصبها لهم ، وبما لطف بهم ووفقهم وأولهمهم وأخطر ببالهم وقفهم على الشرائع ، فهل من شركائكم الذين جعلتهم أندادا لله أحد من أشرافهم كالملائكة والمسيح وعزيز يهدي إلى الحق مثل هداية الله ؟ ثم قال : أفمن يهدي إلى الحق هذه الهداية أحق بالاتباع أم الذي لا يهدي ؛ أي لا يهدي بنفسه ، أو لا يهدي غيره إلا أن يهديه الله{[1981]} ؟ .

قوله : { فما لكم كيف تحكمون } { فما لكم } ، استفهام للإنكار والتعجيب . و { كيف تحكمون } ، استفهام آخر ؛ أي كيف تتخذون هؤلاء الصم العمي البكم شركاء تعبدونهم من دون الله وأنتم تعلمون أنهم لا يملكون هداية أنفسهم فضلا عن عدم هداية غيرهم ؛ فكيف تحكمون بالباطل ؟ !


[1980]:الدار المصون جـ 6 ص 198.
[1981]:روح المعاني جـ 6 ص 113- 115 والبحر المحيط جـ 5 ص 156- 158 والكشاف جـ 2 ص 237 وفتح القدير جـ 2 ص 445 والبيان لابن الأنباري جـ 1 ص 412.