والموضوع الثاني في هذا الدرس هو موضوع المرأة . .
ولقد كانت الجاهلية العربية - كما كانت سائر الجاهليات من حولهم - تعامل المرأة معاملة سيئة . . لا تعرف لها حقوقها الإنسانية ، فتنزل بها عن منزلة الرجل نزولا شنيعا ، يدعها أشبه بالسلعة منها بالإنسان . وذلك في الوقت الذي تتخذ منها تسلية ومتعة بهيمية ، وتطلقها فتنة للنفوس ، وإغراء للغرائز ، ومادة للتشهي والغزل العاري المكشوف . . فجاء الإسلام ليرفع عنها هذا كله ، ويردها إلى مكانها الطبيعي في كيان الأسرة وإلى دورها الجدي في نظام الجماعة البشرية . المكان الذي يتفق مع المبدأ العام الذي قرره في مفتتح هذه السورة : ( الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ) . . ثم ليرفع مستوى المشاعر الإنسانية في الحياة الزوجية من المستوى الحيواني الهابط إلى المستوى الإنساني الرفيع ، ويظللها بظلال الاحترام والمودة والتعاطف والتجمل ؛ وليوثق الروابط والوشائج ، فلا تنقطع عند الصدمة الأولى ، وعند الانفعال الأول :
( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ، ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن - إلا أن يأتين بفاحشة مبينة - وعاشروهن بالمعروف ، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ، ويجعل الله فيه خيرا كثيرا . وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ، وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا . أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ؟ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ، وأخذن منكم ميثاقا غليظا ؟ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء - إلا ما قد سلف - إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ) . .
كان بعضهم في الجاهلية العربية - قبل أن ينتشل الإسلام العرب من هذه الوهدة ويرفعهم إلى مستواه الكريم - إذا مات الرجل منهم فأولياؤه أحق بامرأته ، يرثونها كما يرثون البهائم والمتروكات ! إن شاء بعضهم تزوجها ، وإن شاءوا زوجوها وأخذوا مهرها - كما يبيعون البهائم والمتروكات ! - وإن شاءوا عضلوها وأمسكوها في البيت . دون تزويج ، حتى تفتدي نفسها بشيء . .
وكان بعضهم إذا توفي عن المرأة زوجها جاء وليه فألقى عليها ثوبه ، فمنعها من الناس ، وحازها كما يحوز السلب والغنيمة ! فإن كانت جميلة تزوجها ؛ وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها ، أو تفتدي نفسها منه بمال ! فأما إذا فاتته فانطلقت إلى بيت أهلها قبل أن يدركها فيلقي عليها ثوبه ، فقد نجت وتحررت وحمت نفسها منه !
وكان بعضهم يطلق المرأة ، ويشترط عليها ألا تنكح إلا من أراد ؛ حتى تفتدي نفسها منه ، بما كان أعطاها . . كله أو بعضه !
وكان بعضهم إذا مات الرجل حبسوا امرأته على الصبي فيهم حتى يكبر فيأخذها !
وكان الرجل تكون اليتيمة في حجره يلي أمرها ، فيحبسها عن الزواج ، حتى يكبر إبنه الصغير ليتزوجها ، ويأخذ مالها !
وهكذا . وهكذا . مما لا يتفق مع النظرة الكريمة التي ينظر بها الإسلام لشقي النفس الواحدة ؛ ومما يهبط بإنسانية المرأة وإنسانية الرجل على السواء . . ويحيل العلاقة بين الجنسين علاقة تجار ، أو علاقة بهائم !
ومن هذا الدرك الهابط رفع الإسلام تلك العلاقة إلى ذلك المستوى العالي الكريم ، اللائق بكرامة بني آدم ، الذين كرمهم الله وفضلهم على كثير من العالمين . فمن فكرة الإسلام عن الإنسان ، ومن نظرة الإسلام إلى الحياة الإنسانية ، كان ذلك الارتفاع ، الذي لم تعرفه البشرية إلا من هذا المصدر الكريم .
حرم الإسلام وراثة المرأة كما تورث السلعة والبهيمة ، كما حرم العضل الذي تسامه المرأة ، ويتخذ أداة للإضرار بها - إلا في حالة الإتيان بالفاحشة ، وذلك قبل أن يتقرر حد الزنا المعروف - وجعل للمرأة حريتها في اختيار من تعاشره ابتداء أو استئنافا . بكرا أم ثيبا مطلقة أو متوفى عنها زوجها . وجعل العشرة بالمعروف فريضة على الرجال - حتى في حالة كراهية الزوج لزوجته ما لم تصبح العشرة متعذرة - ونسم في هذه الحالة نسمة الرجاء في غيب الله وفي علم الله . كي لا يطاوع المرء انفعاله الأول ، فيبت وشيجة الزوجية العزيزة . فما يدريه أن هنالك خيرا فيما يكره ، هو لا يدريه . خيرا مخبوءا كامنا ، لعله إن كظم انفعاله واستبقى زوجة سيلاقيه :
( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ، ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن - إلا أن يأتين بفاحشة مبينة . وعاشروهن بالمعروف . فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ، ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) . .
وهذه اللمسة الأخيرة في الآية ، تعلق النفس بالله ، وتهدىء من فورة الغضب ، وتفثأ من حدة الكره ، حتى يعاود الإنسان نفسه في هدوء ؛ وحتى لا تكون العلاقة الزوجية ريشة في مهب الرياح . فهي مربوطة العرى بالعروة الوثقى . العروة الدائمة . العروة التي تربط بين قلب المؤمن وربه ، وهي أوثق العرى وأبقاها .
والإسلام الذي ينظر إلى البيت بوصفه سكنا وأمنا وسلاما ، وينظر إلى العلاقة بين الزوجين بوصفها مودة ورحمة وأنسا ، ويقيم هذه الآصرة على الاختيار المطلق ، كي تقوم على التجاوب والتعاطف والتحاب . . هو الإسلام ذاته الذي يقول للأزواج : ( فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) . . كي يستأني بعقدة الزوجية فلا تفصم لأول خاطر ، وكي يستمسك بعقدة الزوجية فلا تنفك لأول نزوة ، وكي يحفظ لهذه المؤسسة الإنسانية الكبرى جديتها فلا يجعلها عرضة لنزوة العاطفة المتقلبة ، وحماقة الميل الطائر هنا وهناك . .
وما أعظم قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لرجل أراد أن يطلق زوجه " لأنه لا يحبها " . . " ويحك ! ألم تبن البيوت إلا على الحب ؟ فأين الرعاية وأين التذمم ؟ " . .
وما أتفه الكلام الرخيص الذي ينعق به المتحذلقون باسم " الحب " وهم يعنون به نزوة العاطفة المتقلبة ، ويبيحون باسمه - لا انفصال الزوجين وتحطيم المؤسسة الزوجية - بل خيانة الزوجة لزوجها ! أليست لا تحبه ؟ ! وخيانة الزوج لزوجته ! أليس أنه لا يحبها ؟ !
وما يهجس في هذه النفوس التافهة الصغيرة معنى أكبر من نزوة العاطفة الصغيرة المتقلبة ، ونزوة الميل الحيواني المسعور . ومن المؤكد أنه لا يخطر لهم أن في الحياة من المروءة والنبل والتجمل والاحتمال ، ما هو أكبر وأعظم من هذا الذي يتشدقون به في تصور هابط هزيل . . ومن المؤكد طبعا أنه لا يخطر لهم خاطر . . الله . . فهم بعيدون عنه في جاهليتهم المزوقة ! فما تستشعر قلوبهم ما يقوله الله للمؤمنين : ( فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) . .
إن العقيدة الإيمانية هي وحدها التي ترفع النفوس ، وترفع الاهتمامات ، وترفع الحياة الإنسانية عن نزوة البهيمة ، وطمع التاجر ، وتفاهة الفارغ !
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) .
تبين الآية الصورة البائسة التي كانت تعيشها المرأة قبل الإسلام . كانت تعيش بغير كرامة أو اعتبار ، وكانت تلاقي من العنت والقهر ما يثير السخط والحزن . ولقد كان العرب الجاهليون إذا مات الرجل بات أولياؤه أحق بامرأته فإن شاء بعضهم تزوجها وإن شاؤوا لم يزوجوها فهم أحق بها من نفسها وأهلها فنزلت هذه الآية . وقيل : كانت المرأة إذا مات زوجها فجاء رجل فألقى عليها ثوبا كان أحق الناس بها فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها إياه الميت فنزلت الآية{[714]} . وفي قوله : ( أن ترثوا النساء ) ما يوحي بفقدان المرأة لكرامتها في الجاهلية فقد كانت غير ذات اعتبار حتى لكأنها سلعة تقتنى وتورث فنهى الله سبحانه عن ذلك ليبدد عن الأذهان أنها سلعة أو مال فيورث ، وإنما هي إنسان كالذكر لا تفضيل ولا تمييز بينهما إلا بالتقوى . قوله : ( كرها ) بالفتح أي بالإكراه ، منصوب على المصدر في موضع الحال . أي لا تأخذوا النساء على سبيل الإرث كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك أو مكرهات . وقوله : ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) العضل معناه المنع والحبس . وقيل : القهر والتضييق . وكلها معان متقاربة في دلالتها على المقصود من الآية . فالله سبحانه ينهى عن مضارة النساء في العشرة وقهرهن ليتركن ما لهن أو ما بحوزتهن من صداق أو حق فيقدمنه لأزواجهن ليفارقوهن . وذلك تصرف ينطوي على القسوة والفظاظة ويلحق بالمرأة ظلما قد حرمته الشريعة ونهت عنه أشد النهي . فإن من الظلم المحرم أن يقهر الرجل زوجته بالأذى وسوء العشرة مما يضطرها للمبادرة بافتداء نفسها بما عندها من صداق تؤديه لزوجها الكاره لها أو بما كان لها من الحقوق في ذمته . ليس للأزواج أن يقترفوا شيئا من ذلك إلا إذا اقترفت النساء فاحشة مبينة . وقيل المقصود بالفاحشة الزنا . فالزوجة إذا زنت فلا بأس أن يشق الزوج عليها حتى تفتدي منه . وعند الإمام مالك أن المقصود بالفاحشة المبينة هو النشوز وبذاءة اللسان وسوء العشر فعلا أو قولا .
وقوله : ( وعاشروهن بالمعروف ) أي لتكن عشرة الأزواج لهن على نحو ما أمر الله من الحُسن وكريم الخطاب والمعاملة فلا تكونوا معهن أفظاظا غلاظا لغير ذنب . والمعاشرة هي المخالطة{[715]} . وبهذا يوجب الإسلام ان تحاط الزوجة بالعناية والاهتمام والتكريم والنصفة ؛ كيلا يمسها بعد ذلك حيف أو إساءة يجنيهما في حقها الرجل .
قوله : ( فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) قد يكره الرجل زوجته فلا يستبقي لها في قلبه شيئا من مودة كأن يكون ذلك لدمامتها أو سوء خلق فيها من غير أن يكون ذلك فاحشة أو نشوزا ، فإن كان كذلك فإنه يندب للرجل أن يحتمل ويصير فعسى أن يؤول ذلك إلى خير لا يعلمه هو حال نفوره وكراهيته . ومن يدري فلعل الله يرزقه منها الذرية الصالحة تقر بهم عينه ويطمئن لهم قلبه ومن خير ما يرد في هذا الصدد قول النبي ( ص ) : " لايفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر " يفرك بفتح الراء يعني يبغض . أي لا يبغض زوج زوجته بغضا يحمله على فراقها بل عليه أن يحتملها ويصبر عليها ويتغاضى عن سيئتها لحسنتها فإن كان فيها ما يكره فإن فيها ما يحب من خلق . قال مكحول : سمعت عمر يقول : إن الرجل ليستخير الله تعالى فيخار له فيسخط على ربه عز وجل فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له . خير بكسر الخاء ومعناها : كان خيرا له .
وفي هذا القول نقف على دليل يبين كراهة الطلاق وإن كان مباحا . وقد قال النبي ( ص ) : " إن الله لا يكره شيئا أباحه إلا الطلاق والأكل وإن الله ليكره المعي إذا امتلأ " {[716]} .