في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَكَيۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا} (21)

ومن ثم لمسة وجدانية عميقة ، وظل من ظلال الحياة الزوجية وريف ، في تعبير موح عجيب :

( وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ، وأخذن منكم ميثاقا غليظا ؟ ) . .

ويدع الفعل : " أفضى " بلا مفعول محدد . يدع اللفظ مطلقا ، يشع كل معانيه ، ويلقي كل ظلاله ، ويسكب كل إيحاءاته . ولا يقف عند حدود الجسد وإفضاءاته . بل يشمل العواطف والمشاعر ، والوجدانات والتصورات ، والأسرار والهموم ، والتجاوب في كل صورة من صور التجاوب . يدع اللفظ يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة إناء الليل وأطراف النهار ، وعشرات الذكريات لتلك المؤسسة التي ضمتهما فترة من الزمان . . وفي كل اختلاجة حب إفضاء . وفي كل نظرة ود إفضاء . وفي كل لمسة جسم إفضاء ، وفي كل اشتراك في ألم أو أمل إفضاء . وفي كل تفكر في حاضر أو مستقبل إفضاء . وفي كل شوق إلى خلف إفضاء . وفي كل التقاء في وليد إفضاء . .

كل هذا الحشد من التصورات والظلال والانداء والمشاعر والعواطف يرسمه ذلك التعبير الموحي العجيب : ( وقد أفضى بعضكم إلى بعض ) . . فيتضاءل إلى جواره ذلك المعنى المادي الصغير ، ويخجل الرجل أن يطلب بعض ما دفع ، وهو يستعرض في خياله وفي وجدانه ذلك الحشد من صور الماضي ، وذكريات العشرة في لحظة الفراق الأسيف !

ثم يضم إلى ذلك الحشد من الصور والذكريات والمشاعر عاملا آخر ، من لون آخر :

( وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) . .

هو ميثاق النكاح ، باسم الله ، وعلى سنة الله . . وهو ميثاق غليظ لا يستهين بحرمته قلب مؤمن ؛ وهو يخاطب الذين آمنوا ، ويدعوهم بهذه الصفة أن يحترموا هذا الميثاق الغليظ .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَكَيۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا} (21)

قوله تعالى : ( وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) أفضى بعضكم إلى بعض من الإفضاء وهو الجماع . وقيل هو أن يخلو الرجل بالمرأة وإن لم يجامعها . والراجح أن الإفضاء يشمل المعنيين المذكورين . وهذه الآية تثير استنكارا لفعل لا يليق أن يأتيه أزواج قد أفضوا إلى زوجاتهم إفضاء تاما من الجماع والخلوة وغيرهما . وهم لا يكونون على تلك الحال من الإفضاء إلا بعد إزهاق لأية صورة من الحواجز أو الحوائل . وهم في تزاوجهم كأنما هم أرواح متلاصقة متحانية بغير فصام أو أنهم أجساد تتلاحم في تلاق ودود لا يعرف الخصام فكيف يليق بالأزواج – والحالة هذه – أن يعاودوا المطالبة بما قدموه لزوجاتهم من صداق . إنه لا وجه لهذه المطالبة من الناحية الشرعية . فضلا عن منافاتها لقواعد الخلق والوفاء وكريم الطبع خصوصا وأن الزوجات أخذن من أزواجهن ميثاقا غليظا قد عوّلن عليه واطمأنن إليه وهو عقد النكاح الذي يمكن للمرأة من المال في ذمة الزوج . ويبيح للرجل من عفاف الزوجة ما كان محظورا . فقد بات ذلك كله نافذا أو سائغا بالميثاق الغليظ وهو العقد المتين .