في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأۡمَنُوكُمۡ وَيَأۡمَنُواْ قَوۡمَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعۡتَزِلُوكُمۡ وَيُلۡقُوٓاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَـٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا} (91)

88

ولكن هناك طائفة أخرى ، لا يتسامح معها الإسلام هذا التسامح . لأنها طائفة منافقة شريرة كالطائفة الأولى . وليست مرتبطة بميثاق ولا متصلة بقوم لهم ميثاق . فإلاسلام إزاءها إذن طليق . يأخذها بما اخذ به طائفة المنافقين الأولى :

ستجدون آخرين ، يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم . كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها . فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ، ويكفوا أيديهم ؛ فخذوهم ، واقتلوهم حيث ثقفتموهم ، وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينًا . .

حكى ابن جرير عن مجاهد ، أنها نزلت في قوم من أهل مكة ، كانوا يأتون النبي [ ص ] فيسلمون رياء ؛ ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان ، يبتغون بذلك أن يأمنوا ها هنا ، وها هنا . فأمر بقتلهم - إن لم يعتزلوا ويصلحوا - ولهذا قال تعالى : ( فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم )[ المهادنة والصلح ] ( ويكفوا أيديهم )[ أي عن القتال ]( فخذوهم )[ أسراء ] ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم )[ أي حيث وجدتموهم ] ( وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينًا ) .

وهكذا نرى صفحة من حسم الإسلام وجديته ، إلى جانب سماحته وتغاضيه . . هذه في موضعها ، وتلك في موضعها . وطبيعة الموقف ، وحقيقة الواقعة ، هي التي تحدد هذه وتلك . .

ورؤية هاتين الصفحتين - على هذا النحو - كفيلة بأن تنشىء التوازن في شعور المسلم ؛ كما تنشىء التوازن في النظام الإسلامي - السمة الأساسية الأصيلة - فأما حين يجيء المتشددون فيأخذون الأمر كله عنفا وحماسة وشدة واندفاعا فليس هذا هو الإسلام ! وأما حين يجيء المتميعون المترققون المعتذرون عن الجهاد في الإسلام ، كأن الإسلام في قفص الاتهام وهم يترافعون عن المتهم الفاتك الخطير ! فيجعلون الأمر كله سماحة وسلمًا وإغضاء وعفوا ؛ ومجرد دفاع عن الوطن الإسلامي وعن جماعة المسلمين - وليس دفعًا عن حرية الدعوة وإبلاغها لكل زاوية في الأرض بلا عقبة . وليس تأمينًا لأي فرد في كل زاوية من زوايا الأرض يريد أن يختار الإسلام عقيدة . وليس سيادة لنظام فاضل وقانون فاضل يأمن الناس كلهم في ظله ، من اختار عقيدته ومن لم يخترها سواء . . فأما حينئذ فليس هذا هو الإسلام .

وفي هذه الطائفة من أحكام المعاملات الدولية بلاغ وبيان . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأۡمَنُوكُمۡ وَيَأۡمَنُواْ قَوۡمَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعۡتَزِلُوكُمۡ وَيُلۡقُوٓاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَـٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا} (91)

قوله تعالى : ( ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ) .

وهذا فريق من الناس يشبهون الصنف السابق الذين حصرت قلوبهم عن قتال المسلمين . وهو شبه في الظاهر ولكن الباطن يختلف فيما بين الفريقين اختلافا كبيرا ،

الفريق الأول ما كان يكنّ غيظا أو سوءا للمسلمين وهو باق على حاله من إيثار المسالمة والموادعة . لكن الفريق الآخر وهو الوارد هنا ينطوي على سوء في القصد وفساد في النيّة . وهؤلاء يتظاهرون أمام النبي بأنهم موادعون مصانعون وأنهم يوادّون المسلمين ولا ينوون لهم شرا حتى إذا خلوا إلى المشركين انحسرت نفوسهم عن أخبث قصد وأسوأ غاية ثم كاشفوا المشركين بأنهم معهم وأنهم وإياهم جميعا على الشرك .

وبهذا الأسلوب المتأرجح المتلجلج يمسك هؤلاء المنافقون بخيط الأمان والسلامة ليظلوا دائما في منجاة من صولة أحد مع العلم بأنهم يضمرون العداء للمسلمين والمودّة للمشركين . وفي ذلك تقول الآية :

( كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ) أي كل ما خلوا إلى المشركين حيث الشرك والغواية انقلبوا إلى الفتنة وانتكسوا فيها انتكاسا ، وفي قول آخر هو أنهم إذا دعوا إلى الفتنة ( الشرك ) عادوا إليها وسقطوا فيها .

وقد نقل الإمام الطبري عن مجاهد أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل مكة كانوا يأتون النبي ( ص ) فيسلمون أمامه رياء فأمر بقتلهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا . ومن أجل ذلك قوله تعالى : ( فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ) وهو المهادنة والمصالحة ( ويكفوا أيديهم ) الكف هو المنع والصرف ، أي يمنعون أنفسهم من قتال المسلمين . فإذا لم يكونوا كذلك من اعتزال المسلمين والامتناع من محاربتهم والتآمر عليهم وجب أخذهم والتمكن منهم ثم قتلهم بغير رحمة أو هوادة وذلك حيث لقيهم المسلمون .

قوله : ( وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ) أي برهانا واضحا بينا . ومعنى ذلك أن الله جلّت قدرته قد سوّغ للمسلمين بما خوّلهم من حجة وبرهان أن يقتلوا أولئك الفاسدين المذبذبين الذين يتظاهرون بالموادعة للمسلمين ومصالحتهم وهم يكنّون للمشركين الودّ{[804]} .


[804]:- تفسير الطبري جـ 4 ص 125- 127 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 532.