في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} (38)

38

ذلك بدء العتاب للمتخلفين والتهديد بعاقبة التثاقل عن الجهاد في سبيل اللّه ، والتذكير لهم بما كان من نصر اللّه لرسوله ، قبل أن يكون معه منهم أحد ، وبقدرته على إعادة هذا النصر بدونهم ، فلا ينالهم عندئذ إلا إثم التخلف والتقصير .

( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل اللّه اثاقلتم إلى الأرض )

إنها ثقلة الأرض ، ومطامع الأرض ، وتصورات الأرض . . ثقلة الخوف على الحياة ، والخوف على المال ، والخوف على اللذائذ والمصالح والمتاع . . ثقلة الدعة والراحة والاستقرار . . ثقلة الذات الفانية والأجل المحدود والهدف القريب . . . ثقلة اللحم والدم والتراب . . والتعبير يلقي كل هذه الظلال بجرس ألفاظه : ( اثاقلتم ) . وهي بجرسها تمثل الجسم المسترخي الثقيل ، يرفعه الرافعون في جهد فيسقط منهم في ثقل ! ويلقيها بمعنى ألفاظه : ( اثاقلتم إلى الأرض ) . . وما لها من جاذبية تشد إلى أسفل وتقاوم رفرفة الأرواح وانطلاق الأشواق .

إن النفرة للجهاد في سبيل اللّه انطلاق من قيد الأرض ، وارتفاع على ثقلة اللحم والدم ؛ وتحقيق للمعنى العلوى في الإنسان ، وتغليب لعنصر الشوق المجنح في كيانه على عنصر القيد والضرورة ؛ وتطلع إلى الخلود الممتد ، وخلاص من الفناء المحدود :

( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ? فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل )

وما يحجم ذو عقيدة في اللّه عن النفرة للجهاد في سبيله ، إلا وفي هذه العقيدة دخل ، وفي إيمان صاحبها بها وهن . لذلك يقول الرسول - [ ص ] - " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من شعب النفاق " . فالنفاق - وهو دخل في العقيدة يعوقها عن الصحة والكمال - هو الذي يقعد بمن يزعم أنه على عقيدة عن الجهاد في سبيل اللّه خشية الموت أو الفقر ، والآجال بيد اللّه ، والرزق من عند اللّه . وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} (38)

قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل 38 إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير } نزلت في الحث على غزوة تبوك ؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف وغزوة حنين أمر بالجهاد لغزو الروم ، وذلك في زمان عسرة من البأس ، وجدب من البلاد ، وشدة من الحر ، حين أخرفت النخل{[1781]} وطابت الثمار ، فعظم على الناس غزو الروم ، وأحبوا الظلال والمقام في المساكين والمال ، وشق عليهم الخروج إلى القتال ، فلما علم الله تثاقل الناس أنزل هذه الآية{[1782]} .

قوله : { ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله } ما ، حرف استفهام معناه التوبيخ . والتقدير : أي شيء يمنعكم عن كذا ؛ وذلك على سبيل العتاب والتوبيخ لمن تخلف من المسلمين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وكانت سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام .

وقوله : { انفروا } من النفر ، بسكون الفاء ، وهو في الأصل يعني الخروج من مكان إلى مكان آخر لأمر واجب . واسم القوم الذين يخرجون لذلك ، النفير{[1783]} ؛ أي ما لكم إذا قيل لكم اخرجوا مجاهدين في سبيل الله لجهاد أعدائه { اثاقلتم إلى الأرض } أي تثاقلتم إلى نعيم الحياة ولزوم الأرض وما فيها من متاع وزينة ، أو ملتم إلى الإقامة بأرضكم ومساكنكم حيث الاستقرار والدعة ، وزهدتم في الخروج للقاء المشركين الظالمين .

قوله : { أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة } أي أرضيتم بنعيم الدنيا بدلا من نعيم الآخرة ؟ ! أرضيتم بهذه العاجلة التي تمر في عجل عابر وتغفلون عن الآخرة حيث النعيم المستديم ؟ ! فنعيم الدنيا حطام زائل ، ونعيم الآخرة ماكث سرمد . فكيف يستعاض عن الماكث الباقي بالحطام الدائر ؟ إنه لا يفعل ذلك إلا ضال مأفون .

قوله : { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } أي فما الذي تستمتعون به في دنياكم هذه مما فيها من اللذات والنعيم في جنب الآخرة { إلا قليل } أي متاع صغير بالغ الهوان .


[1781]:أخرفت النخل: حان وقت خرافها، وهو اجتناؤها. انظر المعجم الوسيط جـ 1 ص 228.
[1782]:أسباب النزول للنيسابوري ص 165.
[1783]:المعجم الويسط جـ 2 ص 939 وتفسير الرازي جـ 16 ص 61.