في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ} (76)

54

كل هذا الحوار كان على منظر ومسمع من يوسف . فأمر بالتفتيش . وأرشدته حصافته إلى أن يبدأ برحالهم قبل رحل أخيه . كي لا يثير شبهة في نتيجة التفتيش :

( فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه ) !

ويدعنا السياق نتصور الدهشة بالمفاجأة العنيفة لأبناء يعقوب الموقنين ببراءتهم ، الحالفين ، المتحدين . . فلا يذكر شيئا عن هذا ، بل يتركه يتملاه الخيال على الصورة التي تكمل رسم المشهد بانفعالاته . . بينما يأخذ في التعقيب ببعض مرامي القصة ، ريثما يفيق النظارة وأبناء يعقوب مما هم فيه :

( كذلك كدنا ليوسف ) . .

أي كذلك دبرنا له هذا التدبير الدقيق .

( ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ) . .

فلو حكم شريعة الملك ما تمكن من أخذ أخيه ، إنما كان يعاقب السارق على سرقته ، دون أن يستولي على أخيه كما استولى عليه بتحكيم إخوته لدينهم هم . وهذا هو تدبير الله الدي ألهم يوسف أسبابه . وهو كيد الله له . والكيد يطلق على التدبير في الخفاء للخير أو للشر سواء . وإن كان الشر قد غلب عليه . وظاهر الأمر هنا أنه شر يحل بأخيه وهو شر يحل بإخوته لإحراجهم أمام أبيه . وهو سوء - ولو مؤقتا - لأبيه . فلهذا اختار تسميته كيدا على إجمال اللفظ وبالإلماع إلى ظاهره . وهو من دقائق التعبير .

( ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ) . . ( إلا أن يشاء الله ) . .

فيدبر مثل هذا التدبير الذي رأيناه .

ويتضمن التعقيب الإشارة إلى ما ناله يوسف من رفعة :

( نرفع درجات من نشاء ) . .

وإلى ما ناله من علم ، مع التنبيه إلى أن علم الله هو الأعلى :

( وفوق كل ذي علم عليم ) . .

وهو احتراس لطيف دقيق .

ولا بد أن نقف أمام التعبير القرآني الدقيق العميق :

( كذلك كدنا ليوسف . . ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك . . . ) . .

إن هذا النص يحدد مدلول كلمة " الدين " - في هذا الموضع - تحديدا دقيقا . . إنه يعني : نظام الملك وشرعه . . فإن نظام الملك وشرعه ما كان يجعل عقوبة السارق هو أخذه في جزاء سرقته . إنما هذا كان نظام يعقوب وشريعة دينه . وقد ارتضى إخوة يوسف تحكيم نظامهم هم وشريعتهم ؛ فطبقها يوسف عليهم عندما وجد صواع الملك في رحل أخيه . . وعبر القرآن الكريم عن النظام والشريعة بأنها " الدين " . .

هذا المدلول القرآني الواضح هو الذي يغيب في جاهلية القرن العشرين عن الناس جميعا . سواء منهم من يدعون أنفسهم مسلمين وغيرهم من الجاهلين !

إنهم يقصرون مدلول " الدين " على الاعتقاد والشعائر . . ويعدون كل من يعتقد في وحدانية الله وصدق رسوله ويؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ؛ ويؤدي الشعائر المكتوبة . . . داخلا في " دين الله " مهما تكن دينونته بالطاعة والخضوع وإقراره بالحاكمية لغير الله من الأرباب المتفرقة في

الأرض . . بينما النص القرآني هنا يحدد مدلول " دين الملك " بانه نظام الملك وشريعته . وكذلك " دين الله " فهو نظامه وشريعته . .

إن مدلول " دين الله " قد هزل وانكمش حتى صار لا يعني في تصور الجماهير الجاهلية إلا الاعتقاد والشعائر . . ولكنه لم يكن كذلك يوم جاء هذا الدين منذ آدم ونوح إلى محمد عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين .

لقد كان يعني دائما : الدينونة لله وحده ؛ بالتزام ما شرعه ، ورفض ما يشرعه غيره . وإفراده - سبحانه - بالألوهية في الأرض مثل إفراده بالألوهية في السماء ؛ وتقرير ربوبيته وحده للناس : أي حاكميته وشرعه وسلطانه وأمره . وكان مفرق الطريق دائما بين من هم في دين " الله " ومن هم في " دين الملك " أن الأولين يدينون لنظام الله وشرعه وحده ، وأن الآخرين يدينون لنظام الملك وشرعه . أو يشركون فيدينون لله في الاعتقاد والشعائر ، ويدينون لغير الله في النظام والشرائع !

وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة ، ومن بديهيات العقيدة الإسلامية تماما .

وبعض المترفقين بالناس اليوم يتلمسون لهم عذرا في أنهم يجهلون مدلول كلمة " دين الله " وهم من ثم لا يصرون ولا يحاولون تحكيم شريعة الله وحدها بوصفها هي " الدين " . وأن جهلهم هذا بمدلول الدين يعفيهم من أن يكونوا جاهليين مشركين !

وأنا لا أتصور كيف أن جهل الناس ابتداء بحقيقة هذا الدين يجعلهم في دائرة هذا الدين !

إن الاعتقاد بحقيقة فرع عن معرفتها . فإذا جهل الناس حقيقة عقيدة فكيف يكونون معتنقين لها ؟ وكيف يحسبون من أهلها وهم لا يعرفون ابتداء مدلولها ؟

إن هذا الجهل قد يعفيهم من حساب الآخرة ، أو يخفف عنهم العذاب فيها ؛ ويلقي بتبعاتهم وأوزارهم على كاهل من لا يعلمونهم حقيقة هذا الدين وهم يعرفونها . . ولكن هذه مسألة غيبية متروك أمرها لله ، والجدل في الجزاء الأخروي لأهل الجاهلية عامة ليس وراءه كبير طائل . وليس هو الذي يعنينا نحن البشر الذين ندعو إلى الإسلام في الأرض !

إن الذي يعنينا هو تقرير حقيقة الدين الذي فيه الناس اليوم . . إنه ليس دين الله قطعا . فدين الله هو نظامه وشرعه وفق النصوص القرآنية الصريحة . فمن كان في نظام الله وشرعه فهو في " دين الله " . ومن كان في نظام الملك وشرعه فهو في " دين الملك " . ولا جدال في هذا .

والذين يجهلون مدلول الدين لا يمكن أن يكونوا معتقدين بهذا الدين . لأن الجهل هنا وارد على أصل حقيقة الدين الأساسية . والجاهل بحقيقة هذا الدين الأساسية لا يمكن عقلا وواقعا أن يكون معتقدا به . إذ الاعتقاد فرع عن الإدراك والمعرفة . . وهذه بديهية . .

وخير لنا من أن ندافع عن الناس - وهم في غير دين الله - ونتلمس لهم المعاذير ، ونحاول أن نكون أرحم بهم من الله الذي يقرر مدلول دينه وحدوده ! . .

خير لنا من هذا كله أن نشرع في تعريف الناس حقيقة مدلول " دين الله " ليدخلوا فيه . . أو يرفضوه . .

هذا خير لنا وللناس أيضا . . خير لنا لأنه يعفينا من تبعة ضلال هؤلاء الجاهلين بهذا الدين ، الذين ينشأ عن جهلهم به عدم اعتناقه في الحقيقة . . وخير للناس لأن مواجهتهم بحقيقة ما هم عليه - وأنهم في دين الملكلا في دين الله - قد تهزهم هزة تخرجهم من الجاهلية إلى الإسلام ، ومن دين الملك إلى دين الله !

كذلك فعل الرسل - عليهم صلوات الله وسلامه - وكذلك ينبغي أن يفعل الدعاة إلى الله في مواجهة الجاهلية في كل زمان ومكان . .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ} (76)

قوله تعالى : { فبدأ بأوعيتهم } ، لإزالة التهمة ، { قبل وعاء أخيه } ، فكان يفتش أوعيتهم واحدا واحدا . قال قتادة : ذكر لنا أنه كان لا يفتح متاعا ولا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثما مما قذفهم به حتى إذا لم يبق إلا رحل بنيامين ، قال : ما أظن هذا أخذه ، فقال إخوته : والله لا نترك حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك ولأنفسنا ، فلما فتحوا متاعه استخرجوه منه { ثم استخرجها من وعاء أخيه } ، وإنما أنث الكناية في قوله { ثم استخرجها } والصواع مذكر ، بدليل قوله : { ولمن جاء به حمل بعير } ، لأنه رد الكناية هاهنا إلى السقاية . وقيل : الصواع يذكر ويؤنث . فلما أخرج الصواع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم من الحياء ، وأقبلوا على بنيامين وقالوا : ما الذي صنعت فضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل ؟ ما يزال لنا منكم البلاء ، متى أخذت هذا الصواع ؟ فقال بنيامين : بل بنو راحيل لا يزال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية ، ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم ، فأخذوا بنيامين رقيقا . وقيل : إن ذلك الرجل أخذ برقبته ورده إلى يوسف كما يرد السراق . { كذلك كدنا ليوسف } ، والكيد هاهنا جزاء الكيد ، يعني : كما فعلوا في الابتداء بيوسف من الكيد فعلنا بهم . وقد قال يعقوب عليه السلام ليوسف : { فيكيدوا لك كيدا } ، فكدنا ليوسف في أمرهم . والكيد من الخلق : الحيلة ، ومن الله تعالى التدبير بالحق . وقيل : كدنا : ألهمنا . وقيل : دبرنا . وقيل : أردنا . ومعناه : صنعنا ليوسف حتى ضم أخاه إلى نفسه ، وحال بينه وبين إخوته . { ما كان ليأخذ أخاه } فيضمه إلى نفسه ، { في دين الملك } ، أي : في حكمه . قاله قتادة . وقال ابن عباس : في سلطانه . { إلا أن يشاء الله } ، يعني : إن يوسف لم يكن يتمكن من حبس أخيه في حكم الملك لولا ما كدنا له بلطفنا حتى وجد السبيل إلى ذلك ، وهو ما أجرى على ألسنة الإخوة أن جزاء السارق الاسترقاق ، فحصل مراد يوسف بمشيئة الله تعالى . { نرفع درجات من نشاء } ، بالعلم كما رفعنا درجة يوسف على إخوته . وقرأ يعقوب : يرفع ، و يشاء بالياء فيهما وإضافة درجات إلى من في هذه السورة . والوجه أن الفعل فيهما مسند إلى الله تعالى ، وقد تقدم ذكره في قوله : { إلا أن يشاء الله } أي : يرفع الله درجات من يشاء . وقرأ الباقون بالنون فيهما ، إلا أن الكوفيين قرؤوا : { درجات } بالتنوين ، ومن سواهم بالإضافة ، أي : نرفع به نحن ، والرافع أيضا هو الله تعالى . { وفوق كل ذي علم عليم } . قال ابن عباس : فوق كل ذي عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى . فالله تعالى فوق كل عالم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ} (76)

{ فبدأ } أي فتسبب عن ذلك أنه بدأ المؤذن أو غيره ممن أمر بذلك { بأوعيتهم } .

ولما لم يكن - بين فتح أوعيتهم وفتح وعاء أخيه - فاصل يعد فاصلاً ، فكانت بداءته بأوعيتهم مستغرقة لما بينهما من الزمان ، لم يأت بجار ، فقال { قبل وعاء أخيه } أي أخي يوسف عليه الصلاة والسلام شقيقه ، إبعاداً عن التهمة { ثم } أي بعد تفتيش أوعيتهم والتأني في ذلك{[42275]} { استخرجها } أي أوجد إخراج السقاية{[42276]} التي تقدم أنه{[42277]} جعلها في وعاء أخيه { من وعاء أخيه } .

ولما كان هذا كيداً عظيماً في أخذ أخيه بحكمهم ، مع ما توثق منهم أبوهم ، عظمه تعالى بالإشارة إليه بأداة البعد والإسناد إليه فقال{[42278]} : { كذلك } أي مثل هذا الكيد العظيم { كدنا ليوسف } خاصة بأن علمناه إياه جزاء لهم على كيدهم بيوسف عليه الصلاة والسلام ، {[42279]} ولذلك صنعنا جميع الصنائع التي أعلت يوسف عليه الصلاة والسلام{[42280]} وألجأت إخوته الذين كادوه بما ظنوا أنه أبطل أمره إلى المجيء إليه إلى أن كان آخرها حكمهم على أنفسهم بما حكموا ، ثم علل ذلك بقوله : { ما كان } أو{[42281]} هو استئناف{[42282]} تفسير للكيد ، وأكد{[42283]} النفي باللام فقال : { ليأخذ أخاه } .

ولما كان الأخذ على جهات مختلفة ، قيده بقوله : { في دين الملك } يعني ملك مصر ، على حالة من الحالات ، لأن جزاء السارق عندهم غير هذا { إلا أن يشاء الله } أي الذي له الأمر كله ، ذلك بسبب يقيمه كهذا{[42284]} السبب الذي هو حكم السارق وأهله على أنفسهم ، فلا يكون حينئذ من الملك إلا تخليتهم{[42285]} وما حكموا به على نفوسهم .

ومادة " سرق " بتراكيبها الأربعة{[42286]} : سرق ، وسقر ، وقسر ، وقرس - تدور على الغلبة المحرقة والموجعة ، وتارة تكون بحر ، وتارة ببرد ، وتارة بغير ذلك ، وتلازمها القوة والضعف{[42287]} والكثرة والقلة والمخادعة ، فيأتي الخفاء{[42288]} والليل ، فمن مطلق الغلبة : القسر ، وهو الغلبة والقهر ، وقال ابن دريد : القسر{[42289]} : الأخذ بالغلبة والاضطهاد ، والقسورة{[42290]} : الأسد ، والعزيز{[42291]} كالقسور ، والرماة{[42292]} من الصيادين ، واحده قسور ، ونبات سهلي - كأنه يكثر فيه الصيد ، فتنتابه القساورة ، وقسور النبت{[42293]} : كثر ، و{[42294]} ركز الناس ، أي صوتهم الخفي{[42295]} وحسهم - لأن الصيادين يتخافتون ؛ والسقر لغة في الصقر - لطير{[42296]} يصيد ؛ وقسر : جبل السراة - كأنه موضع الصيد والقسر والغلبة ، والقيسري : الكثير{[42297]} - لأنه ملزوم للغلبة ، وضرب من الجعلان - كأنه سمي لمطلق الكثرة ولأذاه بما يعانيه من النجاسات ، والقيسري{[42298]} - أيضاً من الإبل : العظيم أو الصلب أو الضخم الشديد : وجمل قراسية - بالضم وتخفيف الياء : ضخم{[42299]} ، والقرس - بالكسر : صغار البعوض ؛ والقسورة أيضاً من الغلمان : الشاب القوي ، والرامي{[42300]} - لأنه أهل لأن يغلب ، والقسور أيضاً : الصياد مطلقاً ؛ ويلزمه المخادعة والاستخفاء ، ومنه القسورة : نصف الليل أو أوله أو معظمه - لأنه{[42301]} محل الاستخفاء والمقاهرة ؛ ومنه السرق ، وهو الأخذ في خفية ، وعبارة القزاز : في ختل{[42302]} وغفلة ، وسرق - كفرح : خفي ، والسوارق{[42303]} : الزوائد في فراش القفل{[42304]} - لغرابتها وخفاء أمرها ، أو لسلبها السرقة بمنعها{[42305]} السارق من فتح القفل ، والمسترق : المستمع مختفياً ، وانسرق عنهم : خنس ليذهب ، ويلزم المخادعة والاختفاء نوع ضعف ، ومنه : سرقت مفاصله - كفرح : ضعفت ، والمسترق : الناقص الضعيف الخلق ؛ وانسرق : فتر وضعف - إما منه وإما من السلب{[42306]} ، لأن من فتر أو ضعف يكف{[42307]} عن السرقة والأذى ؛ وقسور{[42308]} الرجل : أسن ، وكان منه القارس والقريس أي القديم{[42309]} ، ومسترق العنق : قصيرها - كأنه سرق منها شيء ، وهو يسارق النظر إليه ، أي يطلب غفلته لينظر إليه ، وتسرق : سرق{[42310]} شيئاً فشيئاً ، وسُرَّق - كسكر - كان{[42311]} اسمه الحباب فابتاع من بدوي{[42312]} راحلتين ، ثم أجلسه على باب دار ليخرج إليه بثمنهما{[42313]} فخرج من الباب الآخر فهرب بهما ، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم سرقاً{[42314]} ، وكان لا يحب أن يسمى بغيره ، والسرق - محركاً : أجود الحرير أو الحرير{[42315]} الأبيض ، أو الحرير عامة ، فارسي معرب أصله سره{[42316]} ، قال القزاز : ومعناه : جيد ، لأنه أهل لأن يقصد بالسرقة لخفة محمله وكثرة تمنه ، والسرقين معرب سركين{[42317]} يمكن أن يكون من الضعف ، ولعل المعرب يكون خارجاً عن أصل المادة ، لأنه لا{[42318]} أصل له في العربية ؛ ومن الأذى بالحر السفر : حر الشمس وأذاه{[42319]} ، يقال : سقرته الشمس - بالسين والصاد - إذا آلمت دماغه ، ومنه اشتقاق سقر ، وهو اسم إحدى طبقات النار{[42320]} ، والسقر : القيادة على{[42321]} الحرم ، والسقر : ما يسيل من الرطب - من التسمية باسم{[42322]} السبب ، لأن الحر سببه ، والقوسرة : القوصرة - ويخففان - لأنه يوضع فيه التمر الذي قد{[42323]} يكون منه السقر{[42324]} ، والساقر{[42325]} : الكافر واللعان{[42326]} لغير المستحقين - لكثرة الأذى ، {[42327]} أو لاستحقاق الكون في سقر{[42328]} ، والساقور{[42329]} : الحر والحديدة يكوى{[42330]} بها الحمار ؛ ومن الأذى بالبرد : القرس - وهو البرد الشديد والبارد ، والقرس - ويحرك : أبرد الصقيع وأكثفه ، والقرس - بالتحريك : الجامد ، وأقرس العود جمد ماءه ، ومنه القريس - لسمك طبخ وترك حتى جمد ، وقرس الماء : جمد ، والبرد : اشتد كقرس{[42331]} كفرح ، وآل قراس ويقال : بنات{[42332]} قراس - كسحاب : أجبل باردة أو هضاب بناحية السراة ، وقرسنا الماء : بردناه .

إذا تقرر ذلك فتصحيح قول المؤذن " إنكم لسارقون " إن نظر إلى الغلبة في خفاء فلا شك أنهم متصفون بذلك لأخذهم{[42333]} يوسف من أبيه عليهما السلام على هذه الحالة ، وإن نظر إلى مطلق الأخذ{[42334]} في خفاء{[42335]} فيكون إطلاق{[42336]} ذلك عليهم مجازاً ، لأن معهم - في حال ندائه لهم وهم سائرون - شيئاً ليس هو لهم هم ذاهبون به في خفاء ، أي أنتم في هذه الحالة فاعلون فعل السارق ، ويقوي إرادة الأول قوله تعالى { لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون } وقوله تعالى : { من وجدنا متاعنا عنده } كما سيأتي{[42337]} .

ولما كان يوسف عليه الصلاة والسلام إنما تمكن{[42338]} من ذلك بعلو درجته وتمكنه ورفعته ، بعد ما كان فيه عندهم من الصغار ، كان ذلك محل عجب ، فقال تعالى - التفاتاً إلى مقام التكلم تقوية{[42339]} للكلام بمقام الغيبة والتكلم ، وزاده إشعاراً بعظمة ، هذا الفعل بصوغه في مظهر العظمة منبهاً لمن قد يغفل : { نرفع } أي بما لنا من العظمة ، وكان الأصل : درجاته ، ولكنه عمم لأنه أدل على العظمة ، فكان أليق بمظهرها ، فقال منبهاً على أنه كان حصل ليوسف عليه الصلاة والسلام من الهضم ما ظن كما{[42340]} ظن أنه لا يرتفع بعده : { درجات من نشاء } أي بالعلم .

ولما كان سبب{[42341]} الرفعة هو الأعلمية بالأسباب ، وذلك أن{[42342]} الخلق لو اجتهدوا في خفض أحد فنصبوا{[42343]} له كل سبب علموه وقدروا عليه ، وأراد{[42344]} الله ضد ذلك ، لقيّض{[42345]} بعلمه سبباً واحداً إن شاء فأبطل جميع تلك الأسباب وقضى برفعته ، نبه تعالى على ذلك بقوله : { وفوق كل ذي علم } أي من الخلق { عليم } عظيم العلم ، لا تكتنه عظمة علمه العقول ، ولا تتخيلها الفهوم{[42346]} ، فهو يسبب{[42347]} من الأسباب ما تطيح له أسباب العلماء وتحير له ألباب العقلاء البصراء ، وهو الله تعالى - كما نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وسعيد بن جبير{[42348]} ، فالتنوين للتعظيم .


[42275]:زيد من ظ و م ومد.
[42276]:في ظ: السقاة.
[42277]:في ظ: التي- كذا.
[42278]:زيد من م ومد.
[42279]:سقط ما بين الرقمين من مد.
[42280]:سقط ما بين الرقمين من مد.
[42281]:من م ومد، وفي الأصل و ظ "و".
[42282]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: استيفاد.
[42283]:زيد ما بين الحاجزين من ظ و م ومد.
[42284]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: هكذا.
[42285]:في م ومد: تحليتهم.
[42286]:في م ومد: الأربع.
[42287]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الضعفة.
[42288]:في م: الخفي.
[42289]:راجع الجمهرة 2/334.
[42290]:راجع الجمهرة 3/362 والقاموس.
[42291]:من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل: العرير- كذا.
[42292]:من م والقاموس، وفي الأصل و ظ ومد: الرماد.
[42293]:في ظ: البنت.
[42294]:زيد في التاج: القسورة.
[42295]:في م: الحفي.
[42296]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: فطير.
[42297]:في القاموس: الكبير.
[42298]:العبارة من " الكثير" إلى هنا ساقطة من ظ.
[42299]:من م ومد والقاموس، وفي الأصل و ظ: فخم.
[42300]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: الراي؛ وراجع أيضا القاموس.
[42301]:من م ومد، وفي الأصل: أو انه، وفي ظ: انه.
[42302]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: حقل.
[42303]:زيدت الواو بعده في الأصل و ظ، ولم تكن في م ومد فحذفناها.
[42304]:من مد والقاموس، وفي الأصل و ظ: القمل، وفي م: الفعل- كذا.
[42305]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: يمنعها.
[42306]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: المسلب.
[42307]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: يكفه.
[42308]:في مد: تسور.
[42309]:من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل: النديم.
[42310]:زيد من م ومد والقاموس.
[42311]:سقط من م.
[42312]:من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل: بدري.
[42313]:من م ومد والقاموس، وفي الأصل و ظ: بثمنها.
[42314]:في ظ: سراقا.
[42315]:زيد من ظ و م ومد، غير أن في ظ ومد "و" مكان "أو".
[42316]:في م: سرة، وراجع أيضا التاج.
[42317]:في ظ: سريكين.
[42318]:زيد من م ومد.
[42319]:من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل: إذا.
[42320]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الناس.
[42321]:في ظ: عن.
[42322]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: اسم.
[42323]:سقط من ظ.
[42324]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الساقر.
[42325]:في القاموس: السقار.
[42326]:في ظ: اللقان.
[42327]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[42328]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[42329]:من م ومد والقاموس، وفي الأصل و ظ: السارق.
[42330]:في ظ: يكون.
[42331]:في ظ: كقرح.
[42332]:في م: نبات.
[42333]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لأحدهم.
[42334]:سقط من ظ.
[42335]:زيد من م.
[42336]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: إطلاقه.
[42337]:في م: يأتي.
[42338]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: يمكن.
[42339]:من م ومد، وفي الأصل: بقوته، وفي ظ: لقوته.
[42340]:في م ومد: كل.
[42341]:العبارة من هنا إلى "كل سبب" متكررة في الأصل.
[42342]:في ظ: لأن.
[42343]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: نصبوا.
[42344]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: أراده.
[42345]:من م ومد، وفي الأصل: لتيفن، وفي ظ: يفيض.
[42346]:في ظ: المفهوم.
[42347]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: بسبب.
[42348]:راجع الدر المنثور للسيوطي 4/18.