ويمضي السياق بتلقين جديد من الله لرسوله [ ص ] يتحداهم به ، ويعلن الحقيقة التي يتضمنها على رؤوس الأشهاد :
( قل : من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ، مصدقا لما بين يديه ، وهدى وبشرى للمؤمنين . من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ، فإن الله عدو للكافرين ) . .
وفي قصة هذا التحدي نطلع على سمة أخرى من سمات يهود . سمة عجيبة حقا . . لقد بلغ هؤلاء القوم من الحنق والغيظ من أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده مبلغا يتجاوز كل حد ، وقادهم هذا إلى تناقض لا يستقيم في عقل . . لقد سمعوا أن جبريل ينزل بالوحي من عند الله على محمد [ ص ] ولما كان عداؤهم لمحمد قد بلغ مرتبة الحقد والحنق فقد لج بهم الضغن أن يخترعوا قصة واهية وحجة فارغة ، فيزعموا أن جبريل عدوهم ، لأنه ينزل بالهلاك والدمار والعذاب ؛ وأن هذا هو الذي يمنعهم من الإيمان بمحمد من جراء صاحبه جبريل ! ولو كان الذي ينزل إليه بالوحي هو ميكائيل لآمنوا ، فميكائيل يتنزل بالرخاء والمطر والخصب !
إنها الحماقة المضحكة ، ولكن الغيظ والحقد يسوقان إلى كل حماقة . وإلا فما بالهم يعادون جبريل ؟ وجبريل لم يكن بشرا يعمل معهم أو ضدهم ، ولم يكن يعمل بتصميم من عنده وتدبير ؟ إنما هو عبد الله يفعل ما يأمره ولا يعصى الله ما أمره !
( قل : من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ) . .
فما كان له من هوى شخصي ، ولا إرادة ذاتية ، في أن ينزله على قلبك ، إنما هو منفذ لإرادة الله وإذنه في تنزيل هذا القرآن على قلبك . . والقلب هو موضع التلقي ، وهو الذي يفقه بعد التلقي ، ويستقر هذا الكتاب فيه ويحفظ . . والقلب يعبر به في القرآن عن قوة الإدراك جملة وليس هو هذه العضلة المعروفة بطبيعة الحال .
نزله على قلبك . . ( مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين ) . .
والقرآن يصدق في عمومه ما سبقه من الكتب السماوية ، فأساس دين الله واحد في جميع الكتب السماوية وجميع الديانات الإلهية . . وهو هدى وبشرى للقلوب المؤمنة ، التي تتفتح له وتستجيب . . وهذه حقيقة ينبغي إبرازها . . إن نصوص القرآن لتسكب في قلب المؤمن من الإيناس ، وتفتح له من أبواب المعرفة ، وتفيض فيه من الإيحاءات والمشاعر ما لا يكون بغير الإيمان . ومن ثم يجد فيه الهدى ، كما يستروح فيه البشرى . وكذلك نجد القرآن يكرر هذه الحقيقة في مناسبات شتى . . ( هدى للمتقين ) . . ( هدى لقوم يؤمنون ) . . ( هدى لقوم يوقنون ) . . ( شفاء ورحمة للمؤمنين ) . فالهدى ثمرة الإيمان والتقوى واليقين . .
قوله تعالى : { قل من كان عدواً لجبريل } . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن حبراً من أحبار اليهود يقال له عبد الله بن صوريا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أي ملك يأتيك من السماء قال جبريل . قال : ذلك عدونا من الملائكة ، ولو كان ميكائيل لآمنا بك ، إن جبريل ينزل بالعذاب والقتال والشدة وإنه عادانا مراراً وكان من أشد ذلك علينا ، أن الله تعالى أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب على يد رجل يقال له بختنصر ، وأخبرنا بالحين الذي يخرب فيه ، فلما كان وقته بعثنا رجلاً من أقوياء بني إسرائيل في طلبه ليقتله فانطلق حتى لقيه ببابل غلاماً مسكيناً فأخذه ليقتله فدفع عنه جبريل ، وكبر بختنصر وقوي ، وغزانا وخرب بيت المقدس فلهذا نتخذه عدواً ، فأنزل الله هذه الآية .
وقال مقاتل : قالت اليهود : إن جبريل عدونا لأنه أمر بجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا ، وقال قتادة وعكرمة والسدي : كان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أرض بأعلى المدينة وممرها على مدارس اليهود فكان إذا أتى أرضه يأتيهم ويسمع منهم فقالوا له : ما في أصحاب محمد أحب إلينا منك ، إنهم يمرون علينا فيؤذوننا وأنت لا تؤذينا وإنا لنطمع فيك فقال عمر : والله ما آتيكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني ، وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم فقالوا : من صاحب محمد الذي يأتيه من الملائكة قال : جبريل فقالوا : ذلك عدونا يطلع محمداً على سرنا وهو صاحب كل عذاب وخسف وسنة وشدة ، وإن ميكائيل إذا جاء جاء بالخصب والسلم ، فقال لهم عمر : تعرفون جبريل وتنكرون محمداً قالوا : نعم . قال : فأخبروني عن منزلة جبريل ، وميكائيل ، من الله عز وجل ؟ قالوا : جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، وميكائيل عدو لجبريل ، قال عمر : فإني أشهد أن من كان عدواً لجبريل فهو عدو لميكائيل ، ومن كان عدواً لميكائيل فإنه عدو لجبريل ، ومن كان عدواً لهما كان الله عدوا له . ثم رجع عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآيات . فقال : لقد وافقك ربك يا عمر فقال عمر : لقد رأيتني بعد ذلك ، في دين الله أصلب من الحجر . قال الله تعالى : ( قل من كان عدواً لجبريل ) .
قوله تعالى : { فإنه } . يعني : جبريل .
قوله تعالى : { نزله } . يعنى : القرآن ، كناية عن غير مذكور .
قوله تعالى : { على قلبك } . يا محمد .
قوله تعالى : { بإذن الله } . بأمر الله .
قوله تعالى : { مصدقاً } . موافقاً .
ولما ذكر عداوتهم لأخص البشر واجتراءهم عليه{[3920]} بالتكذيب والقتل ، وختم ذلك بعداوتهم لأكمل الخلق وأخصهم{[3921]} حسداً لنزول هذا الذكر عليه عبارة ثم إشارة{[3922]} بما رمزه{[3923]} إلى نصبهم لقتله وأنهى ذلك بأنه لا محيص لهم من العذاب ، لأنه بصير بأعمالهم الموجبة له ذكر ما هو من دقيق أعمالهم في عراقتهم{[3924]} في الكفر بعداوتهم لخواص الملائكة الذين هم خير محض لا حامل أصلاً على بغضهم إلا الكفر ، وبدىء{[3925]} بذكر المنزل للقرآن ، لأن عداوتهم للمنزل عليه لأجل ما نزل عليه عداوة لمنزله ، لأنه سبب ما كانت العداوة لأجله ، فقال آمراً له صلى الله عليه وسلم إعلاماً بما أبصره من خفي مكرهم القاضي بضرهم{[3926]} : { قل } {[3927]}أو يقال - وهو أحسن وأبين وأمتن : و لما أمره صلى الله عليه وسلم بما دل على كذبهم في ادعائهم خلوص الآخرة لهم وأخبر بأنه {[3928]}لا بد من{[3929]} عذابهم أمره{[3930]} بدليل آخر على كلا الأمرين ، فعلى تقدير كونه دليلاً على الأول يكون{[3931]} منسوقاً على
{ قل } الأولى بغير عاطف إشعار بأن كلاًّ من الدليلين كاف{[3932]} فيما سيق له : على تقدير كونه دليلاً على الثاني{[3933]} الذي خصه{[3934]} يكون جواباً لمن كأنه قال : لم لا يزحزحهم التعمير عن العذاب{[3935]} ؟ { قل } أي لهؤلاء الذين ادعوا أن دار الملك خالصة{[3936]} لهم{[3937]} وهم يعادون خواص جنده{[3938]} { من }{[3939]} وهي اسم مبهم يشمل الذوات العاقلة آحاداً وجموعاً واستغراقاً - قاله الحرالي{[3940]} : { كان عدواً لجبريل } أي فإنه لا يضر إلا نفسه ، لأنه لا يبلغ ضره بوجه من الوجوه ولعداوته بعداوته له لله {[3941]}الذي خصه بقربه واختياره لرسالته{[3942]} ، فكفر حينئذ هذا المعادي له{[3943]} بجميع كتب الله ورسله ؛ وجبريل قال الحرالي : {[3944]}يقال هو{[3945]} اسم عبودية ، لأن إيل اسم من أسماء الله عز وجل في الملأ الأعلى وهو يد بسط لروح{[3946]} الله في القلوب بما يحييها الله به من روح أمره إرجاعاً إليه في هذه الدار قبل إرجاع روح الحياة بيد القبض من عزرائيل{[3947]} عليه السلام - انتهى .
ثم علل هذا الخبر المحذوف بما أرشد إليه فقال : { فإنه } أي جبريل { نزله } أي القرآن{[3948]} الذي كفروا به ، لحسدهم للذي أنزل عليه بعد ما كانوا يستفتحون به{[3949]} . الآتي بما ينفعهم ، الداعي إلى ما يصلحهم فيرفعهم ، {[3950]}ولما كان المراد تحقيق أنه كلام الله{[3951]} وأنه{[3952]} أمر بإبلاغه جمع بين { قل } وبين { على{[3953]} قلبك } أي{[3954]} وهو أكمل القلوب ، {[3955]}دون أن يقال : على قلبي - المطابق لقل ؛ وأداة الاستعلاء{[3956]} دالة على أن المنزل تمكن في القلب فصارت مجامعه مغمورة{[3957]} به ، فكان مظهراً له { بإذن الله } الملك الأعظم الذي له الأمر كله . فليس لأحد إنكار ما أذن فيه . والنازل به{[3958]} لم يتعد شيئاً مما أمر به{[3959]} ؛ والإذن رفع المنع وإيتاء{[3960]} المكنة كوناً وخلقاً ما لم يمنعه حكم تصريف - قاله الحرالي : { مصدقاً لما{[3961]} بين يديه } من كتب الله التي{[3962]} أعظمها كتابهم . فكانوا أحق الناس بالإيمان به وكان جبريل عليه السلام أحق الملائكة بمحبتهم له لإنزاله ، وكان كفرهم به كفراً بما عندهم ، {[3963]}فلا وجه لعداوتهم له{[3964]} ؛ والبين حد فاصل في حس أو معنى - قاله الحرالي : { وهدى } إلى كل خير ، {[3965]}لأنه بيان ما وقع التكليف به من أفعال القلوب والجوارح{[3966]} { وبشرى } {[3967]}أي ببيان الثواب{[3968]} { للمؤمنين }{[3969]} أي الذين لهم الإيمان وصف لازم ، فلا يفرقون{[3970]} بين كتب الله ولا بين رسله ، بل حيثما قادهم الحق انقادوا ؛ فلا يدخل في ذلك الذين آمنوا بألسنتهم ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به }{[3971]} [ البقرة : 89 ] ولا من علم الله منه ذلك ولو كان قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم - الله أعلم بما كانوا عاملين ؛ فلو أنهم مؤمنون لما عادوا من نزل به بشرى لهم ولكنهم كفرة فهم في العذاب ، والآخرة ليست لهم بل عليهم .