ويأخذ السياق القرآني طريقه إلى قلوبهم من مدخل آخر لطيف . ويوقظ فيها قوى الملاحظة والتدبر لما في الوجود حولهم من دلائل الهدى وموحيات الإيمان ، لو تدبروه وعقلوه :
( وما من دابة في الأرض ، ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ، ما فرطنا في الكتاب من شيء ، ثم إلى ربهم يحشرون ) . .
إن الناس ليسوا وحدهم في هذا الكون ، حتى يكون وجودهم مصادفة ، وحتى تكون حياتهم سدى ! إن حولهم أحياء أخرى ، كلها ذات أمر منتظم ، يوحي بالقصد والتدبير والحكمة ، ويوحي كذلك بوحدة الخالق ، ووحدة التدبير الذي يأخذ به خلقه كله . .
إنه ما من دابة تدب على الأرض - وهذا يشمل كل الأحياء من حشرات وهوام وزواحف وفقاريات - وما من طائر يطير بجناحية في الهواء - وهذا يشمل كل طائر من طير أو حشرة غير ذلك من الكائنات الطائرة . . ما من خلق حي في هذه الأرض كلها إلا وهو ينتظم في أمة ، ذات خصائص واحدة ، وذات طريقة في الحياة واحدة كذلك . . شأنها في هذا شأن أمة الناس . . ما ترك الله شيئا من خلقه بدون تدبير يشمله ، وعلم يحصيه . . وفي النهاية تحشر الخلائق إلى ربها . . فيقضي في أمرها بما يشاء . .
إن هذه الآية القصيرة - فوق تقريرها الحاسم في حقيقة الحياة والأحياء - لتهز القلب بما ترسم من آفاق الإشراف الشامل ، والتدبير الواسع ، والعلم المحيط ، والقدرة القادرة ، لله ذي الجلال . . وكل جانب من هذه الجوانب لا نملك التوسع في الحديث عنه حتى لا نخرج عن منهج الظلال ، فنجاوزه إذن لنتمشى مع السياق . . إذ المقصود الأول هنا هو توجيه القلوب والعقول ، إلى أن وجود هذه الخلائق بهذا النظام ، وشمولها بهذا التدبير ، وإحصاءها في علم الله ، ثم حشرها إلى ربها في نهاية المطاف . . توجيه القلوب والعقول إلى ما في هذه الحقيقة الهائلة الدائمة من دلائل وأمارات ، أكبر من الآيات والخوارق التي يراها جيل واحد من الناس !
قوله تعالى : { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه } ، قيد الطيران بالجناح تأكيداً ، كما يقال : نظرت بعيني ، وأخذت بيدي .
قوله تعالى : { إلا أمم أمثالكم } ، قال مجاهد : أصناف مصنفة تعرف بأسمائها يريد أن كل جنس من الحيوان أمة ، فالطير أمة ، والدواب أمة ، والهوام أمة والذباب أمة ، والسباع أمة ، تعرف بأسمائها ، مثل بني آدم ، يعرفون بأسمائهم ، يقال : الإنس والناس . أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أبو عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنا أبو القاسم البغوي ، أنا علي بن الجعد ، أنا المبارك هو ابن فضالة ، عن الحسن ، عن عبد الله بن مغفل ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها ، فاقتلوا منها كل أسود بهيم ) . وقيل : { أمم أمثالكم } يفقه بعضهم عن بعض ، وقيل : أمم أمثالكم في الخلق والموت والبعث ، وقال عطاء : أمم أمثالكم في التوحيد والمعرفة ، وقال ابن قتيبة : أمم أمثالكم في الغذاء ، وابتغاء الرزق ، وتوقي المهالك .
قوله تعالى : { ما فرطنا في الكتاب } ، أي : في اللوح المحفوظ .
قوله تعالى : { من شيء ثم إلى ربهم يحشرون } ، قال ابن عباس والضحاك : حشرها موتها ، وقال أبو هريرة : يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة ، البهائم والدواب ، والطير ، وكل شيء ، فيقتص للجماء من القرناء ، ثم يقول : كوني تراباً ، فحينئذ يتمنى الكافر ويقول : { يا ليتني كنت تراباً } .
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أنا أبو الحسن الطيسفوني ، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري ، أنا أحمد بن علي الكشميهني ، أنا علي ابن حجر ، أنا إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لتردن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة ، حتى يقاد للشاة الجماء من القرناء ) .
ولما عجب منهم{[29480]} في قولهم هذا{[29481]} الذي يقتضي أنهم لم يروا له{[29482]} آية قط{[29483]} بعد ما جاءهم من الآيات الخاصة به ما ملأ الأقطار ، ورد إلى الصم الأسماع ، وأنار من العمى الأبصار ؛ ذكرهم بآية غير آية القرآن تشتمل{[29484]} على آيات مستكثرة كافية لصلاحهم ، رتبها{[29485]} سبحانه قبل سؤالهم تفضلاً منه عليهم دالة على باهر قدرته على البعث وغيره من الآيات التي طلبوها وغيرها وعلى تفرده بجميع الأمر ، إذا تأملوها حق تأملها كفتهم{[29486]} في جميع ما يراد منهم فقال تعالى : { وما } أي قالوا ذلك والحال أنه ما ، وهي ناظرة{[29487]} أتم نظر إلى قوله{ هو الذي خلقكم من طين }[ الأنعام : 2 ] أي فعل ذلك بكم{[29488]} وما{[29489]} { من دابة في الأرض } أي تدب أي تنتقل برجل وغير رجل { ولا طائر يطير } وقرر الحقيقة بقوله{[29490]} : { بجناحيه } وشمل ذلك جميع الحيوان حتى ما في البحر ، لأن سيرها في الماء إما أن يكون دبيباً أو طيراناً مجازاً .
ولما كان المراد بالدابة والطائر الاستغراق قال : { إلا أمم }{[29491]} أي يقصد منها في نفسه ، ويقصد هو نوعه وينضم إلى شكله { أمثالكم }{[29492]} } أي في ذلك وفي أنا خلقناكم ولم يكونوا شيئاً وحفظنا جميع أحوالهم ، وقدرنا كل أرزاقهم وآجالهم ، و{[29493]}جعلنا لكم{[29494]} فيهم أحكاماً جددناها لكم ، وجعلنا لكل منهم أجلاً للموت لا يتعداه بعد أن فاوتنا بينهم في الحياة ، وللكل أجل في علمنا في البرزخ مثبت قبل أن نخلقهم ، لا ينقص ذرة ولا يزيد خردلة ، وجعلنا في هذه الحيوانات ما{[29495]} هو أقوى منكم وما هو أضعف ، وجعلناكم أقوى من الجميع بالعقل ، ولو شئنا لجعلنا له بين قوة البدن والعقل ، وربما سلطنا الأضعف{[29496]} عليكم كالجراد والفأر والدود بما تعجز عنه عقولكم ، ولو شئنا لسلطنا عليكم من أضعفها خلقاً - البعوض - ما أخذ بأنفاسكم{[29497]} ومنعكم القرار وأخرجكم{[29498]} عن حركات الاختيار إلى أن أهلككم جميعاً هلاك نفس واحدة - إلى غير ذلك من أمور تكل عنها العقول{[29499]} وتقف دونها نوافذ الفكر ، وهذا كله معنى قوله : { ما فرطنا } أي تركنا وأغفلنا لما لنا من القدرة الكاملة{[29500]} والعلم الشامل { في الكتاب } أي اللوح المحفوظ والقرآن ، وأعرق في النفي بقوله : { من شيء } أي ليذهب ذكره كما يذهب العقد الذي ينقطع سلكه فيتفرط ، بل ذكرنا جميع أحوال خلقنا من الجن والإنس والملائكة وغيرهم من كل ناطق وصامت ، فصارت في غاية الضبط حتى أن الحفظة يعرضون ما يحدث من عمل المكلفين وغيره{[29501]} آخر النهار{[29502]} على ما كان مثبتاً في أم الكتاب فيجدونه كما هو ، لا يزيد شيئاً ولا ينقص ، فيزدادون إيماناً ، وأثبتنا في هذا القرآن مجامع الأمور ، فهو تبيان لكل شيء من الأحكام الأصلية والفرعية و{[29503]} الدلالات على كل ذلك وأخبار الأولين والآخرين وكل علم يمكن أن يحتاجه المخلوق ، فمن أراد الهداية هداه بدقيق{[29504]} أسراره ، ومن أعرض أوقعه في الردى ، وعمي حتى عن{[29505]} واضح{[29506]} أنواره ، والآية كما قال تعالى { إن في خلق السماوات والأرض } إلى أن قال : وبث فيها{[29507]} من كل دابة - لآيات لقوم يعقلون{[29508]} }[ البقرة : 164 ] .
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد
أفلا يكون لكم في ذلك آيات تغنيكم{[29509]} عن إرسال الرسل فضلاً عن أن تتوقفوا{[29510]} بعد إرسالهم ولا ترضوا{[29511]} منهم من خوارق العادات إلا بما تقترحونه . {[29512]}
ولما أشار إلى ما شارك فيه سائر الحيوان للآدميين{[29513]} من أحوال الحياة وغيرها ، نص على الحشر الذي هو محط الحكمة فقال : { ثم } أي بعد طول الحياة والإقامة في البرزخ { إلى ربهم } أي خاصة ، وبني{[29514]} للمفعول على طريق كلام القادرين قوله{[29515]} : { يحشرون * } أي يجمعون كرهاً{[29516]} بعد أن يعيدهم كلهم كما بدأهم ، وينصف كل مظلوم منهم من ظالمه ، كل ذلك عليه{[29517]} هيّن{[29518]}{ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة{[29519]} }[ لقمان : 28 ] والكل محفوظون في كتاب مبين{[29520]} على اختلاف أنواعهم{[29521]} وتباين حقائقهم وأشخاصهم وزيادتهم في الجد على أن يوجه{[29522]} نحوهم العد - سبحان من أحاط بكل شيء علماً ، وأحصى كل شيء عدداً ، إن ذلك على الله يسير ، وهو على كل شيء قدير .