في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ} (101)

97

ذلك مستوى . . وفي مقابله مستوى :

( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة ، مردوا على النفاق ، لا تعلمهم نحن نعلمهم ، سنعذبهم مرتين ، ثم يردون إلى عذاب عظيم ) . .

ولقد سبق الحديث والكشف عن المنافقين عامة - سواء من منافقي المدينة أو منافقي الأعراب - ولكن الحديث هنا عن صنف خاص من المنافقين . صنف حذق النفاق ومرن عليه ، ولجّ فيه ومرد ، حتى ليخفى أمره على رسول اللّه [ ص ] ، مع كل فراسته وتجربته ! فكيف يكون ?

واللّه سبحانه يقرر أن هذه الفئة من الناس موجودة في أهل المدينة وفي الأعراب المحيطين بالمدينة . ويطمئن رسول اللّه - [ ص ] - والمؤمنين معه ، من كيد هذه الفئة الخفية الماكرة الماهرة ؛ كما ينذر هؤلاء الماكرين المهرة في النفاق بأنه سبحانه لن يدعهم ، فسيعذبهم عذابا مضاعفا في الدنيا والآخرة :

( لا تعلمهم نحن نعلمهم . سنعذبهم مرتين . ثم يردون إلى عذاب عظيم ) . . والعذاب مرتين في الدنيا ، الأقرب في تأويله أنه عذاب القلق النازل بهم من توقع انكشاف أمرهم في المجتمع المسلم ؛ وعذاب الموت والملائكة تسألهم أرواحهم وتضرب وجوههم وأدبارهم . أو هو عذاب الحسرات التي تصيبهم بانتصار المسلمين وغلبتهم ؛ وعذاب الخوف من انكشاف نفاقهم وتعرضهم للجهاد الغليظ . . واللّه أعلم بما يريد . .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ} (101)

قوله تعالى : { وممن حولكم من الأعراب منافقون } ، وهم من مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار ، كانت منازلهم حول المدينة ، يقول : من هؤلاء الأعراب منافقون ، " ومن أهل المدينة " ، أي : ومن أهل المدينة من الأوس والخزرج قوم منافقون ، { مردوا على النفاق } ، أي : مرنوا على النفاق ، يقال : تمرد فلان على ربه أي : عتا ومرد على معصيته . أي : مرن وثبت عليها واعتادها . ومنه : المريد والمارد . وقال ابن إسحاق : لجوا فيه وأبوا غيره . وقال ابن زيد : أقاموا عليه ولم يتوبوا . { لا تعلمهم } ، أنت يا محمد ، { نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين } ، اختلفوا في هذين العذابين . قال الكلبي و السدي : " قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة فقال : اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان . أخرج ناسا من المسجد وفضحهم ، فهذا هو العذاب الأول . والثاني : عذاب القبر . وقال مجاهد : الأول : القتل و السبي ، والثاني : عذاب القبر . وعنه رواية أخرى : عذبوا بالجوع مرتين . وقال قتادة : الدبيلة في الدنيا وعذاب القبر . وقال ابن زيد : الأولى المصائب في الأموال والأولاد في الدنيا ، والأخرى عذاب الآخرة . وعن ابن عباس : الأولى إقامة الحدود عليهم ، والأخرى عذاب القبر . وقال ابن إسحاق : هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام ودخولهم فيه من غير حسبه ثم عذاب القبر . وقيل : إحداهما ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم ، والأخرى عذاب القبر . وقيل الأولى إحراق مسجدهم ، مسجد الضرار ، والأخرى إحراقهم بنار جهنم . { ثم يردون إلى عذاب عظيم } ، أي : إلى عذاب جهنم يخلدون فيه .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ} (101)

ولما استوفى الأقسام الأربعة : قسمي الحضر وقسمي البدو ثم خلط بين قسمين منهم تشريفاً للسابق وترغيباً للاحق ، خلط بين الجميع على وجه آخر ثم ذكر منهم فرقا{[37137]} منهم من نجز الحكم بجزائه بإصرار أو متاب . ومنهم من أخر أمره إلى يوم الحساب ، وابتدأ الأقسام بالمستور عن{[37138]} غير علمه ليعلم أهل ذلك القسم أنه سبحانه عالم بالخفايا فلا يزالوا أذلاء خوفاً مما هددهم{[37139]} به فقال مصرحاً بما لم يتقدم التصريح به من نفاقهم : { وممن حولكم } أي حول بلدكم المدينة { من الأعراب } أي الذين{[37140]} قدمنا أنهم أشد كفراً لما لهم من الجفاء { منافقون } أي راسخون في النفاق ، وكأنه قدمهم لجلافتهم وعتوهم ، وأتبعهم من هو أصنع منهم في النفاق فقال : { ومن أهل المدينة } أي منافقون أيضاً ؛ ثم بين أنهم لا يتوبون بوصفهم بقوله : { مردوا } أي صُلبوا وداموا وعتوا وعسوا وعصوا وصار لهم به{[37141]} دربة عظيمة{[37142]} وضراوة حتى ذلت لهم فيه{[37143]} جميع أعضائهم الظاهرة والباطنة وصار لهم خلقاً { على النفاق } أي استعلوا على هذا الوصف بحيث صاروا في غاية المكنة{[37144]} منه ؛ ثم بين مهارتهم فيه بقوله : { لا تعلمهم } أي بأعيانهم مع ما لك من عظيم الفطنة وصدق الفراسة لفرط توقيهم وتحامي ما يشكل من أمرهم ؛ ثم هددهم وبين خسارتهم بقوله : { نحن } أي خاصة { نعلمهم } ثم{[37145]} استأنف جزاءهم بقوله : { سنعذبهم } أي بوعد لا خلف فيه { مرتين } أي إحداهما برجوعك سالماً وشفوف{[37146]} أمرك وعلو شأنه وضخامة أركانه وعز سلطانه وظهور برهانه ، فإنهم قطعوا لغباوتهم وجلافتهم وقساوتهم كما أشرت إليه بقولي { ويتربص{[37147]} بكم الدوائر } - أنك لا ترجع هذه المرة من هذه السفرة لما يعرفون من ثباتك للأقران ، وإقدامك على الليوث الشجعان ، واقتحامك للأهوال ، إذا ضاق المجال ، ونكص الضراغمة الأبطال ، ومن عظمة الروم وقوتهم وتمكنهم وكثرتهم ، وغاب عن الأغبياء وخفي عن الأشقياء الأغنياء أن الله الذي خلقهم أعظم منهم وأكبر ، وجنوده أقوى من جنودهم وأكثر ؛ والثانية بعد وفاتك بقهر أهل الردة ومحقهم ورجوع ما أصلته بخليفتك الصديق رضي الله عنه إلى ما كان عليه في أيامك من الظهور وانتشار الضياء والنور والحكم على من خالفه بالويل والثبور ، وسيأتي أنه يمكن أن تكون{[37148]} المرة الثانية إخراب مسجد الضرار والإخبار بما أضمروا في شأنه من خفي الأسرار { ثم يردون } أي بعد الموت { إلى عذاب عظيم* } أي لا يعلم عظمه حق علمه إلا الله تعالى ، وهو العذاب الأكبر الدائم الذي لا ينفك أصلاً .


[37137]:من ظ، وفي الأصل: فريقا.
[37138]:من ظ، وفي الأصل: بمن.
[37139]:من ظ، وفي الأصل: حددهم.
[37140]:في ظ: الذي.
[37141]:زيد من ظ.
[37142]:في ظ: عظيم.
[37143]:سقط من ظ.
[37144]:من ظ، وفي الأصل: المنكر ـ كذا.
[37145]:زيد من ظ.
[37146]:من ظ، وفي الأصل: سوف.
[37147]:في ظ: يتربصن.
[37148]:في ظ: يكون.