( يا أيها الذين آمنوا ، لا يسخر قوم من قوم ، عسى أن يكونوا خيرا منهم ؛ ولا نساء من نساء ، عسى أن يكن خيرا منهن . ولا تلمزوا أنفسكم ، ولا تنابزوا بالألقاب . بئس الاسم : الفسوق بعد الإيمان . ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) . .
إن المجتمع الفاضل الذي يقيمه الإسلام بهدى القرآن مجتمع له أدب رفيع ، ولكل فرد فيه كرامته التي لا تمس . وهي من كرامة المجموع . ولمز أي فرد هو لمز لذات النفس ، لأن الجماعة كلها وحدة ، كرامتها واحدة .
والقرآن في هذه الآية يهتف للمؤمنين بذلك النداء الحبيب : يا أيها الذين آمنوا . وينهاهم أن يسخر قوم بقوم ، أي رجال برجال ، فلعلهم خير منهم عند الله ، أو أن يسخر نساء من نساء فلعلهن خير منهن في ميزان الله .
وفي التعبير إيحاء خفي بأن القيم الظاهرة التي يراها الرجال في أنفسهم ويراها النساء في أنفسهن ليست هي القيم الحقيقية ، التي يوزن بها الناس . فهناك قيم أخرى ، قد تكون خافية عليهم ، يعلمها الله ، ويزن بها العباد . وقد يسخر الرجل الغني من الرجل الفقير . والرجل القوي من الرجل الضعيف ، والرجل السوي من الرجل المؤوف . وقد يسخر الذكي الماهر من الساذج الخام . وقد يسخر ذو الأولاد من العقيم . وذو العصبية من اليتيم . . . وقد تسخر الجميلة من القبيحة ، والشابة من العجوز ، والمعتدلة من المشوهة ، والغنية من الفقيرة . . ولكن هذه وأمثالها من قيم الأرض ليست هي المقياس ، فميزان الله يرفع ويخفض بغير هذه الموازين !
ولكن القرآن لا يكتفي بهذا الإيحاء ، بل يستجيش عاطفة الأخوة الإيمانية ، ويذكر الذين آمنوا بأنهم نفس واحدة من يلمزها فقد لمزها : ( ولا تلمزوا أنفسكم ) . . واللمز : العيب . ولكن للفظة جرسا وظلا ؛ فكأنما هي وخزة حسية لا عيبة معنوية !
ومن السخرية واللمز التنابز بالألقاب التي يكرهها أصحابها ، ويحسون فيها سخرية وعيبا . ومن حق المؤمن على المؤمن ألا يناديه بلقب يكرهه ويزري به . ومن أدب المؤمن ألا يؤذي أخاه بمثل هذا . وقد غير رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أسماء وألقابا كانت في الجاهلية لأصحابها ، أحس فيها بحسه المرهف ، وقلبه الكريم ، بما يزري بأصحابها ، أو يصفهم بوصف ذميم .
والآية بعد الإيحاء بالقيم الحقيقية في ميزان الله ، وبعد استجاشة شعور الأخوة ، بل شعور الاندماج في نفس واحدة ، تستثير معنى الإيمان ، وتحذر المؤمنين من فقدان هذا الوصف الكريم ، والفسوق عنه والانحراف بالسخرية واللمز والتنابز : ( بئس الاسم : الفسوق بعد الإيمان ) . فهو شيء يشبه الارتداد عن الإيمان ! وتهدد باعتبار هذا ظلما ، والظلم أحد التعبيرات عن الشرك : ( ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) . . وبذلك تضع قواعد الأدب النفسي لذلك المجتمع الفاضل الكريم .
{ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن } أي لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض إذ قد يكون المسخور منه خيرا عند الله من الساخر ، والقوم مختص بالرجال لأنه إما مصدر نعت به فشاع في الجمع أو جمع لقائم كزائر وزور ، والقيام بالأمور وظيفة الرجال كما قال الله تعالى : { الرجال قوامون على النساء } وحيث فسر بالقبيلين كقوم عاد وفرعون ، فإما على التغليب أو الاكتفاء بذكر الرجال على ذكرهن لأنهن توابع ، واختيار الجمع لأن السخرية تغلب في المجامع و { عسى } باسمها استئناف بالعلة الموجبة للنهي ولا خبر لها لإغناء الاسم عنه . وقرئ " عسوا أن يكونا " و " عسين أن يكن " فهي على هذا ذات خبر . { ولا تلمزوا أنفسكم } أي ولا يغتب بعضكم بعضا فإن المؤمنين كنفس واحدة ، أو لا تفعلوا ما تلمزون به فإن من فعل ما يستحق به اللمز فقد لمز نفسه . واللمز الطعن باللسان . وقرأ يعقوب بالضم . { ولا تنابزوا بالألقاب } ولا يدع بعضكم بعضا بلقب السوء ، فإن النبز مختص بلقب السوء عرفا . { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } أي بئس الذكر المرتفع للمؤمنين أن يذكروا بالفسوق بعد دخولهم الإيمان واشتهارهم به ، والمراد به إما تهجين نسبة الكفر والفسق إلى المؤمنين خصوصا إذ روي أن الآية نزلت في صفية بنت حيي رضي الله عنها ، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن النساء يقلن لي يا يهودية بنت يهوديين ، فقال لها " هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد عليهم السلام " . أو للدلالة على أن التنابز فسق والجمع بينه وبين الإيمان مستقبح . { ومن لم يتب } عما نهى عنه . { فأولئك هم الظالمون } بوضع العصيان موضع الطاعة وتعريض النفس للعذاب .
{ لا يسخر قوم من قوم } لا يحتقر بعض المؤمنين بعضا ، ولا يهزأ بعضهم من بعض ؛ من السخرية ، وهي احتقار الإنسان قولا أو فعلا بحضرته على وجه يضحك . يقال : سخرت منه سخرا – من باب تعب – ومسخرا وسخرا – بضمتين – هزأت به . والاسم السخرية . روي أنها نزلت في قوم من بني تميم سخروا من بلال وعمار وصهيب وأمثالهم لما رأوا من رثاثة حالهم . { ولا تلمزوا أنفسكم } لا يعب بعضكم بعضا بقول أو إشارة ، سواء أكان على وجه يضحك أم لا ، وسواء أكان بحضرته أم لا . واللمز : العيب . وفعله من باب ضرب ونصر . وعطف هذا النهى على ما قبله من عطف العام على الخاص . { ولا تنابزوا بالألقاب } لا يدع بعضكم بعضا بما يستكره من الألقاب . والتنابز : التعاير والتداعي بالألقاب . يقال : نبزه ينبزه ، لقبه كنبزه : والنبز – بالتحريك - : اللقب ، محبوبا كان أو مكروها . وخصّ عرفا بالمكروه . { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } أي بئس الذكر للمؤمنين بسبب ارتكاب واحد من هذه الأمور الثلاثة القبيحة – أن يذكروا بالفسوق بعد اتصافهم بالإيمان .
لا يسخر قوم من قوم : لا يحتقر أحد منكم أخاه بذكر عيوبه وإظهار نقائصه . يقال سخر به ومنه ، هزئ به ومنه . القوم : شاع إطلاقه على الرجال دون النساء .
ولا تلمزوا أنفسكم : لا يعيب أحد منكم أخاه ، وعبّر بأنفسكم كأنهم جميعا نفسٌ واحدة فإذا عابَ المؤمن أخاه المؤمنَ كأنه عاب نفسَه .
يريد الله تعالى أن يكون المجتمع الإسلامي مجتمعاً فاضلا ، فأدّبنا بهذا الأدب الرفيع ، فلكل إنسان كرامتُه ، وهي من كرامة الجميع ، فإذا حصل ضرر لأي فرد فإنه ضرر للناس كلهم . لذلك ينهى الله تعالى أن يسخَرَ رجالٌ من رجال آخرين لعلّهم خير منهم عند الله ، أو نساء من نساءٍ لعلّهن خير منهن عند الله .
لا يعب بعضُكم بعضا بقول أو إشارة على وجه الخفية ، فإنكم أيها المؤمنون كالجسدِ الواحد إن اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى . وهذا حديث صحيح رواه مسلم .
{ وَلاَ تَنَابَزُواْ بالألقاب }
ولا يدعو بعضكم بعضاً بالألقاب المستكرَهة ، ولا تدعوا أحدا بما لا يحبّ من الألقاب القبيحة .
أما الألقاب اللطيفة التي تدل على معانٍ حسنة فلا مانع من استعمالها كما قيل لأبي بكر عتيق ، ولعمر بن الخطاب : الفاروق ، ولعثمان : ذو النورين الخ . .
{ بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان }
بئس الاسم أن تُسمَّوا فاسقين بعد أن تكونوا مؤمنين . ومن لم يتبْ ويرجع عما نهى الله عنه فأولئك هم الظالمون الذين ظلموا أنفسَهم وغيرهم بعصيانهم أوامر الله .