( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ) . . لا الذين يقولون بأفواههم ثم لا يحققون مدلول قولهم ؛ ولا يطيعون الله ورسوله .
( وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ) . . والأمر الجامع الأمر الهام الذي يقتضي اشتراك الجماعة فيه ، لرأى أو حرب أو عمل من الأعمال العامة . فلا يذهب المؤمنون حتى يستأذنوا إمامهم . كي لا يصبح الأمر فوضى بلا وقار ولا نظام .
وهؤلاء الذين يؤمنون هذا الإيمان ، ويلتزمون هذا الأدب ، لا يستأذنون إلا وهم مضطرون ؛ فلهم من إيمانهم ومن أدبهم عاصم ألا يتخلوا عن الأمر الجامع الذي يشغل بال الجماعة ، ويستدعي تجمعها له . . ومع هذا فالقرآن يدع الرأي في الإذن أو عدمه للرسول[ صلى الله عليه وسلم ] رئيس الجماعة . بعد أن يبيح له حرية الإذن : ( فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم ) . . [ وكان قد عاتبه على الإذن للمنافقين من قبل فقال : ( عفا الله عنك ! لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ) ] . . يدع له الرأى فإن شاء أذن ، وإن شاء لم يأذن ، فيرفع الحرج عن عدم الإذن ، وقد تكون هناك ضرورة ملحة . ويستبقي حرية التقدير لقائد الجماعة ليوازن بين المصلحة في البقاء والمصلحة في الانصراف . ويترك له الكلمة الأخيرة في هذه المسألة التنظيمية يدبرها بما يراه .
ومع هذا يشير إلى أن مغالبة الضرورة ، وعدم الانصراف هو الأولى ؛ وأن الاستئذان والذهاب فيهما تقصير أو قصور يقتضي استغفار النبي [ صلى الله عليه وسلم ] للمعتذرين : ( واستغفر لهم الله . إن الله غفور رحيم ) . . وبذلك يقيد ضمير المؤمن . فلا يستأذن وله مندوحة لقهر العذر الذي يدفع به إلى الاستئذان .
{ إنما المؤمنون } أي الكاملون في الإيمان . { الذين آمنوا بالله ورسوله } من صميم قلوبهم . { وإذا كانوا معه على أمر جامع } كالجمعة والأعياد والحروب والمشاورة في الأمور ، ووصف الأمر بالجمع للمبالغة وقرئ " أمر جميع " . { لم يذهبوا حتى يستأذنوه } يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأذن لهم ، واعتباره في كمال الإيمان لأنه كالمصداق لصحته والمميز للمخلص فيه عن المنافق فإنه ديدنه التسلل والفرار ، ولتعظيم الجرم في الذهاب عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذنه ولذلك أعاده مؤكدا على أسلوب أبلغ فقال : { إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله } فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة وأن الذهاب بغير إذن ليس كذلك . { فإذا استأذنوك لبعض شأنهم } ما يعرض لهم من المهام ، وفيه أيضا مبالغة وتضييق الأمر . { فائذن لمن شئت منهم } تفويض للأمر إلى رأي الرسول صلى الله عليه وسلم ، واستدل به على أن بعض الأحكام مفوضة إلى رأيه ومن منع ذلك قيد المشيئة بأن تكون تابعة لعلمه بصدقه فكأن المعنى : فائذن لمن علمت أن له عذرا . { واستغفر لهم الله } بعد الإذن فإن الاستئذان ولو لعذر قصور لأنه تقديم لأمر الدنيا على أمر الدين . { إن الله غفور } لفرطات العباد . { رحيم } بالتيسير عليهم .
شرطُ الاتباع موافقةُ المتبوعِ ، وألا يتفرقوا فيصيروا أحزاباً كما قال : { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى } [ الحشر :14 ] و " العلماءُ وَرَثَةُ الأنبياءِ " . والمريدون لشيوخهم كالأُمَّةِ لنبيِّهم ؛ فَشَرْطُ المريدِ ألا يَتَنَفَّسَ بِنَفَسٍ إلا بإذن شيخه ، ومَنْ خَالَفَ شيخَه في نَفَسٍ - سِرَّاً أو جَهْراً - فإنه يرى غِبَّه سريعاً في غير ما يُحبُّه . ومخالفةُ الشيوخ فيما يستسرونه عنهم أشدُّ مِمَّا يظهر بالجهر بكثير لأن هذا يلتحق بالخيانة . ومَنْ خَالَفَ شيخَه لا يُشمُّ رائحةَ الصِّدقِ ، فإن بَدَرَ منه شيءٌ من ذلك فعليه بسرعة الاعتذار والإفصاح عمَّا حَصَلَ منه من المخالفة والخيانة ، لِيَهْدِيَه شيخُه كفَّارةُ جُرْمِهِ ، ويلتزم في الغرامة بما يحكم به عليه . وإذا رجع المريدُ إلى شيخه إلى ما فيه بالصدق وَجَبَ على شيخه جبرانَ تقصيره بهمته ؛ فإِن المريدين عِيالٌ على الشيوخ ؛ فُرِضَ عليهم أن يُنْفِقُوا عليهم من قُوَّةِ أحوالهم بما يكون جبراناً لتقصيرهم .
أمر جامع : أمر هام يستدعي أن يجتمع الناس عليه للتشاور والتداول .
كما أمَرَ اللهُ تعالى المؤمنين بالاستئذان عند الدخول ، أمَرَهم هنا بالاستئذان عند الخروج ، وفي هذا تعليمٌ وتأديبٌ لنا جميعا .
إن المؤمنين حقاً إذا كانوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام في أمر مهمٍ من أمور المسلمين ، كتشاوُرٍ في أمر الحرب ، او ما ينفع المسلمين ، فلا يحقّ لهم أن ينصرفوا
إلا بعد استئذانه ومشورته ، فمن التزم بهذا فهو من المؤمنين الكاملين ، ويحق للرسول أن يأذَنَ لمن يشاء منهم كما تقتضي المصلحةُ التي اجتمعوا عليها ، ويستغفر للمستأذنين .
فقد حدث حين بدأ المسلمون بحفر الخندق عندما غزتهم قريشُ ومن معها من العرب
- وكان في مقدمتهم الرسول الكريم - أنّ بعضَ المنافقين أخذوا يتسلّلون من ذلك المكانِ ويذهبون إلى أهلِهم ، أما المؤمنون فقد ثبتوا معه ، وكان من يريد أن يذهب إلى قضاء حاجة يستأذن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، فإن قضى حاجته عاد إلى مكانه وعمله .
قوله تعالى : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه } أي : مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، { على أمر جامع } يجمعهم من حرب حضرت ، أو صلاة أو جمعة أو عيد أو جماعة أو تشاور في أمر نزل { لم يذهبوا } لم يتفرقوا عنه ، لم ينصرفوا عما اجتمعوا له من الأمر ، { حتى يستأذنوه } قال المفسرون : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد ، لحاجة أو عذر ، لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يراه ، فيعرف أنه إنما قام يستأذن ، فيأذن لمن شاء منهم . قال مجاهد : وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده . قال أهل العلم : وكذلك كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن ، وإذا استأذن فللإمام إن شاء أذن له وإن شاء لم يأذن ، وهذا إذا لم يكن له سبب يمنعه من المقام ، فإن حدث سبب يمنعه من المقام بأن يكون في المسجد فتحيض منهم امرأة ، أو يجنب رجل ، أو يعرض له مرض ، فلا يحتاج إلى الاستئذان{ إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم } أي : أمرهم ، { فأذن لمن شئت منهم } في الانصراف ، معناه : إن شئت فأذن وإن شئت فلا تأذن . { واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم* }