وبالنحر ينتهي الإحرام فيحل للحاج حلق شعره أو تقصيره ، ونتف شعر الإبط ، وقص الأظافر والاستحمام . مما كان ممنوعا عليه في فترة الإحرام . وهو الذي يقول عنه : ( ثم ليقضوا تفثهم ، وليوفوا نذورهم )التي نذروها من الذبائح غير الهدي الذي هو من أركان الحج . ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) . . طواف الإفاضة بعد الوقوف بعرفات ، وبه تنتهي شعائر الحج . وهو غير طواف الوداع .
والبيت العتيق هو المسجد الحرام أعفاه الله فلم يغلب عليه جبار . وأعفاه الله من البلى والدثور ، فما يزال معمورا منذ إبراهيم عليه السلام ولن يزال .
{ ثم ليقضوا تفثهم } ثم ليزيلوا وسخهم بقص الشارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد عند الإحلال . { وليوفوا نذورهم } ما ينذرون من البر في حجهم ، وقيل مواجب الحج . وقرأ أبو بكر بفتح الواو وتشديد الفاء . { وليطوفوا } طواف الركن الذين به تمام التحلل فإنه قرينة قضاء التفث ، وقيل طواف الوداع . وقرأ ابن عامر وحده بكسر اللام فيهما . { بالبيت العتيق } القديم لأنه أول بيت وضع للناس ، أو المعتق من تسلط الجبابرة فكم من جبار رسا إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى ، وأما الحجاج فإنما قصد إخراج ابن الزبير منه دون التسلط عليه .
29 - ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ .
تفثهم : أوساخهم ، وشعثهم ، والمراد هنا : قص الشعور وتقليم الأظافر .
النذور : ما ينذر من أعمال البر في الحج .
العتيق : القديم لأنه أول بيت وضع للناس .
تأتي هذه الآية في أعقاب مناسك الحج ، والمحرم بالحج لا يستطيع أن يقص شعره ولا يقلم ظفره ؛ بل هو في منطقة سلام وأمان وعبادة ، فإذا أتم المناسك يوم عيد الأضحى ، وفيه أربعة أعمال :
رمي جمرة العقبة ، ذبح الهدي ، الحلق أو التقصير ، الطواف بالبيت العتيق – فإن الله يبيح له التحلل من الإحرام بأن يقص شعره ويقلم أظافره ، وينتف إبطه ، ويهتم بنظافة نفسه ، امتثالا لأمر الله .
جاء في تفسير ابن كثير عن ابن عباس :
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ . قال : هو وضع الإحرام من حلق الرأس ، ولبس الثياب وقص الأظافر ، ونحو ذلك .
وليوفوا بما ينذرونه من أعمال البر في حجهم ، والوفاء بالنذر واجب مطلقا ، وليس مختصا بالحج ، ولكن الوفاء به في الحج أحق وآكد .
وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ .
أي : طواف الإفاضة ويسمى طواف الزيارة ، وهو واجب أو ركن من أركان الحج ، فللحج ركنان أساسيان :
قال العلماء : الحج وقفة بعرفة ، وطواف بالبيت ؛ وقيل المراد به : طواف الوداع .
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس : أن آخر المناسك الطواف بالبيت العتيق وهكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنه لما رجع إلى منى يوم النحر ، بدأ برمي جمرة العقبة فرماها بسبع حصيات ، ثم نحر هديه ، وحلق رأسه ، ثم أفاض فطاف البيت .
وفي الصحيحين : عن ابن عباس أنه قال : أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف ، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض .
والبيت العتيق : أي : القديم لأنه أول بيت وضع للناس ، أو لأن الله أعتقه فلم يظهر عليه جبار قط ، ولم يرده أحد بسوء إلا هلك ، أو لأن الله أعفاه من البلى والدثور ، فلا يزال معمورا منذ إبراهيم – عليه السلام – ولن يزال .
تلك قصة بناء البيت الحرام ، وذلك أساسه الذي قام عليه .
بيت أمر الله خليله – عليه السلام – بإقامته على التوحيد ، وتطهيره من الشرك ، وأمره أن يؤذن في الناس بالحج إليه ، ليشهدوا منافع متعددة ؛ في رؤية أماكن سعى فيها إبراهيم الخليل حين بنى البيت ، وحين أمر بذبح إسماعيل ، وحين ترك هاجر تسير مسرعة بين الصفا والمروة .
وهناك ذكريات عن ميلاد محمد خاتم النبيين ، ومشاركته في بناء البيت في الجاهلية ، ودعوته إلى الله ، ثم فتح مكة ، وتحطيم الأصنام من حول البيت الحرام ، وأداء مناسك الحج ، وفي الحج ذكر اسم الله تعالى – لا أسماء الآلهة المدعاة – عند ذبح بهيمة الأنعام .
والحجاج يأكلون من الهدي ويطعمون الفقراء والبؤساء ، فالبيت الحرام ، حرمات الله فيه مصونة ، وأولاها عقيدة التوحيد ، وفتح أبوابه للطائفين والقائمين والركع السجود ، إلى جانب حرمة الدماء ، وحرمة العهود والمواثيق ، وحرمة الهدنة والسلام .
قوله تعالى :{ ثم ليقضوا تفثهم } التفث : الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظفار . والشعث : تقول العرب لمن تستقذره : ما أتفثك : أي : ما أوسخك . والحاج أشعث أغبر ، أي : لم يحلق شعره ولم يقلم ظفره ، فقضاء التفث : إزالة هذه الأشياء ليقضوا تفثهم ، أي : ليزيلوا أدرانهم ، والمراد منه : الخروج عن الإحرام بالحلق ، وقص الشارب ، ونتف الإبط ، والاستحداد ، وقلم الأظفار ، ولبس الثياب . قال ابن عمر وابن عباس : قضاء التفث : مناسك الحج كلها . وقال مجاهد : هو مناسك الحج ، وأخذ الشارب ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، وقلم الأظفار . وقيل : التفث هاهنا رمي الجمار . قال الزجاج : لا نعرف التفث ومعناه : إلا من القرآن . قوله تعالى : { وليوفوا نذورهم } قال مجاهد : أراد نذر الحج والهدي وما ينذر الإنسان من شيء يكون في الحج أي : ليتموها بقضائها . وقيل : المراد منه الوفاء بما نذر على ظاهره . وقيل : أراد به الخروج . عما وجب عليه نذر أو لم ينذر . والعرب تقول لكل من خرج عن الواجب عليه وفى بنذره . وقرأ عاصم برواية أبي بكر ( وليوفوا ) بنصب الواو وتشديد الفاء . { وليطوفوا بالبيت العتيق } أراد به الطواف الواجب عليه وهو طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق . والطواف ثلاثة : طواف القدوم ، وهو أن من قدم مكة يطوف بالبيت سبعاً يرمل ثلاثاً من الحجر الأسود إلى أن ينتهي إليه ويمشي أربعاً ، وهذا الطواف سنة لا شيء على من تركه . أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، أنبأنا محمد بن إسماعيل ، أنبأنا أحمد هو أبو عيسى ، أنبأنا ابن وهب ، أنبأنا عمرو بن الحارث ، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشي . سأل عروة بن الزبير فقال : " قد حج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتني عائشة أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت ثم لم يكن عمرة ، ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن عمرة ، ثم عمر مثل ذلك ، ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ الطواف بالبيت " .
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنبأنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنبأنا أبو العباس الأصم ، أنبأنا الربيع ، أنبأنا الشافعي ، أنبأنا أنس بن عياض ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم يسعى ثلاثة أطواف ويمشي أربعاً ، ثم يصلي سجدتين ، ثم يطوف بين الصفا والمروة سبعاً " . والطواف الثاني : هو طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق ، وهو واجب لا يحصل التحلل من الإحرام ما لم يأت به .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، أنبأنا محمد بن إسماعيل ، أنبأنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، أنبأنا الأعمش ، أنبأنا إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت : " حاضت صفية ليلة النفر فقالت : ما أراني إلا حابستكم قال النبي صلى الله عليه وسلم : عقري حلقى أطافت يوم النحر . قيل : نعم ، قال : فانفري " فثبت بهذا أن من لم يطف يوم النحر طواف الإفاضة لا يجوز له أن ينفر . والطواف الثالث : هو طواف الوداع لا رخصة فيه لمن أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر أن يفارقها حتى يطوف بالبيت سبعاً ، فمن تركه فعليه دم إلا المرأة الحائض يجوز لها ترك طواف الوداع .
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنبأنا عبد العزيز أحمد الخلال ، أنبأنا أبو العباس الأصم ، أنبأنا الربيع ، أنبأنا الشافعي ، أنبأنا سفيان ، عن سليمان الأحول ، عن طاووس عن ابن عباس ، قال : " أمر الناس أن يكون آخر عهدهم الطواف بالبيت إلا أنه رخص للمرأة الحائض " والرمل : مختص بطواف القدوم ، ولا رمل في طواف الإفاضة والوداع . قوله : ( بالبيت العتيق ) اختلفوا في معنى العتيق ، فقال ابن عباس ، وابن الزبير و مجاهد و قتادة : سمى عتيقاً لأن الله أعتقه من أيدي الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه ، فلم يظهر عليه جبار قط . وقال سفيان بن عيينة : سمي عتيقاً لأنه لم يملك قط ، وقال الحسن وابن زيد : سمي به لأنه قديم وهو أول بيت وضع للناس ، يقال : دينار عتيق أي قديم ، وقيل : سمي عتيقاً لأن الله أعتقه من الغرق ، فإنه رفع أيام الطوفان .
قوله : ( ثم ليقضوا تفثهم ) التفث في المناسك ، ما كان في نحو قص الأظفار والشارب وحلق الرأس والعانة ورمي الجمار وأشباه ذلك{[3103]} وقيل في معنى التفث عدة أقوال : منها : أن التفث حلق الشعر ولبس الثياب وما أتبع ذلك مما يُحل به المحرم . وهو قول مالك .
ومنها : أنه مناسك الحجر . رواه ابن عمر وابن عباس .
ومنها : حلق الرأس . وهو قول قتادة .
ومنها : رمي الجمار . وهو قول مجاهد .
ومنها : إزالة قشف الإحرام من تقليم أظفار ، وأخذ شعر ، وغسل ، واستعمال طيب . وقال به الحسن البصري .
قال صاحب الكشاف : قضاء التفث : قص الشارب والأظفار ونتف الإبط ، والاستحداد ، والتفث الوسخ . فالمراد قضاء إزالة التفث .
قوله : ( وليوفوا نذورهم ) النذر ، كل ما لزم الإنسان أو التزمه . والمراد به هنا : ما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج . وقيل : كل نذر إلى أجل . وقال صاحب الكشاف : مواجب حجهم أو ما عسى ينذرونه من أعمال البر في حجهم . والمقصود : أنهم أمروا بوفاء النذر مطلقا إلا ما كان معصية لقوله عليه الصلاة والسلام : " لا وفاء لنذر في معصية الله " وقوله ( ص ) : " من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه " .
قوله : ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) المراد به عند جمهور العلماء طواف الإفاضة ، وهو طواف الزيارة . وهو ركن الحج من غير خلاف . وبه يتم الحج وهو نهاية أركانه . وهكذا صنع رسول الله ( ص ) ؛ فإنه لما رجع إلى منى يوم النحر بدأ برمي الجمرة فرماها بسبع حصيات . ثم نحر هديه وحلق رأسه ، ثم أفاض فطاف بالبيت .
وقيل : المراد به طواف الصدر وهو طواف الوداع . والصواب الأول . وهو طواف الإفاضة ؛ لأن الأمر في الآية على الوجوب حتى تقوم دلالة الندب .
أما طواف الوداع وكذا القدوم فليس بواجب .
وأما العتيق ، فمعناه القديم . سمي بذلك ؛ لأنه أول بيت وضع للناس .
وقيل : لأن الله أعتقه من تسلّط الجبابرة . فكم من جبار سار إليه ليصيب به منه شرا أو خرابا فمنعه الله أو قصمه قصما . وقد روى الترمذي عن عبد الله بن الزبير قال : قال رسول الله ( ص ) : " إنما سمي البيت العتيق ؛ لأنه لم يظهر عليه جبار " {[3104]}