وأعجب شيء أنهم وهم يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا ، وما ليس لهم به علم . لا يستمعون لدعوة الحق ، ولا يتلقون الحديث عنها بالقبول . إنما تأخذهم العزة بالإثم ، ويكادون يبطشون بمن يتلون عليهم كلام الله : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر ، يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا ) . .
إنهم لا يناهضون الحجة بالحجة ، ولا يقرعون الدليل بالدليل إنما هم يلجأون إلى العنف والبطش عندما تعوزهم الحجة ويخذلهم الدليل . وذلك شأن الطغاة دائما يشتجر في نفوسهم العتو ، وتهيج فيهم روح البطش ، ولا يستمعون إلى كلمة الحق لأنهم يدركون أن ليس لهم ما يدفعون به هذه الكلمة إلا العنف الغليظ !
ومن ثم يواجههم القرآن الكريم بالتهديد والوعيد : ( قل : أفأنبئكم بشر من ذلكم ? ) بشر من ذلكم المنكر الذي تنطوون عليه ، ومن ذلك البطش الذي تهمون به . . ( النار ) . . وهي الرد المناسب للبطش والمنكر ( وبئس المصير ) . .
{ وإذا تتلى عليهم آياتنا } من القرآن . { بينات } واضحات الدلالة على العقائد الحقية والحكام الإلهية . { تعرف في وجوه الذين كفروا والمنكر } الإنكار لفرط نكيرهم للحق وغيظهم لأباطيل أخذوها تقليدا ، وهذا منتهى الجهالة وللإشعار بذلك وضع الذين كفروا موضع الضمير أو ما يقصدونه من الشر { يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا } يثبون ويبطشون بهم . { قل أفأنبئكم بشر من ذلكم } من غيظكم على التالين وسطوتكم عليهم ، أو مما أصابكم من الصخر بسبب ما تلوا عليكم . { النار } أي هو النار كأنه جواب سائل قال : ما هو ، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره : { وعدها الله الذين كفروا } وقرئ بالنصب على الاختصاص وبالجر بدلا من شر فتكون الجملة استئنافا كما إذا رفعت خبرا أو حالا منها { وبئس المصير } النار .
72 - وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ .
يسطون : يبطشون بهم من فرط الغيظ .
وإذا قرأ النبي المرسل القرآن واضحا بينا ، يخاطب العقل والفطرة السليمة ، فإنهم ينكرون كتاب الله ، ويكرهون سماعه ، وتلحظ ذلك الإنكار على وجوههم ، وفي أقوالهم ، وتمتد أيديهم للبطش والإيذاء للمسلمين .
يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا .
أي : يكادون يبطشون بمن يقرأ القرآن ، ويقعون محمد صلى الله عليه وآله وسلم من شدة كراهيتهم للقرآن ، ويقولون : ما شأن محمد وأصحابه ، أهم أحق بهذا الأمر منا ، والله إنهم لأشر خلق الله .
فأنزل الله تعالى : قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ .
أي : هل أخبركم بما هو أشر من محمد وأتباعه ، هو النار وبئس المصير في عذابها ، وقد وعدها الله الذين كفروا جزاء كفرهم وعنادهم .
قال تعالى : إنها ساءت مستقرا ومقاما . ( الفرقان : 66 ) .
قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ .
أي : قل لهم : أتسمعون فأخبركم بشر من ذلكم ، الذي فيكم من الغيظ من التالين للآيات ، حتى قاربتم أن تسطوا بهم ، وتمدوا إليهم أيديكم وألسنتكم بالسوء ؟
ثم أجاب عن هذا الاستفهام فقال : النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ .
أي : النار وعذابها أشق وأعظم مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا ، ومما تنالون منهم ، إن نلتم بإرادتكم واختياركم .
قوله تعالى : { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } يعني : القرآن { تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر } يعني الإنكار يتبين ذلك في وجوههم من الكراهية والعبوس ، { يكادون يسطون } يعني : يقعون ويبسطون إليهم أيديهم بالسوء . وقيل : يبطشون { بالذين يتلون عليهم آياتنا } أي : بمحمد وأصحابه من شدة الغيظ . يقال : سطا عليه وسطا به ، إذا تناوله بالبطش والعنف ، وأصل السطو القهر { قل } يا محمد ، { أفأنبئكم بشر من ذلكم } أي : بشر لكم وأكره إليكم من هذا القرآن الذي تستمعون { النار } يعني : هي النار . { وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير* }
قوله : ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر ) إذا سمع المشركون السفهاء آيات القرآن تتلى عليهم ( بينات ) منصوب على الحال ؛ أي ظاهرات الدلائل ، واضحات الحجج على أن الله حق وأنه سبحانه حقيق وحده بكامل العبادة والإفراد بالإلهية ، وأن ما جاءهم به الإسلام لهو الصواب والرشاد ( تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر ) تغشى وجوه المشركين السفهاء علائم المنكر وهو الغضب والعبوس والإنكار لفرط نكيرهم وضيقهم بهذا الحق . وهذه صفة المجرمين الحاقدين من أعداء الإسلام في كل زمان أولئك الذين يكيدون للإسلام ويبالغون في كراهيته والنفور منه ، لفساد قلوبهم وسوء فطرتهم التي أتى عليها التشويه والتلويث والمرض . أولئك لفرط كراهيتهم للإسلام ، إذ سمعوا آياته تتلى عليهم تقطعت قلوبهم غيظا وحنقا ، فاستبان ذلك على وجوههم التي غشيها التجهم ، والتعبس والكلوح .
قوله : ( يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا ) ( يسطون ) ، من السطو . وهو القهر بالبطش{[3145]} ؛ أي يهمون بالبطش والتنكيل بالذين تلوا عليهم آيات الله ، تعظيما لإنكار ما خوطبوا به .
قوله : ( قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار ) أمر الله نبيه أن يقابلهم بالوعيد من القول الذي فيه ترعيب لهم وتنكيل بنفوسهم التي طغى عليها الجحود واللؤم ومحض البوار ، وهو قوله لهم : أفأنبئكم أيها المشركون بما هو أعظم كراهية لكم من هؤلاء الذين تغتاظون من قراءتهم القرآن عليكم ( النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير ) ( النار ) ، مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، والتقدير : هي النار . أو مبتدأ ، والجملة الفعلية ( وعدها الله ) خبر المبتدأ{[3146]} ؛ أي أن النار شر مما كرهوه وتغيظوا من سماعه ؛ فقد وعدها الله هؤلاء المكذبين العتاة ؛ فهي مردهم ومأواهم وبئس ما يصيرون إليه{[3147]} .