شاء الله ألا يكون الناس أمة واحدة . فكان من مقتضى هذا أن يكونوا مختلفين . وأن يبلغ هذا الاختلاف أن يكون في أصول العقيدة - إلا الذين أدركتهم رحمة الله - الذين اهتدوا إلى الحق - والحق لا يتعدد - فاتفقوا عليه . وهذا لا ينفي أنهم مختلفون مع أهل الضلال .
( وتمت كلمة ربك : لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) . .
يفهم أن الذين التقوا على الحق وأدركتهم رحمة الله لهم مصير آخر هو الجنة تمتليء بهم كما تمتليء جهنم بالضالين المختلفين مع أهل الحق ، والمختلفين فيما بينهم على صنوف الباطل ومناهجه الكثيرة !
{ إلا من رحم ربك } إلا ناسا هداهم الله من فضله فاتفقوا على ما هو أصول دين الحق والعمدة فيه . { ولذلك خلقهم } إن كان الضمير ل { الناس } فلإشارة إلى الاختلاف ، واللام للعاقبة أو إليه وإلى الرحمة ، وإن كان لمن فإلى الرحمة . { وتمّت كلمة ربك } وعيد أو قوله للملائكة . { لأملأن جهنم من الجِنّة والناس } أي من عصاتهما { أجمعين } أو منهما أجمعين لا من أحدهما .
119 { إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ . . . }
إلا المرحومين من أتباع الرسل ، الذين آمنوا بهم وصدقوهم ، واتبعوا ما أمروا به ، وتركوا ما نهوا عنه ، وقد مدح الله أتباع محمد صلى الله عليه وسلم بقوله : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ . . . } . ( الأعراف : 157 ) .
لقد خلقهم الله ومنحهم العقل والاختيار والإرادة ، وأرسل وأنزل الكتب ؛ ليختار الإنسان بكسبه ، واختياره الطريق الذي يريده ، ويتحمل مسئولية اختياره ، ولهذا الاختلاف خلقهم الله ؛ ليتمايزوا ويظهر الخبيث من الطيب .
وقال تعالى : { فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } . ( الأعراف : 30 ) .
{ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } .
أي : نفذ قضاء ربك ، وثبت حكمه ، الذي أكده وأقسم عليه بقوله : لأملأن جهنم من عصاة الجن ومن عصاة الإنس أجمعين .
شاء الله تعالى أن يختلف الناس في منازعهم ومشاربهم ؛ حتى يعمر الكون ، ولو أحب الناس اسما واحدا أو بلدا وسطا واحدا ، أو مدينة معتدلة واحدة ؛ لضاق المكان بأهله .
ومن حكمة الله أن حبب كل إنسان في عمله ومسلكه حتى يعمر الكون ولو هجر الناس جميعا الحياكة ؛ لتعرى الناس ، ولو هجروا الفلاحة ؛ لجاع الناس ، ولو هجروا البناء ؛ لجلس في العراء ، وتلك حكمة إلهية أرادها الله حتى يتم إعمار الكون ، فيكون هناك الملوك والأمراء ورجال السياسة ، ورجال القانون والاجتماع والأدب ، ورجال الحرف من زراعة وصناعة وتجارة ، وأقوام متفوقون ممتازون وآخرون دون ذلك . 82
وشاء الله أن يختار أناس الهدى ويعملون الصالحات ، ويتسابقون في عمل الخير وإتباع هدى المرسلين ؛ حتى يكونوا أهلا للجنة والرضوان ، وشاء الله أن يختار أقوام الضلال والانحراف ، وأن يؤثروا العاجلة على الآجلة ، وأن يكونوا تابعين للشيطان في اقتراف المحرمات والبعد عن الطاعات ؛ وهؤلاء أهل للنار وغضب الجبار .
قال تعالى : { لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } . ( ص : 85 ) . وتكرر هذا المعنى في سورة الأعراف الآية 18 وسورة هود الآية 119 وهو يشير إلى عدالة الله تعالى فما أدخلهم النار ظلما ؛ ولكن ظلموا أنفسهم واتبعوا أهواءهم ، وساروا وراء الشياطين ؛ فجمع الله في جهنم أتباع إبليس من الجن والإنس ، قال تعالى : { من الجنة والناس وهم أتباع إبليس من الجن والإنس } .
وفي الصحيحين : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اختصمت الجنة والنار ، فقالت الجنة : مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم ، 83 وقالت النار : أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين ، فقال الله عز وجل للجنة : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ، وقال للنار : أنت عذابي أنتقم بك ممن أشاء ، ولكل واحدة منكما ملؤها ، فأما الجنة فلا يزال فيها فضل حتى ينشئ الله لها خلقا يسكن فضل الجنة ، وأما النار فلا تزال تقول : هل من مزيد ، حتى يضع لها رب العزة قدمه ، فتقول : قط قط ، 84 وعزتك ! ) .
{ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 119 ) }
إلا مَن رحم ربك فآمنوا به واتبعوا رسله ، فإنهم لا يختلفون في توحيد الله وما جاءت به الرسل من عند الله ، وقد اقتضت حكمته سبحانه وتعالى أنه خَلَقهم مختلفين : فريق شقيٌّ وفريق سعيد ، وكل ميسر لما خُلِق له . وبهذا يتحقق وعد ربك في قضائه وقدره : أنه سبحانه سيملأ جهنم من الجن والإنس الذين اتبعوا إبليس وجنده ولم يهتدوا للإيمان .
قوله تعالى : { إلا من رحم ربك } ، معناه : لكن من رحم ربك فهداهم إلى الحق ، فهم لا يختلفون ، { ولذلك خلقهم } ، قال الحسن وعطاء : وللاختلاف خلقهم . وقال أشهب : سألت مالكا عن هذه الآية ، فقال : خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير . وقال أبو عبيدة : الذي أختاره قول من قال : خلق فريقا لرحمته وفريقا لعذابه . وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك : وللرحمة خلقهم ، يعني الذين رحمهم . وقال الفراء : خلق أهل الرحمة للرحمة ، وأهل الاختلاف للاختلاف . وحاصل الآية : أن أهل الباطل مختلفون ، وأهل الحق متفقون ، فخلق الله أهل الحق للاتفاق ، وأهل الباطل للاختلاف . { وتمت كلمة ربك } ، وتم حكم ربك . { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين* } .
قوله : { إلا من رحم ربك } وهم أصحاب الحنيفية القائمة على التوحيد الخالص لله المجانبين لكل ألوان الوثنية والشرك . أولئك قد رحمهم الله بالإيمان والهدى ؛ فهو غير مختلفين ولا مقترفين أديانا شتى ؛ بل هم على دين حقيقي واحد بني على عقيدة الإيمان بالله الواحد الكبير القهار ، وما دون ذلك من ملل ومذاهب فليس إلا الشرك والضلال .
قوله : { ولذالك خلقهم } الإشارة للاختلاف ؛ أي خلقهم الله ليصيروا إلى ما سيصيرون إليه من اختلاف في الملة أو اتفاق . وقيل : خلقهم لرحمة .
قوله : { وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } تمام كلمة الله يعني ثباتها واستقرارها فلا تقبل التغيير والتبديل . وذلك إخبار من الله أنه قد سبق في علمه الأزلي وحكمته النافذة أن من عباده من يستحق الجنة فهو ميسر لها ، ومنهم من يستحق النار فهو مسير لها كذلك . فكلتا الجنة والنار ممتلئة بالثقلين من الجن والأنس ، ولله في ذلك الحجة البالغة والحكمة النافذة العليا .