الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ} (119)

{ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ } ويعني بهم المؤمنون وأهل الحق .

{ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ } قال الحسن ومقاتل بن حيان ويمان وعطاء : وللاختلاف خلقهم ، قال الأشهب : سألت مالكاً عن هذه الآية فقال : لقهم ليكون فريق في الجنة ، وفريق في السعير ، وقيل : اللام بمعنى على ، أي وعلى ذلك خلقهم ، كقول الرجل للرجل : أكرمتك على برّك بي ولبرّك بي ، ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة : وللرحمة خلقهم ولم يقل : ولتلك ، والرحمة مؤنّثة لأنها مصدر وقد مضت هذه المسألة ، وهذا باب سائغ في اللغة [ وهو أن يُذكر ] لفظان متضادان ثم يشار إليهما بلفظ التوحيد فمن ذلك قوله تعالى

{ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ } [ البقرة : 68 ] ثم قال :

{ عَوَانٌ بَيْنَ ذلِكَ } [ البقرة : 68 ] ، وقوله

{ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً } [ الإسراء : 110 ] وقوله :

{ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } [ يونس : 58 ] فكذلك معنى الآية ، ولذلك أي وللاختلاف والرحمة خلقهم أحسن خلق ، هؤلاء لجنّته ، وهؤلاء لناره .

{ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *