البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ} (119)

وقال مجاهد وقتادة : ذلك إشارة إلى الرحمة التي تضمنها قوله : إلا من رحم ربك ، والضمير في خلقهم عائد على المرحومين .

وقال ابن عباس ، واختاره الطبري : الإشارة بذلك إلى الاختلاف والرحمة معاً ، فيكون على هذا أشير بالمفرد إلى اثنين كقوله : { عوان بين ذلك } أي بين الفارض والبكر ، والضمير في خلقهم عائد على الصنفين : المستثني ، والمستثنى منه ، وليس في هذه الجملة ما يمكن أن يعود عليه الضمير إلا الاختلاف كما قال الحسن وعطاء ، أو الرحمة كما قال مجاهد ، وقتادة ، أو كلاهما كما قال ابن عباس .

وقد أبعد المتأولون في تقدير غير هذه الثلاث ، فروي أنه إشارة إلى ما بعده .

وفيه تقديم وتأخير أي : وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين ، ولذلك خلقهم أي لملء جهنم منهم ، وهذا بعيد جداً من تراكيب كلام العرب .

وقيل : إشارة إلى شهود ذلك اليوم المشهود ، وقيل : إلى قوله : { فمنهم شقي وسعيد } وقيل : إشارة إلى أن يكون فريق في الجنة وفريق في السعير ، وقيل : إشارة إلى قوله : { ينهون عن الفساد في الأرض } وقيل : إشارة إلى العبادة ، وقيل : إلى الجنة والنار ، وقيل : للسعادة والشقاوة .

وقال الزمخشري : ولذلك إشارة إلى ما دل عليه الكلام ، أولاً من التمكين والاختيار الذي عنه الاختلاف ، خلقهم ليثيب مختار الحق بحسن اختياره ، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره انتهى .

وهو على طريقة الاعتزال .

ولولا أن هذه الأقوال سطرت في كتب التفسير لضربت عن ذكرها صفحاً .

وتمت كلمة ربك أي : نفذ قضاؤه وحق أمره .

واللام في لأملأن ، هي التي يتلقى بها القسم ، أو الجملة قبلها ضمنت معنى القسم كقوله { وإذ أخذ الله ميثاق النبين } ثم قال : { لتؤمنن به } والجنة والجن بمعنى واحد .

قال ابن عطية : والهاء فيه للمبالغة ، وإن كان الجن يقع على الواحد ، فالجنة جمعه انتهى .

فيكون مما يكون فيه الواحد بغير هاء ، وجمعه بالهاء لقول بعض العرب : كمء للواحد ، وكمأة للجمع .