وقالت امرأة فرعون : قرة عين لي ولك ، لا تقتلوه ، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ؛ وهم لايشعرون . .
لقد اقتحمت به يد القدرة على فرعون قلب امرأته ، بعد ما اقتحمت به عليه حصنه . لقد حمته بالمحبة . ذلك الستار الرقيق الشفيف . لا بالسلاح ولا بالجاه ولا بالمال . حمته بالحب الحاني في قلب امرأة . وتحدت به قسوة فرعون وغلظته وحرصه وحذره . . وهان فرعون على الله أن يحمي منه الطفل الضعيف بغير هذا الستار الشفيف !
وهو الذي تدفع به يد القدرة إليهم ليكون لهم - فيما عدا المرأة - عدوا وحزنا ! ( لا تقتلوه ) . .
وهو الذي على يده مصرع فرعون وجنده !
( عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ) . .
وهو الذي تخبئ لهم الأقدار من ورائه ما حذروا منه طويلا !
فيا للقدرة القادرة التي تتحداهم وتسخر منهم وهم لا يشعرون !
{ وقالت امرأة فرعون } أي لفرعون حين أخرجته من التابوت . { قرة عين لي ولك } هو قرة عين لنا لأنهما لما رأياه أخرج من التابوت أحباه ، أو لأنه كانت له ابنة برصاء وعالجها الأطباء بريق حيوان بحري يشبه الإنسان فلطخت برصها بريقه فبرئت ، وفي الحديث أنه قال : لك لا لي . ولو قال هو لي كما هو لك لهداه الله كما هداها . { لا تقتلوه } خطاب بلفظ الجمع للتعظيم . { عسى أن ينفعنا } فإن فيه مخايل اليمن ودلائل النفع ، وذلك لما رأت من نور بين عينيه وارتضاعه إبهامه لبنا وبرء البرصاء بريقه . { أو نتخذه ولدا } أو نتبناه فإنه أهل له . { وهم لا يشعرون } حال من الملتقطين أو من القائلة والمقول له أي وهم لا يشعرون أنهم على الخطأ في التقاطه أو في طمع النفع منه والتبني له ، أو من أحد ضميري نتخذه على أن الضمير للناس أي { وهم لا يشعرون } أنه لغيرنا وقد تبنيناه .
قرة عين : سكون وطمأنينة يقال : قرّت عينه تقرّ " بفتح القاف وضمها " قرّة ، إذا سكنت بعد حيرة ، أو بردت وانقطع بكاؤها .
9-{ وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون } .
حين رأت آسية بنت مزاحم الصبي تخيلت فيه وسامة وذكاء ونورا ، وألقى الله محبته في قلبها ؛ فقالت لزوجها : { قرة عين لي ولك . . }أي : مصدر سرور وفرح لي ولك ، لا تقتلوه كما تقتل أطفال بني إسرائيل ، وكأنها أحست من فرعون برغبة في قتله ، فحببت فيه فرعون ؛ وقالت : انظر إلى براءة وجهه وطهارته ونجابته وأصالته ، ثم خاطبت الفرعون والحاشية المكلفة بقتل الأطفال فقالت : { لا تقتلوه . . . وكانت عقيما لا تلد ، أو ولدت بنتا مريضة ، شفيت عند قدوم موسى .
فقالت لفرعون : { عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا } عسى أن يكون عونا لنا ومساعدا ، فإني أرى فيه كرم الأصل ، ومسحة الذكاء ، وخيرا وبركة .
{ أو نتخذه ولدا } نتبناه فيكون لنا ولدا ، نعتمد عليه في كبرنا ويشد أزرنا ، ونسعد به كما يسعد الآباء بأبنائهم .
أن يد القدرة الإلهية تحرك الأمور ، وتلقى الحب لموسى في القلوب ، ليكون الحب له وسيلة عملية ، تستولي على قلب الطاغية ، وعلى قلب زوجته ، لتصنع الأقدار بيد هذا الطفل هلاك الطاغين ، ونجاة المؤمنين .
فلما التقطه آل فرعون ، حنَّن اللّه عليه امرأة فرعون الفاضلة الجليلة المؤمنة " آسية " بنت مزاحم " وَقَالَتِ " هذا الولد { قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ } أي : أبقه لنا ، لِتقرَّ به أعيننا ، ونستر به في حياتنا .
{ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } أي : لا يخلو ، إما أن يكون بمنزلة الخدم ، الذين يسعون في نفعنا وخدمتنا ، أو نرقيه منزلة أعلى من ذلك ، نجعله ولدا لنا ، ونكرمه ، ونجله .
فقدَّر اللّه تعالى ، أنه نفع امرأة فرعون ، التي قالت تلك المقالة ، فإنه لما صار قرة عين لها ، وأحبته حبا شديدا ، فلم يزل لها بمنزلة الولد الشفيق حتى كبر ونبأه اللّه وأرسله ، فبادرت إلى الإسلام والإيمان به ، رضي اللّه عنها وأرضاها .
قال اللّه تعالى هذه المراجعات [ والمقاولات ] في شأن موسى : { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } ما جرى به القلم ، ومضى به القدر ، من وصوله إلى ما وصل إليه ، وهذا من لطفه تعالى ، فإنهم لو شعروا ، لكان لهم وله ، شأن آخر .
قوله تعالى : { وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك } قال وهب : لما وضع التابوت بين يدي فرعون فتحوه فوجدوا فيه موسى فلما نظر إليه قال عبراني من الأعداء فغاظه ذلك ، وقال : كيف أخطأ هذا الغلام الذبح ، وكان فرعون قد استنكح امرأة من بني إسرائيل يقال لها آسية بنت مزاحم وكانت من خيار النساء ومن بنات الأنبياء وكانت أماً للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم وتعطيهم ، قالت لفرعون وهي قاعدة على جنبه : هذا الوليد أكبر من ابن سنة وإنما أمرت أن يذبح الولدان لهذه السنة فدعه يكون قرة عين لي ولك ، { لا تقتلوه } وروي أنها قالت له : إنه أتانا من أرض أخرى ليس من بني إسرائيل ، { عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً وهم لا يشعرون } أن هلاكهم على يديه ، فاستحياه فرعون ، وألقى الله عليه محبته وقال لامرأته : عسى أن ينفعك فأما أنا فلا أريد نفعه ، قال وهب قال ابن عباس رضي الله عنهما : لو أن عدو الله قال في موسى كما قالت آسية : عسى أن ينفعنا ، لنفعه الله ، ولكنه أبى ، للشقاء الذي كتبه الله عليه .
قوله : { وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ } { قُرَّتُ } ، مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، وتقديره : هو قرة عين . وقيل : مرفوع على أنه مبتدأ ، وخبره : لا تقتلوه{[3480]} وقرة عين ، يقال : لما يرضي ويسر . يقال : فلان في قرة من العيش ، أي في رغد وطيب{[3481]} ، فقد أخذت امرأة فرعون تخاصم عن موسى وتحببه إلى فرعون ، ابتغاء كونه قرة عين لهما ؛ إذ يسعدان برؤيته ويسران من النظر إلى وجهه الوضيء المشرق لتحمله بذلك على التغاضي عن قتله ، وهو قولها لهم : { لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا } أي نصيب منه خيرا ؛ وذلك لما رأت فيه من سمات البركة وبشائر الخير والنفع لأهله . أو لعلها توسمت في سيماه النجابة والوضاءة وكريم الطبع { أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } فقد كانت امرأة فرعون لا تلد ، فاستوهبت منه موسى لتتبناه فوهبه لها .
قوله : { وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } أي : لا يدرون أن هلاكهم وتدميرهم ، بسببه وعلى يديه{[3482]} .