في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ} (2)

وبعد هذا الافتتاح يبدأ الحديث عن الإيمان ، والفتنة التي يتعرض لها المؤمنون لتحقيق هذا الإيمان ؛ وكشف الصادقين والكاذبين بالفتنة والابتلاء :

( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا : آمنا وهم لا يفتنون ? ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) .

إنه الإيقاع الأول في هذا المقطع القوي من السورة . يساق في صورة استفهام استنكاري لمفهوم الناس للإيمان ، وحسبانهم أنه كلمة تقال باللسان .

( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا : آمنا وهم لا يفتنون ? ) . .

إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف ؛ وأمانة ذات أعباء ؛ وجهاد يحتاج إلى صبر ، وجهد يحتاج إلى احتمال . فلا يكفي أن يقول الناس : آمنا . وهم لا يتركون لهذه الدعوى ، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم . كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به - وهذا هو أصل الكلمة اللغوي وله دلالته وظله وإيحاؤه - وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب .

هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت ، وسنة جارية ، في ميزان الله سبحانه :

 
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ} (2)

{ أحسب الناس } الحسبان مما يتعلق بمضامين الجمل للدلالة على جهة ثبوتها ولذلك اقتضى مفعولين متلازمين أو ما يسد مسدهما كقوله : { أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } فإن معناه أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم { آمنا } ، فالترك أول مفعوليه وغير مفتونين من تمامه ولقولهم { آمنا } هو الثاني كقولك : حسبت ضربه للتأديب ، أو أنفسهم متروكين غير مفتونين لقولهم { آمنا } بل يمتحنهم الله بمشاق التكاليف ، كالمهاجرة والمجاهدة ورفض الشهوات ووظائف الطاعات وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ليتميز المخلص من المنافق والثابت في الدين من المضطرب فيه ، ولينالوا بالصبر عليها عوالي الدرجات ، فإن مجرد الإيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب . روي أنها نزلت في ناس من الصحابة جزعوا من أذى المشركين ، وقيل في عمار وقد عذب في الله تعالى ، وقيل في مهجع مولى عمر بن الخطاب رماه عامر بن الحضرمي بسهم يوم بدر فقتله فجزع عليه أبواه وامرأته .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ} (2)

1

المفردات :

الفتنة : الامتحان والاختبار ، من قولهم : فتن الذهب ، إذا أدخله النار ليختبر جودته .

التفسير :

2- { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون }

حين خلق الله آدم عليه السلام استخلفه في الأرض ، وأعطاه العقل والإرادة والاختيار ، فإن اختار الطاعات فهو من المفلحين ، وإن اختار المعصية فهو من الخاسرين ، وهنا يذكر الله تعالى أنه جعل البلاء ضريبة في هذه الدنيا ، يمتحن به الناس ، ويطهر به المؤمنين ، ويختبر به الصادقين ، فتنة لهم وامتحانا ، كما يفتن الذهب الإبريز ، إذ يوضع في النار ليخرج منه الخبث .

ومعنى الآية :

أظن الناس أن يتركوا بدون اختبار وامتحان ، لمجرد قولهم آمنا ، بدون أن يخوضوا تجربة عملية ، فيها البلاء أو الإيذاء أو التكذيب أو التعرض لألوان من القهر أو الإغراء ، أو أي لون من ألوان الامتحان ؟

وقد تعرض المسلمون في مكة لصنوف الأذى ، وألوان الاضطهاد ، وتعجلوا الفرج والنصر ، فنزلت هذه الآيات .

جاء في التسهيل لابن جزي وغيره من المفسرين :

نزلت في قوم من المؤمنين كانوا بمكة مستضعفين ، كسلمة بن هشام ، وعياش بن ربيعة ، والوليد ابن الوليد ، وعمار بن ياسر ، وأبيه ياسر ، وأمه سمية ، وغيرهم . اه .

تعرضت هؤلاء للفتنة والعذاب فنزلت هذه الآيات تشد أزرهم ، وتبارك جهادهم ، وتذكرهم بأن ذلك قانون الله ونظامه ، يمتحن المؤمنين سابقا ولا حقا .

قال العلماء : والآيات وإن نزلت في قوم معينين ، إلا أنها باقية في أمة محمد أبد الدهر .

وقيل : نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب ، أول من قتل من المسلمين يوم بدر ، رماه عامر بن الحضرمي بسهم فقتله ، فجزع عليه أبواه وامرأته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( سيد الشهداء مهجع ، وأول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة )1 .