وبالنحر ينتهي الإحرام فيحل للحاج حلق شعره أو تقصيره ، ونتف شعر الإبط ، وقص الأظافر والاستحمام . مما كان ممنوعا عليه في فترة الإحرام . وهو الذي يقول عنه : ( ثم ليقضوا تفثهم ، وليوفوا نذورهم )التي نذروها من الذبائح غير الهدي الذي هو من أركان الحج . ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) . . طواف الإفاضة بعد الوقوف بعرفات ، وبه تنتهي شعائر الحج . وهو غير طواف الوداع .
والبيت العتيق هو المسجد الحرام أعفاه الله فلم يغلب عليه جبار . وأعفاه الله من البلى والدثور ، فما يزال معمورا منذ إبراهيم عليه السلام ولن يزال .
وأكد هذا الحث ونفى عنه الريب بعوده إلى الأسلوب الأول في قوله : { ثم ليقضوا } أي يقطعوا وينهوا يوم النحر بعد طول الإحرام { تفثهم } أي شعثهم بالغسل وقص الأظفار والشارب وحلق العانة ونحو ذلك { وليوفوا نذورهم } أخذاً من الفراغ من الأمر والخروج من كل واجب { وليطوفوا } فيكون ذلك آخر أعمالهم ، وحث على الإكثار منه والاجتهاد فيه بصيغة التفعل ، وعلى الإخلاص بالإخفاء بحسب الطاقة بالإدغام ، واللام إن كسرت - كما هي قراءة أبي عمرو وابن عامر وورش عن نافع وقنبل عن ابن كثير ورويس عن يعقوب في { ليقضوا } وقراءة ابن ذكوان عن ابن عامر وحده في { ليوفوا . . وليطوفوا } يصح أن تكون للعلة عطفاً على { ليشهدوا } ويكون عطفها بأداة التراخي لطول المدة على ما هو مفهومها مع الإشارة إلى التعظيم في الرتبة ، ويصح أن تكون للأمر كقراءة الباقين بالإسكان ، وقوله : { بالبيت } أي من ورائه ، ليعم الحجر ، ومتى نقص عن إكمال الدوران حوله أدنى جزء لم يصح لأنه لم يوقع مسمى الطواف ، فلا تعلق بالباء في التبعيض ووصفه بقوله : { العتيق* } إشارة إلى استحقاقه للتعظيم بالقدم والعتق من كل سوء ،
قوله : ( ثم ليقضوا تفثهم ) التفث في المناسك ، ما كان في نحو قص الأظفار والشارب وحلق الرأس والعانة ورمي الجمار وأشباه ذلك{[3103]} وقيل في معنى التفث عدة أقوال : منها : أن التفث حلق الشعر ولبس الثياب وما أتبع ذلك مما يُحل به المحرم . وهو قول مالك .
ومنها : أنه مناسك الحجر . رواه ابن عمر وابن عباس .
ومنها : حلق الرأس . وهو قول قتادة .
ومنها : رمي الجمار . وهو قول مجاهد .
ومنها : إزالة قشف الإحرام من تقليم أظفار ، وأخذ شعر ، وغسل ، واستعمال طيب . وقال به الحسن البصري .
قال صاحب الكشاف : قضاء التفث : قص الشارب والأظفار ونتف الإبط ، والاستحداد ، والتفث الوسخ . فالمراد قضاء إزالة التفث .
قوله : ( وليوفوا نذورهم ) النذر ، كل ما لزم الإنسان أو التزمه . والمراد به هنا : ما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج . وقيل : كل نذر إلى أجل . وقال صاحب الكشاف : مواجب حجهم أو ما عسى ينذرونه من أعمال البر في حجهم . والمقصود : أنهم أمروا بوفاء النذر مطلقا إلا ما كان معصية لقوله عليه الصلاة والسلام : " لا وفاء لنذر في معصية الله " وقوله ( ص ) : " من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه " .
قوله : ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) المراد به عند جمهور العلماء طواف الإفاضة ، وهو طواف الزيارة . وهو ركن الحج من غير خلاف . وبه يتم الحج وهو نهاية أركانه . وهكذا صنع رسول الله ( ص ) ؛ فإنه لما رجع إلى منى يوم النحر بدأ برمي الجمرة فرماها بسبع حصيات . ثم نحر هديه وحلق رأسه ، ثم أفاض فطاف بالبيت .
وقيل : المراد به طواف الصدر وهو طواف الوداع . والصواب الأول . وهو طواف الإفاضة ؛ لأن الأمر في الآية على الوجوب حتى تقوم دلالة الندب .
أما طواف الوداع وكذا القدوم فليس بواجب .
وأما العتيق ، فمعناه القديم . سمي بذلك ؛ لأنه أول بيت وضع للناس .
وقيل : لأن الله أعتقه من تسلّط الجبابرة . فكم من جبار سار إليه ليصيب به منه شرا أو خرابا فمنعه الله أو قصمه قصما . وقد روى الترمذي عن عبد الله بن الزبير قال : قال رسول الله ( ص ) : " إنما سمي البيت العتيق ؛ لأنه لم يظهر عليه جبار " {[3104]}
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.