وفي مقابل هذا السعير المتأجج . وفي مقابل الجلود الناضجة المشوية المعذبة . . كلما نضجت بدلت . ليعود الاحتراق من جديد . ويعود الألم من جديد . في مقابل هذا المشهد المكروب الملهوف . . نجد ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) في جنات ندية :
ونجد في المشهد ثباتا وخلودا مطمئنا أكيدا :
ونجد في الجنات والخلد الدائم أزواجا مطهرة :
ونجد روح الظلال الندية ؛ يرف على مشهد النعيم :
تقابل كامل في الجزاء . وفي المشاهد . وفي الصور . وفي الإيقاع . . على طريقة القرآن في " مشاهد القيامة " ذات الإيحاء القوي النافذ العميق .
ولما ذكر الترهيب بعقاب الكافرين أتبعه الترغيب بثواب المؤمنين فقال : { والذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان { وعملوا } بياناً لصدقهم فيه { الصالحات سندخلهم } أي بوعد لا خلف فيه ، وربما أفهم التنفيس{[21740]} لهم بالسين دون سوف - كما في الكافرين - أنهم أقصر الأمم مدة ، أو{[21741]} أنهم أقصرهم أعماراً إراحة{[21742]} لهم من دار الكدر إلى محل الصفاء ، وأنهم يدخلون الجنة قبل جميع الفرق الناجية من أهل الموقف{[21743]} { جنات } أي بساتين ، ووصفها بما يديم بهجتها ويعظم نضرتها وزهرتها فقال{[21744]} : { تجري من تحتها الأنهار } أي إن أرضها في غاية الريّ ، كل موضع منها صالح لأن تجري منه نهر .
ولما ذكر قيامها وما به دوامها ، أتبعه ما تهواه النفوس من استمرار الإقامة بها فقال : { خالدين فيها أبداً } ولما وصف حسن الدار ذكر حسن الجار فقال : { لهم فيها أزواج } والمطرد في وصف جمع{[21745]} القلة لمن يفضل الألف والتاء{[21746]} ، فعدل هنا{[21747]} عن ذلك إلى الوحدة لإفهام أنهن لشدة الموافقة في الطهر كذات واحد{[21748]} فقيل{[21749]} : { مطهرة } أي متكرر طهرها ، لا توجد وقتاً ما على غير ذلك . ولما كانت الجنان في الدنيا لا تحسن{[21750]} إلا بتمكن الشمس{[21751]} منها ، وكانت الشمس تنسخ الظل فتخرج{[21752]} إلى التحول إلى مكان آخر ، وربما آذى حرها ، أمّن من ذلك فيها بقوله : { وندخلهم } أي فيها { ظلاً } أي عظيماً ، وأكده{[21753]} بقوله{[21754]} { ظليلاً * } أي متصلاً لا فرج{[21755]} فيه ، منبسطاً لا ضيق معه دائماً{[21756]} لا تصيبه{[21757]} الشمس يوماً ما{[21758]} ، ولا حر فيه ولا برد ، بل هو في غاية الاعتدال{[21759]} .
وقوله : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا ) .
بعد الحديث عن الكافرين وما أعد الله لهم من شديد الويل والثبور يأتي الحديث عن أهل الإيمان الذين لا تقف بهم الحال عند الاعتقاد المحشور في النفس ، بل إنهم يقرنون إيمانهم وعقيدتهم بالعمل السديد المشروع . فهم بذلك عاملون نشطون لفعل الصالحات وممارسة كل وجوه الخير من القول أو العمل . أولئك الذين قد أعدّ الله لهم خير الجزاء والعطاء في جنّات عامرة وارفة ممتدة ، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا طرأ على قلب بشر . ومن بين ذلك الأنهار الجارية المنسابة من الماء والعسل وغيرهما . ثم الأزواج الصالحات الطاهرات وهن المبرآت عن عيوب الأذى والرذيلة اللواتي تتحقق فيهن كل ظواهر الصلاح من خلق وبهاء وود .
قوله : ( وندخلهم ظلا ظليلا ) هو الظل الكثيف الرخيّ الطيّب الذي لا يتخلله الحر أو البرد . وقيل : ذلك كناية عن الراحة التي ينعم خلالها المؤمنون المتقون في الجنة تغشاهم نسائم ندية من رحمات الله العاطرة الزكية . لا جرم أن ذلك غاية الراحة والسكينة والحبور والرضا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.