في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ} (21)

لقد جربهم في مواطن كثيرة طوال الطريق الطويل . . ثم ها هو ذا معهم على أبواب الأرض المقدسة . أرض الميعاد التي من أجلها خرجوا . الأرض التي وعدهم الله أن يكونوا فيها ملوكا ، وأن يبعث من بينهم الأنبياء فيها ليظلوا في رعاية الله وقيادته . .

لقد جربهم فحق له أن يشفق ، وهو يدعوهم دعوته الأخيرة ، فيحشد فيها ألمع الذكريات ، وأكبر البشريات ، وأضخم المشجعات وأشد التحذيرات :

( يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ) . .

نعمة الله . ووعده الواقع من أن يجعل فيهم أنبياء ويجعلهم ملوكا . وإيتاءه لهم بهذا وذلك ما لم يؤت أحدا من العالمين حتى ذلك التاريخ . والأرض المقدسة التي هم مقدمون عليها مكتوبة لهم بوعد الله . فهي إذن يقين . . وقد رأوا من قبل كيف صدقهم الله وعده . وهذا وعده الذي هم عليه قادمون . . والارتداد على الأدبار هو الخسران المبين . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ} (21)

ثم{[24938]} أتبعه ما يقيد به هذه النعم من الشكر بامتثال الأمر في جهاد الأعداء في سياق مؤذن بالنصر معلم بأنه نعمة أخرى يجب شكرها ، فلذلك{[24939]} وصله بما قبله وصل{[24940]} المعلول بالعلة{[24941]} فقال : { يا قوم ادخلوا } عن أمر الله الذي أعلمكم بما صنع من الآيات أنه غالب على جميع أمره{[24942]} { الأرض المقدسة } أي المطهرة المباركة التي حكم الله أن يطهرها بأنبيائه ورسله من نجس الشرك وضر المعاصي والإفك ، ويبارك فيها ، ثم{[24943]} وصفها بما يوجب للمؤمن الإقدام لتحققه النصر فقال : { التي كتب الله } أي الذي له الأمر كله فلا مانع لما أعطى { لكم } أي بأن تجاهدوا أعداءه فترثوا أرضهم التي لا مثل لها ، فتحوزوا سعادة الدارين ، وهي بيت المقدس والتي وعد{[24944]} أباكم إبراهيم عليه السلام أن تكون{[24945]} ميراثاً لولده بعد أن جعلها مهاجرة .

ولما أمرهم بذلك نهاهم عن التقاعد عنه ، فقال مشيراً إلى أن مخالفة أمر الله لا تكون إلا{[24946]} بمعالجة للفطرة الأولى : { ولا ترتدوا }{[24947]} أي تكلفوا أنفسكم الرجوع عن أخذها ، وصوَّر لهم الفتور عن أخذها بما يستحيي من له همة من ذكره فقال{[24948]} : { على أدباركم } ولما جمع بين الأمر والنهي ، خوفهم عواقب العصيان معلماً بأن ارتدادهم سبب لهلاكهم بغير شك ، فقال معبراً بصيغة الانفعال{[24949]} : { فتنقلبوا } أي من عند أنفسكم من غير قالب يسلط عليكم { خاسرين * } أي بخزي المعصية عند الله وعار الجبن عن الناس وخيبة السعي من خيري الدارين .


[24938]:زيد كي تستقيم العبارة، والعبارة من بعده إلى "معلم بأنه" سقطت من ظ.
[24939]:في ظ: ولذلك.
[24940]:من ظ، وفي الأصل: المفعول بالصلة.
[24941]:من ظ، وفي الأصل: المفعول بالصلة.
[24942]:زيد من ظ.
[24943]:زيد من ظ.
[24944]:من ظ، وفي الأصل: وعدا.
[24945]:في الأصل: تكونوا، وفي ظ: يكون.
[24946]:سقط من ظ.
[24947]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24948]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[24949]:زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ} (21)

قوله : { يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين } الأرض المقدسة أي الطاهرة . سميت مقدسة ، لأنها جعلت موطن الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه . أو لبركة بيت المقدس الذي كان مكتوبا في علم الله أن سيكون في هذه الديار . والأرض المقدسة هي بيت المقدس . وقيل : دمشق وفلسطين والأردن ، وقيل الشام .

فقد أمر الله نبيه وكليمه موسى عليه السلام أن يحرض بني إسرائيل على مجاهدة العمالقة الجبارين ليستعيدوا منهم البلاد المقدسة فيسكنوها لما كتب الله أنها تكون لهم شريطة أن يقاتلوا الجبابرة ولا يرهبوهم أو يهابوهم . وهو مقتضى قوله : { التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين } أي لا تنكصوا على أعقابكم مدبرين هاربين خوفا وجبنا من العمالقة الجبارين . وقيل : لما حدثهم النقباء بحال الجبابرة رفعوا أصواتهم مجهشين بالبكاء مما أصابهم من شدة الذعر والهلع وانهيار الأعصاب . وقالوا : يا ليتنا متنا بمصر . وقالوا : تعالوا نجعل علينا رأسا يعود بنا إلى مصر{[933]} وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة في الفقرات القادمة .


[933]:- الكشاف ج 1 ص 603 وروح المعاني ج 5 ص 106.