في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (49)

41

وبعد ، فإنه بينما كان الشيطان يخدع المشركين الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله ، ويشجعهم على الخروج ، ثم يتركهم لمصيرهم البائس . . . كان المنافقون والذين في قلوبهم ضعف ، يظنون بالعصبة المؤمنة الظنون ؛ وهم يرونها تواجه جحافل المشركين ، وهي قليلة العدد ضعيفة العدة ؛ ويرون - بقلوبهم المدخولة ونظرتهم إلى الظواهر المادية الخادعة - أن المؤمنين أوردوا أنفسهم موارد التهلكة ، مخدوعين بدينهم ، ظانين أنه ينصرهم أو يقيهم :

( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض : غر هؤلاء دينهم ) . .

والمنافقون والذين في قلوبهم مرض قيل : إنهم مجموعة من الذين مالوا إلى الاسلام في مكة - ولكن لم تصح عقيدتهم ولم تطمئن قلوبهم - خرجوا مع النفير مزعزعين ، فلما رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين قالوا هذه المقالة !

والمنافقون والذين في قلوبهم مرض لا يدركون حقيقة أسباب النصر وأسباب الهزيمة ؛ فهم يرون ظواهر الأمور ، دون أن تهديهم بصيرة إلى بواطنها ؛ ودون أن يشعروا بالقوة الكامنة في العقيدة ، والثقة في الله ، والتوكل عليه ، واستصغار شأن الجموع والقوى التي لا ترتكن إلى عقيدة في الله تمنحها القوة الحقيقية . . فلا جرم يظنون المسلمين يومئذ مخدوعين في موقفهم ، مغرورين بدينهم ، واردين موارد التهلكة بتعرضهم لجحافل المشركين التي يرونها !

إن الواقع المادي الظاهر لا يختلف من ناحية مظهره عند القلوب المؤمنة وعند القلوب الخاوية من الإيمان . ولكن الذي يختلف هو التقدير والتقويم لهذا الواقع المادي الظاهر . . فالقلوب الخاوية تراه ولا ترى شيئاً وراءه ؛ والقلوب المؤمنة ترى ما وراءه من " الواقع " الحقيقي ! الواقع الذي يشمل جميع القوى ، ويوازن بينها موازنة صحيحة :

( ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ) . .

هذا ما تدركه القلوب المؤمنة وتطمئن إليه ؛ وما هو محجوب عن القلوب الخاوية فلا تحسب حسابه ! وهذا ما يرجح الكفة ، ويقرر النتيجة ، ويفصل في القضية في نهاية المطاف في كل زمان وفي كل مكان .

وقولة المنافقين والذين في قلوبهم مرض ، عن العصبة المسلمة يوم بدر : ( غر هؤلاء دينهم ) . . هي قولة المنافقين والذين في قلوبهم مرض كلما رأوا العصبة المسلمة تتعرض لجحافل الطاغوت في عنفوانه ؛ وعدتها الأساسية التي تملكها هي هذا الدين ؛ وهي هذه العقيدة الدافعة الدافقة ؛ وهي الغيرة على ألوهية الله وعلى حرمات الله ؛ وهي التوكل على الله والثقة بنصره لأوليائه .

إن المنافقين والذين في قلوبهم مرض يقفون ليتفرجوا والعصبة المسلمة تصارع جحافل الطاغوت ، وفي نفوسهم سخرية من هذه العصبة التي تتصدى للخطر ، وتستخف بالخطر ! وفي نفوسهم عجب كذلك ودهشة في اقتحام العصبة المسلمة للمكاره الظاهرة ، وللأخطار الواضحة . . إنهم هم لا يعرفون مبرراً لهذا التهور - كما يسمونه - وللإلقاء بالنفس إلى التهلكة ! . . إنهم يحسبون الحياة كلها - بما فيها الدين والعقيدة - صفقة في سوق التجارة . إن كانت ظاهرة الربح أقدموا عليها ؛ فأما إذا كان الخطر فالسلامة أولى ! . . إنهم لا يدركون الأمور ببصيرة المؤمن ، ولا يزنون النتائج كذلك بميزان الإيمان . . إنها في حس المؤمن وميزانه صفقة رابحة دائماً ؛ فهي مؤدية الى إحدى الحسنيين : النصر والغلب ، أو الشهادة والجنة . . ثم إن حساب القوى في نفسه يختلف ؛ فهناك الله . . وهذا مالا يدخل في حساب المنافقين والذين في قلوبهم مرض !

والعصبة المسلمة في كل مكان وفي كل زمان مدعوة إلى أن تزن بميزان الإيمان والعقيدة ؛ وأن تدرك ببصيرة المؤمن وقلبه ، وأن ترى بنور الله وهداه ، وألا تتعاظمها قوى الطاغوت الظاهرة ، وألا تستهين بقوتها ووزنها فإن معها الله ، وأن تلقي بالها دائما إلى تعليم الله سبحانه للمؤمنين :

( ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ) . .

صدق الله العظيم . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (49)

ولما استوفى ما كان يقطع به{[35111]} في حق أولئك مما هو من أنفسهم ومما هو من تزيين الشيطان ، أبدل منه ما كان يقطع به في حقهم من أهل الجهل بالله وبأيامه الماضية وآثاره عند أوليائه وأعدائه فقال : { إذ يقول المنافقون } أي من العرب وبني إسرائيل قولاً يجددونه كل وقت لما لهم فيه من الرغبة { والذين في قلوبهم مرض } أي ممن لم{[35112]} يرسخ الإيمان في قلبه ممن آمن ولم يهاجر أو من اليهود المصارحين بالكفر حين يرون الكفار وقوتهم وكثرتهم والمؤمنين وضعفهم وقلتهم { غرَّ هؤلاء } مشيرين إليكم { دينهم } أي في إقدامهم على ما يقطع فيه بهلاكهم ظناً منهم أن الله ناصرهم وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف ملوك العرب ، فيغيظكم ذلك ، فكذبهم الله وصدق أمركم بتوكلكم عليه وصبركم على دينكم { ومن } أي قالوا ذلك عالمين بأنكم متوكلون{[35113]} على من تدينون له والحال أنه من { يتوكل على الله } أي الذي له الإحاطة الشاملة ، فهو يفعل ما يشاء منكم ومن غيركم بشرطه{[35114]} من الإيمان والسعي في الطاعة كما فعلتم فإنه معز ومكرم .

ولما كان سبحانه محيطاً بكل صفة كمال على الإطلاق من غير قيد توكل ولا غيره ، أظهر تعالى فقال عاطفاً على تقديره : فإن الله قادر على نصره : { فإن الله } أي الذي له الكمال المطلق { عزيز } أي غالب لكل من يغالبه فهو جدير بنصره { حكيم* } أي متقن لأفعاله فهو حقيق بأن يأخذ عدو المتوكل عليه من الموضع الذي لا ينفعه فيه حيلة .


[35111]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35112]:سقط من ظ.
[35113]:في ظ: متوكلين.
[35114]:من ظ، وفي الأصل: شرط.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (49)

قوله : { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم } المنافقون : هم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر . أما الذين في قلوبهم مرض : فيراد بهم الشاكون وضعاف الإيمان الذين لم تشرح صدورهم بالإيمان فهم على حرف ؛ لأنهم حديثو عهد بالإسلام . فهم بذلك دون المنافقين . والمراد أن هؤلاء جميعا قالوا عند التقاء الصفين { غر هؤلاء دينهم } أي غر هؤلاء المسلمين الذين يقاتلون المشركين ، من أنفسهم دنيهم وهو الإسلام . يعنون أن المسلمين قد اغتروا بدينهم وأنهم يتقون به فيستطيعون هزم خصومهم وهم الأكثرون الأقوياء .

قال ابن عباس في هذه الآية : لما دنا القوم بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في أعين المشركين ، وقلل المشركون في أعين المسلمين . فقال المشركون : غر هؤلاء دينهم . وإنما قالوا ذلك من قتلهم في أعينهم فظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك . فقال الله : { ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم } أي من يسلم أمره إلى الله ويثق به تمام الثقة ويركن إليه تمام الركون ؛ فلسوف ينصره ويرعاه ؛ لأن الله عزيز ؛ أي قوي الجلال والسلطان ، لا يغلبه شيء ولا يقهره قاهر . فمن استجار بجنابه ؛ حفظه وكفاه . وهو كذلك { حكيم } فلا تصدر أفعاله وأوامره وزواجره وأقداره إلا عن حكمة ، فينصر من يستحق النصر ، ويخذل من لا يستحق غير ذلك{[1675]} .

وذلك أمر من الله لعباده المؤمنين بان يديموا التوكل على الله وحده دون أحد من خلقه ؛ فإن الله حافظهم وجاعل الغلبة لهم .


[1675]:الكشاف جـ 2 ص 163 وتفسير الطبري جـ 10 ص 16 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 318.