في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَـٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (72)

55

وأخيراً يختم هذا الدرس ، وتختم السورة معه ، ببيان طبيعة العلاقات في المجتمع المسلم ، وطبيعة العلاقات بينه وبين المجتمعات الأخرى ؛ وبيان الأحكام المنظمة لهذه العلاقات وتلك ؛ ومنه تتبين طبيعة المجتمع المسلم ذاته ؛ والقاعدة التي ينطلق منها والتي يقوم عليها كذلك . . إنها ليست علاقات الدم ، ولا علاقات الأرض ، ولا علاقات الجنس ، ولا علاقات التاريخ ، ولا علاقات اللغة ، ولا علاقات الاقتصاد . . ليست هي القرابة ، وليست هي الوطنية ، وليست هي القومية ، وليست هي المصالح الاقتصادية . . إنما هي علاقة العقيدة ، وعلاقة القيادة ، وعلاقة التنظيم الحركي . . فالذين آمنوا وهاجروا إلى دار الهجرة والإسلام ، متجردين من كل ما يمسكهم بأرضهم وديارهم وقومهم ومصالحهم ، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ؛ والذين آووهم ونصروهم ودانوا معهم لعقيدتهم وقيادتهم في تجمع حركي واحد ، أولئك بعضهم أولياء بعض . . والذين آمنوا ولم يهاجروا ليس بينهم وبين المجتمع المسلم ولاية ؛ لأنهم لم يتجردوا بعد للعقيدة ، ولم يدينوا بعد للقيادة ؛ ولم يلتزموا بعد بتعليمات التجمع الحركي الواحد . . وفي داخل هذا التجمع الحركي الواحد تعتبر قرابة الدم أولى في الميراث وغيره . . والذين كفروا بعضهم أولياء بعض كذلك . . هذه هي الخطوط الرئيسية في العلاقات والارتباطات ، كما تصورها هذه النصوص الحاسمة :

( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض . والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا . وإن استنصروكم . . في الدين . . فعليكم النصر - إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق - والله بما تعملون بصير . والذين كفروا بعضهم أولياء بعض : إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير . . والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً ، لهم مغفرة ورزق كريم . والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم . وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ، إن الله بكل شيء عليم ) . .

والولاية بين المسلمين في إبان نشأة المجتمع المسلم إلى يوم بدر ، كانت ولاية توارث وتكافل في الدياتوولاية نصرة وأخوة قامت مقام علاقات الدم والنسب والقرابة . . حتى إذا وجدت الدولة ومكن الله لها بيوم الفرقان في بدر بقيت الولاية والنصرة ، ورد الله الميراث والتكافل في الديات إلى قرابة الدم ، داخل المجتمع المسلم . . فأما الهجرة التي يشير إليها النص ويجعلها شرطاً لتلك الولاية - العامة والخاصة - فهي الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام - لمن استطاع - فأما الذين يملكون الهجرة ولم يهاجروا ، استمساكاً بمصالح أو قرابات مع المشركين ، فهؤلاء ليس بينهم وبين المجتمع المسلم ولاية ، كما كان الشأن في جماعات من الأعراب أسلموا ولم يهاجروا لمثل هذه الملابسات ، وكذلك بعض أفراد في مكة من القادرين على الهجرة . . وهؤلاء وأولئك أوجب الله على المسلمين نصرهم - إن استنصروهم في الدين خاصة - على شرط ألا يكون الاعتداء عليهم من قوم بينهم وبين المجتمع المسلم عهد ، لأن عهود المجتمع المسلم وخطته الحركية أولى بالرعاية !

ونحسب أن هذه النصوص والأحكام تدل دلالة كافية على طبيعة المجتمع المسلم والاعتبارات الأساسية في تركيبه العضوي ، وقيمه الأساسية . ولكن هذه الدلالة لا تتضح الوضوح الكافي إلا ببيان تاريخي عن نشأة هذا المجتمع التاريخية ؛ والقواعد الأساسية التي انبثق منها وقام عليها ؛ ومنهجه الحركي والتزاماته :

إن الدعوة الإسلامية - على يد محمد رسول الله [ ص ] - إنما تمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة الدعوة الطويلة إلى الإسلام بقيادة موكب الرسل الكرام . . وهذه الدعوة على مدار التاريخ البشري كانت تستهدف أمراً واحداً : هو تعريف الناس بإلههم الواحد وربهم الحق ؛ وتعبيدهم لربهم وحده ونبذ ربوبية الخلق . . ولم يكن الناس - فيما عدا أفراداً معدودة في فترات قصيرة - ينكرون مبدأ الألوهية ويجحدون وجود الله البتة ؛ إنما هم كانوا يخطئون معرفة حقيقة ربهم الحق ، أو يشركون مع الله آلهة أخرى : إما في صورة الاعتقاد والعبادة ؛ وإما في صورة الحاكمية والاتباع ؛ وكلاهما شرك كالآخر يخرج به الناس من دين الله ، الذي كانوا يعرفونه على يد كل رسول ، ثم ينكرونه إذا طال عليهم الأمد ، ويرتدون إلى الجاهلية ، التي أخرجهم منها ، ويعودون إلى الشرك بالله مرة أخرى . . إما في الاعتقاد والعبادة ، وإما في الاتباع والحاكمية ، وإما فيها جميعا . .

هذه طبيعة الدعوة إلى الله على مدار التاريخ البشري . . إنها تستهدف( الإسلام ) . . إسلام العباد لرب العباد ؛ وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، بإخراجهم من سلطان العباد وحاكميتهم وشرائعهم وقيمهم وتقاليدهم ، إلى سلطان الله وحاكميته وشريعته وحده في كل شأن من شؤون الحياة . . وفي هذا جاء الإسلام على يد محمد [ ص ] ، كما جاء على أيدي الرسل الكرام قبله . . جاء ليرد الناس إلى حاكمية الله كشأن الكون كله الذي يحتوي الناس ؛ فيجب أن تكون السلطة التي تنظم حياتهم هي السلطة التي تنظم وجوده ؛ فلا يشذوا هم بمنهج وسلطان وتدبير غير المنهج والسلطان والتدبير الذي يصرف الكون كله . بل الذي يصرف وجودهم هم أنفسهم في غير الجانب الإرادي من حياتهم . فالناس محكومون بقوانين فطرية من صنع الله في نشأتهم ونموهم وصحتهم ومرضهم ، وحياتهم وموتهم ؛ كما هم محكومون بهذه القوانين في اجتماعهم وعواقب ما يحل بهم نتيجة لحركتهم الاختيارية ذاتها ؛ وهم لا يملكون تغيير سنة الله بهم في هذا كله ؛ كما أنهم لا يملكون تغيير سنة الله في القوانين الكونية التي تحكم هذا الكون وتصرفه . . ومن ثم ينبغي أن يثوبوا إلى الإسلام في الجانب الإرادي من حياتهم ؛ فيجعلوا شريعة الله هي الحاكمة في كل شأن منشؤون هذه الحياة ، تنسيقاً بين الجانب الإرادي في حياتهم والجانب الفطري ، وتنسيقاً بين وجودهم كله بشطريه هذين وبين الوجود الكوني . .

ولكن الجاهلية التي تقوم على حاكمية البشر للبشر ، والشذوذ بهذا عن الوجود الكوني ؛ والتصادم بين منهج الجانب الإرادي في حياة الإنسان والجانب الفطري . . هذه الجاهلية التي واجهها كل رسول بالدعوة إلى الإسلام لله وحده . والتي واجهها رسول الله [ ص ] بدعوته . . هذه الجاهلية لم تكن متمثلة في " نظرية " مجردة . بل ربما أحياناً لم تكن لها " نظرية " على الإطلاق ! إنما كانت متمثلة دائماً في تجمع حركي . متمثلة في مجتمع ، خاضع لقيادة هذا المجتمع ، وخاضع لتصوراته وقيمه ومفاهيمه ومشاعره وتقاليده وعاداته ، وهو مجتمع عضوي بين أفراده ذلك التفاعل والتكامل والتناسق والولاء والتعاون العضوي ، الذي يجعل هذا المجتمع يتحرك - بإرادة واعية أو غير واعية - للمحافظة على وجوده ؛ والدفاع عن كيانه والقضاء على عناصر الخطر التي تهدد ذلك الوجود وهذا الكيان في أية صورة من صور التهديد .

ومن أجل أن الجاهلية لا تتمثل في " نظرية " مجردة ، ولكن تتمثل في تجمع حركي على هذا النحو ؛ فإن محاولة إلغاء هذه الجاهلية ، ورد الناس إلى الله مرة أخرى ، لا يجوز - ولا يجدي شيئاً - أن تتمثل في " نظرية " مجردة . فإنها حينئذ لاتكون مكافئة للجاهلية القائمة فعلاً والمتمثلة في تجمع حركي عضوي ، فضلاً على أن تكون متفوقة عليها كما هو المطلوب في حالة محاولة إلغاء وجود قائم بالفعل ، لإقامة وجود آخر يخالفه مخالفة أساسية في طبيعته وفي منهجه وفي كلياته وجزئياته . بل لا بد لهذه المحاولة الجديدة أن تتمثل في تجمع عضوي حركي أقوى في قواعده النظرية والتنظيمية ، وفي روابطه وعلاقاته ووشائجه من ذلك التجمع الجاهلي القائم فعلاً .

والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام - على مدار التاريخ البشري - هي قاعدة : " شهادة أن لا إله إلا الله " . أي إفراد الله - سبحانه - بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية . . إفراده بها اعتقاداً في الضمير ، وعبادة في الشعائر ، وشريعة في واقع الحياة . فشهادة أن لا إله إلا الله ، لا توجد فعلا ؛ ولا تعتبر موجودة شرعاً إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجوداً جدياً حقيقياً يقوم عليه اعتبار قائلها مسلماً أو غير مسلم . .

ومعنى تقرير هذه القاعدة من الناحية النظرية . . أن تعود حياة البشر بجملتها إلى الله ، لا يقضون هم في أي شأن من شؤونها ، ولا في أي جانب من جوانبها ، من عند أنفسهم ؛ بل لا بد لهم أن يرجعوا إلى حكم الله فيها ليتبعوه . . وحكم الله هذا يجب أن يعرفوه من مصدر واحد يبلغهم إياه ؛ وهو رسول الله . . وهذا يتمثل في شطر الشهادة الثاني من ركن الإسلام الأول : " شهادة أن محمداً رسول الله " .

هذه هي القاعدة النظرية التي يتمثل فيها الإسلام ويقوم عليها - وهي تنشئ منهجاً كاملاً للحياة حين تطبق في شؤون الحياة كلها ؛ يواجه به المسلم كل فرع من فروع الحياة الفردية والجماعية ، في داخل دار الإسلام وخارجها ؛ في علاقاته بالمجتمع المسلم وفي علاقات المجتمع المسلم بالمجتمعات الاخرى . .

ولكن الإسلام - كما قلنا - لم يكن يملك أن يتمثل في " نظرية " مجردة ؛ ليعتنقها من يعتنقها اعتقاداً ويزاولها عبادة ؛ ثم يبقى معتنقوها على هذا النحو أفراداً ضمن الكيان العضوي للتجمع الحركي الجاهلي القائم فعلاً . فإن وجودهم على هذا النحو - مهما كثر عددهم - لا يمكن أن يؤدي إلى " وجود فعلي " للإسلام . لأن الأفراد " المسلمين نظرياً " الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون مضطرين حتماً للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية . سيتحركون طوعاً أو كرهاً ، بوعي أو بغير وعي لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده وسيدافعون عن كيانه ؛ وسيدفعون العوامل التي تهدد وجوده وكيانه ؛ لأن الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكل أعضائه سواء أرادوا أم لم يريدوا . . أي أن الأفراد " المسلمين نظرياً " سيظلون يقومون " فعلا " بتقوية المجتمع الجاهلي الذي يعملون " نظريا " لإزالته ؛ وسيظلون خلايا حية في كيانه تمده بعناصر البقاء والامتداد ! وسيعطونه كفاياتهم وخبراتهم ونشاطهم ليحيا ويقوى ، وذلك بدلا من أن تكون حركتهم في اتجاه تقويض هذا المجتمع الجاهلي ، لإقامة المجتمع الإسلامي !

ومن ثم لم يكن بد أن تتمثل القاعدة النظرية للإسلام [ أي العقيدة ] في تجمع عضوي حركي منذ اللحظة الأولى . . لم يكن بد أن ينشأ تجمع عضوي حركي آخر غير التجمع الجاهلي ، منفصل ومستقل عن التجمع العضوي الحركي الجاهلي الذي يستهدف الإسلام إلغاءه . وأن يكون محور هذا التجمع الجديد هو القيادة الجديدة المتمثلة في رسول الله [ ص ] ومن بعده في كل قيادة إسلامية تستهدف رد الناس إلى ألوهية الله وحده وربوبيته وقوامته وحاكميته وسلطانه وشريعته - وأن يخلع كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولاءه من التجمع العضوي الحركي الجاهلي - أي التجمع الذي جاء منه - ومن قيادة ذلك التجمع - في أية صورة كانت ، سواء كانت في صورة قيادة دينية ، من الكهنة والسدنة والسحرة والعرافين ومن إليهم ، أو في صورة قيادة سياسية واجتماعية واقتصادية كالتي كانت لقريش ، وأن يحصر ولاءه في التجمع العضوي الحركي الإسلامي الجديد وفي قيادته المسلمة .

لم يكن بد أن يتحقق هذا منذ اللحظة الأولى لدخول المسلم في الإسلام ، ولنطقه بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . لأن وجود المجتمع المسلم لا يتحقق إلا بهذا . لا يتحقق بمجرد قيام القاعدة النظرية في قلوب أفراد مهما تبلغ كثرتهم ؛ لا يتمثلون في تجمع عضوي متناسق متعاون ؛ له وجود ذاتي مستقل ، يعمل أعضاؤه عملاً عضوياً - كأعضاء الكائن الحي - على تأصيل وجوده وتعميقه وتوسيعه ؛ وعلى الدفاع عن كيانه ضد العوامل التي تهاجم وجوده وكيانه . ويعملون في هذا تحت قيادة مستقلة عن قيادة المجتمع الجاهلي تنظم تحركهم وتنسقه ، وتوجهه لتأصيل وتعميق وتوسيع وجودهم الإسلامي . ولمكافحة ومقاومة وإزالة الوجود الآخر الجاهلي .

وهكذا وجد الإسلام . . هكذا وجد متمثلا في قاعدة نظرية مجملة - ولكنها شاملة - يقوم عليها في نفس اللحظة تجمع عضوي حركي مستقل منفصل عن المجتمع الجاهلي ومواجه لهذا المجتمع . . ولم يوجد قط في صورة " نظرية " مجردة عن هذا الوجود الفعلي . . وهكذا يمكن أن يوجد الإسلام مرة أخرى . . ولا سبيل لإعادة نشأته في ظل المجتمع الجاهلي في أي زمان وفي أي مكان ، بغير الفقه الضروري لطبيعة نشأته العضوية الحركية .

وحين ندرك طبيعة هذه النشأة وأسرارها الفطرية ؛ وندرك معها طبيعة هذا الدين وطبيعة منهجه الحركي- على ما بينا في مقدمة سورة الأنفال في الجزء التاسع - ندرك معه مدلولات هذه النصوص والأحكام التي نواجهها في ختام هذه السورة ، في تنظيم المجتمع المسلم وتنظيم علاقاته مع المؤمنين المهاجرين المجاهدين - بطبقاتهم - والذين آووا ونصروا ؛ وعلاقاته مع الذين آمنواولم يهاجروا ؛ وعلاقاته مع الذين كفروا . . إنها كلها تقوم على أساس ذلك الفقه بطبيعة النشأة العضوية الحركية للمجتمع الإسلامي .

ونستطيع الآن أن نواجه هذه النصوص والأحكام الواردة فيها :

{ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض . والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا . وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر - إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق - والله بما تعملون بصير . والذين كفروا بعضهم أولياء بعض . . إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } . .

لقد انخلع كل من قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله في مكة من الولاء لأسرته ، والولاء لعشيرته ، والولاء لقبيلته ، والولاء لقيادته الجاهلية الممثلة في قريش ؛ وأعطى ولاءه وزمامه لمحمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وللتجمع الصغير الناشئ الذي قام بقيادته . في حين وقف المجتمع الجاهلي يدفع عن وجوده الذاتي خطر هذا التجمع الجديد - الخارج عليه حتى قبل اللقاء في المعركة الحربية - يحاول سحق هذا التجمع الوليد في نشأته .

عندئذ آخى رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - بين أعضاء هذا التجمع الوليد . . أي أنه حول هؤلاء " الأفراد " الآتين من المجتمع الجاهلي أفراداً ، إلى " مجتمع " متكافل ، تقوم رابطة العقيدة فيه مقام رابطة الدم والنسب ؛ ويقوم الولاء لقيادته الجديدة مقام الولاء للقيادة الجاهلية ، ويقوم الولاء فيه للمجتمع الجديد مقام كل ولاء سابق .

ثم لما فتح الله للمسلمين دار الهجرة في المدينة ؛ بعد أن وجد فيها مسلمون بايعوا القيادة الإسلامية على الولاء المطلق ، والسمع والطاعة في المنشط والمكره ، وحماية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يحمون منه أموالهم وأولادهم ونساءهم ؛ وقامت الدولة المسلمة في المدينة بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاد رسول الله فآخى بين المهاجرين والأنصار تلك المؤاخاة التي تقوم مقام رابطة الدم والنسب كذلك بكل مقتضياتها . بما في ذلك الإرث والديات والتعويضات التي تقوم بها رابطة الدم في الأسرة والعشيرة . . وكان حكم الله تعالى :

{ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض } . .

أولياء في النصرة ، وأولياء في الإرث ، وأولياء في الديات والتعويضات وسائر ما يترتب على رابطة الدم والنسب من التزامات وعلاقات .

ثم وجد أفراد آخرون دخلوا في هذا الدين عقيدة ؛ ولكنهم لم يلتحقوا بالمجتمع المسلم فعلاً . . لم يهاجروا إلى دار الإسلام التي تحكمها شريعة الله وتدبر أمرها القيادة المسلمة ؛ ولم ينضموا إلى المجتمع المسلم الذي أصبح يملك داراً يقيم فيها شريعة الله ؛ ويحقق فيها وجوده الكامل ؛ بعدما تحقق له وجوده في مكة نسبيا ، بالولاء للقيادة الجديدة والتجمع في تجمع عضوي حركي ، مستقل ومنفصل عن المجتمع الجاهلي ومواجه له بهذا الوجود المستقل المميز .

وجد هؤلاء الأفراد سواء في مكة ، أو في الأعراب حول المدينة . يعتنقون العقيدة ، ولكنهم لا ينضمون للمجتمع الذي يقوم على هذه العقيدة ؛ ولا يدينون فعلا دينونة كاملة للقيادة القائمة عليه . .

وهؤلاء لم يعتبروا أعضاء في المجتمع المسلم ؛ ولم يجعل الله لهم ولاية - بكل أنواع الولاية - مع هذا المجتمع ، لأنهم بالفعل ليسوا من المجتمع الإسلامي . وفي هؤلاء نزل هذا الحكم :

( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا . وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ، إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ) .

وهذا الحكم منطقي ومفهوم مع طبيعة هذا الدين - التي أسلفنا - ومع منهجه الحركي الواقعي . فهؤلاء الأفراد ليسوا أعضاء في المجتمع المسلم ؛ ومن ثم لا تكون بينهم وبينه ولاية . . ولكن هناك رابطة العقيدة ؛ وهذه لا ترتب - وحدها - على المجتمع المسلم تبعات تجاه هؤلاء الأفراد ؛ اللهم إلا أن يعتدي عليهم في دينهم ؛ فيفتنوا مثلاً عن عقيدتهم . فإذا استنصروا المسلمين - في دار الإسلام - في مثل هذا ، كان على المسلمين أن ينصروهم في هذه وحدها . على شرط ألا يخل هذا بعهد من عهود المسلمين مع معسكر آخر . ولو كان هذا المعسكر هو المعتدي على أولئك الأفراد في دينهم وعقيدتهم ! ذلك أن الأصل هو مصلحة المجتمع المسلم وخطته الحركية وما يترتب عليها من تعاملات وعقود . فهذه لها الرعاية أولاً ، حتى تجاه الاعتداء على عقيدة أولئك الذين آمنوا ، ولكنهم لم ينضموا للوجود الفعلي لهذا الدين المتمثل في التجمع الإسلامي . .

. . وهذا يعطينا مدى الأهمية التي يعلقها هذا الدين على التنظيم الحركي الذي يمثل وجوده الحقيقي . .

والتعقيب على هذا الحكم :

( والله بما تعملون بصير ) . .

فكل عملكم تحت بصره - سبحانه - يرى مداخله ومخارجه ، ومقدماته ونتائجه ، وبواعثه وآثاره .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَـٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (72)

ولما بين للأسرى أن الخير الذي لم يطلع عليه من قلوبهم غير الله لا ينفعهم في إسقاط الفداء عنهم لأنه لا دليل عليه ، وكل ما لا دليل عليه فحكمه حكم العدم ، لأن مبنى الشرع{[35386]} على ما{[35387]} يمكن المكلف معرفته وهو الظواهر ، وختم بصفتي العلم والحكمة ، شرع يبين الخبر الذي يفيد القرب الذي تنبني عليه المناصرة وكل خير ، فقال مقسماً أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أقسام : قسم جمع الإيمان والهجرة أولاً والجهاد ، وقسم آوى ، وقسم آمن ولم يهاجر ، وقسم هاجر من بعد : { إن الذين آمنوا } أي بالله ورسوله { وهاجروا } أي واقعوا الهجرة من بلاد الشرك ، وهم المهاجرون الأولون ، هجروا أوطانهم وعشائرهم وأحبابهم حباً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم { وجاهدوا } أي واقعوا{[35388]} الجهاد ، وهو بذل الجهد في توهين الكفر وأهله .

ولما كانت الآيات المتقدمه في آلات{[35389]} الجهاد من النفس والمال تارة بالحث على إنفاقه وأخرى بالنهي عن حبه وتارة بالتسلية للأسرى عند{[35390]} فقده ، كان الأنسب تقديم قوله : { بأموالهم } أي بإنفاقهم لها في{[35391]} الجهاد وتضييع بعضها بالهجرة من الديار والنخيل وغيرها { وأنفسهم } بإقدامهم على القتال مع شدة الأعداء وكثرتهم ؛ وقدم المال لأنه سبب قيام النفس ، وكان في غاية العزة في{[35392]} أول الأمر ، وأخر قوله : { في سبيل الله } أي الملك الأعظم لذلك ، " وفي " سببية{[35393]} أي جاهدوا بسببه حتى لا يصد عنه صاد فتظهر محاسنه ويسهل المرور فيه من غير قاطع ، ولعله عبر ب " في " إعلاماً{[35394]} بأنه ينبغي أن يكون متمكناً من السبيل تمكن المظروف من ظرفه حتى يكون الدين غالباً عليه لا يخرج عنه بوجه من الوجوه ، وأما في سورة براءة{[35395]} فلما كان السياق في بعض الأماكن بها للسبيل قدم - كما سيأتي ، وأيضاً فإن هذه السورة نزلت في أوائل الأمر بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة ، وكان الحال إذ ذاك شديداً جداً ، والأموال في غاية القلة ، والأعداء لا يحصون ، فناسب الاهتمام بشأن المال والنفس فقدما ترغيباً في بذلهما ، وأما براءة فنزلت في غزوة تبوك في أواخر سنة تسع ، فكان{[35396]} المال قد اتسع ، والدين قد عز وضخم وقوي وعظم ، وأسلم غالب الناس ، فبعدت مواضع الجهاد فعظمت المشقة ، وتواكل الناس بعضهم على بعض ورغبوا في الإقبال على إصلاح الأموال ، فناسب البداءة هناك بالسبيل .

ولما ذكر أهل الهجرة الأولى ، أتبعهم أهل النصرة ، وهم القسم الثاني من المؤمنين الذين كانوا على زمنه صلى الله عليه وسلم فقال : { والذين آووا } أي من{[35397]} هاجر{[35398]} إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم فأسكنوهم في ديارهم ، وقسموا لهم من أموالهم ، وعرضوا عليهم أن ينزلوا لهم عن بعض نسائهم ليتزوجوهن ، وأنما قصر الفعل إشارة إلى تعظيم فعلهم بحيث كأنه{[35399]} لا إيواء في الوجود غير ما فعلوا ، وكذا قوله : { ونصروا } أي الله ورسوله والمؤمنين ، وهم الأنصار رضي الله عنهم ، حازوا هذين الوصفين الشريفين فكانوا في الذروة من كلتي الحسنيين{[35400]} ، ولولا إيواؤهم ونصرهم{[35401]} لما تم المقصود ، والمهاجرون الأولون أعلى منهم لسبقهم في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل ولحملهم الأذى من الكفار زماناً طويلاً وصبرهم على فرقة الأوطان والعشائر .

وأشار إلى القسمين بأداة البعد لعلو مقامهم وعز{[35402]} مرامهم فقال : { أولئك } أي العالو الرتبة { بعضهم أولياء بعض } أي في الميراث دون القرب العاري عن ذلك ، فبين أن الإيمان إن لم يقترن{[35403]} بشهيدين هما الهجرة والجهاد من الغرب{[35404]} عن المدينة وشهيدين هما الإيواء والنصرة من أهل المدينة ، كان عائقاً عن مطلق القرب بل مانعاً من نفوذ لحمة النسب كل النفوذ{[35405]} ، فكأن من آمن ولم يهاجر لم يرث ممن هاجر قاله ابن عباس رضي الله عنهما ، ومادة ولي بجميع تصاريفها ترجع إلى الميل ، ويلزم منه القرب والبعد{[35406]} ، وربما نشأ عن كل منهما الشدة ، وترتيب ولي بخصوصه يدور على القرب ، ومن لوازمه النصرة ، فالمعنى بعضهم أقرباء بعض ، يلزم كلاً منهم في حق الآخر من المناصرة وغيرها ما يلزم القريب لقريبه ، فمتى جمعهم وصف جعلهم شركاء فيما يثمره ، فوصف الحضور في غزوة يشرك بينهم في الغنائم ، لأن أنواع الجهاد كثيرة ، وكل واحد منهم باشر بعضها ، فعن حضور الكل نشأت النصرة ، والمهاجر في الأصل من فارق الكفار بقلبه ولاواهم ، ورافق المؤمنين بحبه ولبه ووالاهم ، لكن لما كان هذا قد يخفى ، نيط الأمر بالمظنة وهي الدار ، لأنها أمر ظاهر ، فصار المهاجر من باعد دار المشركين فراراً بدينه ، ثم صار شرط ذلك بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون النقلة إلى دار هجرته : المدينة الشريفة هذا حكم كل مهاجر إلا ما{[35407]} كان من خزاعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد علم من مؤمنهم وكافرهم حبه ونصحه وبغض عدوه فلم يلزم مؤمنهم النقلة ؛ قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في كتاب المدخل إلى الاستيعاب ؛ ويقال لخزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم {[35408]}لأنهم حلفاء بني هاشم وقد أدخلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم{[35409]} في كتاب القضية عام الحديبية - إلى أن قال : وأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم منزلة لم يعطها أحداً من الناس أن جعلهم مهاجرين بأرضهم وكتب لهم بذلك كتاباً - انتهى . وقال شاعرهم نجيد{[35410]} بن عمران الخزاعي يفخر{[35411]} بذلك وغيره مما خصهم الله به على يد{[35412]} رسول الله صلى الله عليه وسلم :وقد أنشأ الله{[35413]} السحاب بنصرنا *** {[35414]}ركام سحاب{[35415]} الهيدب المتراكب

وهجرتنا في أرضنا عندنا بها *** كتاب أتى من خير ممل وكاتب

ومن أجلنا حلت بمكة حرمة *** لندرك ثأراً بالسيوف القواضب

ذكر ذلك الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي في غزوة الفتح من سيرته ، والذي تولى حلفهم أولاً هو عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الواقدي في أول غزوة الفتح : وكانت خزاعة حلفاء لعبد المطلب ، وكان رسول صلى الله عليه وسلم بذلك عارفاً ، لقد جاءته يومئذ - يعني يوم الحديبية - خزاعة بكتاب عبد المطلب فقرأه وهو " باسمك اللهم هذا حلف عبد المطلب بن هاشم لخزاعة{[35416]} إذ قدم عليه{[35417]} وسراتهم{[35418]} وأهل الرأي ، غائبهم مقر بما قضى عليه شاهدهم ، إن بيننا وبينكم عهد الله وعقوده ، ما لا ينسى أبداً ، اليد واحدة{[35419]} والنصر واحد ، ما أشرف{[35420]} ثبير وثبت حراء ، وما بل بحر صوفة ، لا يزداد فيما بيننا وبينكم إلا تجدداً أبداً أبداً ، الدهر سرمداً " فقرأه عليه أبيّ بن كعب رضي الله عنه فقال : " ما أعرفني بحلفكم وأنتم على{[35421]} ما أسلمتم عليه من الحلف ، وكل حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة ، ولا حلف في الإسلام " ؛ قال الواقدي : " وجاءته أسلم وهو بغدير الأشطاط{[35422]} " جاء بهم بريده بن الحصيب فقال : يارسول الله هذه أسلم وهذه محالّها وقد هاجر إليك من{[35423]} هاجر منها وبقي{[35424]} قوم منهم في مواشيهم ومعاشهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنتم{[35425]} مهاجرون حيث كنتم ، ودعا العلاء بن الحضرمي فأمره أن يكتب لهم كتاباً فكتب " هذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسلم لمن آمن منهم بالله وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، فإنه آمن بأمان الله ، وله ذمة الله وذمة رسوله ، وإن أمرنا وأمركم واحد على من دهمنا من الناس بظلم ، اليد واحدة والنصر واحد ، ولأهل باديتهم مثل{[35426]} ما لأهل قرارهم{[35427]} وهم{[35428]} مهاجرون حيث كانوا " وكتب العلاء بن الحضرمي فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : يا رسول الله ! نعم الرجل بريدة بن الحصيب لقومه عظيم البركة عليهم ، مررنا به ليلة مررنا ونحن مهاجرون إلى المدينة ، فأسلم وأسلم معه من قومه من أسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم الرجل بريدة لقومه وغير قومه يا أبا بكر إن خير القوم من كان مدافعاً عن قومه ما لم يأثم ، فإن الإثم لا خير فيه " انتهى . وأسلم شعب من أربعة شعوب من خزاعة . ولما فتحت مكة ، انقطعت الهجرة لظهور الدين وضعف المشركين ، وقام مقام الهجرة النية الخالصة المدلول عليها بالجهاد كما قال صلى الله عليه وسلم " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية " وقال صلى الله عليه وسلم :

" المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " فإن كان المؤمن لا يتمكن من إظهار دينه وجبت{[35429]} عليه النقلة .

ولما بين سبحانه تعالى أمر من جمع{[35430]} الشروط ، شرع يبين حكم من قعد{[35431]} عن بعضها وهو القسم الثالث فقال ؛ { والذين آمنوا } أي اشتهر إيمانهم { ولم يهاجروا } أي قبل الفتح بل استمروا في بلادهم { ما لكم من ولايتهم } وأغرق في النفي فقال : { من شيء } أي{[35432]} في التوارث ولا في غيره ؛ ورغبهم في الهجرة بقوله : { حتى يهاجروا } أي يواقعوا{[35433]} الهجرة لدار الشرك ومن فيها { وإن استنصروكم } أي طلبوا نصركم { في الدين } أي بسبب أمر من أموره وهم متمكنون من الدين تمكن المظروف من الظرف { فعليكم النصر } أي واجب عليكم أن تنصروهم{[35434]} على المشركين ، فالمعنى أنه ليس لهم عليكم حق القريب إلا في الاستنصار في الدين ، فإن ترك نصرهم يجر إلى مفسدة كما أن موالاتهم تجر إلى مفاسد ؛ ثم استثنى من الوجوب فقال : { إلا على قوم } وقع وكان { بينكم وبينهم ميثاق } أي لأن استنصارهم يوقع بين مفسدتين : ترك{[35435]} نصرة المؤمن ونقض العهد وهو أعظمهما فقدمت{[35436]} مراعاته وتركت نصرتهم{[35437]} ، فإن نصرهم الله على الكفار فهو المراد من غير أن تدنسوا بنقض ، وإن نصر الكفار حصل لمن قتل من إخوانكم الشهادة ولمن بقي الضمان بالكفاية ، وكان ذلك داعياً لهم إلى الهجرة{[35438]} ، ومن ارتد منهم أبعده الله ولن يضر إلا نفسه والله غنى حميد ، فقد وقع - كما ترى - تقسيم المؤمنين إلى ثلاثة أقسام : أعلاها المهاجر ، ويليه الناصر ، وأدناها القاعد القاصر ، وبقي قسم رابع ياتي{[35439]} ؛ قال أبو حيان : فبدأ بالمهاجرين - أي{[35440]} الأولين - لأنهم أصل الإسلام وأول من استجاب لله تعالى ، فهاجر قوم إلى المدينة ، وقوم إلى الحبشة ، وقوم إلى ابن ذي يزن ، ثم هاجروا إلى المدينة وكانوا قدوة لغيرهم في الإيمان وسبب تقوية الدين " من سنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل{[35441]} بها إلى يوم القيامه " وثنى بالأنصار لأنهم ساووهم في الإيمان وفي الجهاد بالنفس والمال ، لكنه عادل بالهجرة{[35442]} الإيواء والنصرة ، وانفرد المهاجرون بالسبق ، وذكر ثالثاً من آمن ولم ينصر ، ففاتهم هاتان الفضيلتان وحرموا الولاية حتى يهاجروا ، ثم قال : آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ، فكان المهاجري يرثه أخوه الأنصاري إذا لم يكن له بالمدينة ولي مهاجري ، ولا توارث بينه وبين قريبه المسلم غير المهاجري{[35443]} ، قال ابن زيد : واستمر أمرهم كذلك إلى{[35444]} فتح مكة - انتهى . لكن ما ذكر ابن عبد البر - كما سيأتي - من أن حكم ذلك زال بوقعة بدر أولى للآية الآتية{[35445]} آخر السورة مع ما يؤيد ذلك من آية الأحزاب{[35446]} .

ولما كان التقدير : فالله بمصالحكم خبير ، وكان{[35447]} للنفوس دواع إلى مناصرة الأقارب والأحباب ومعاداة غيرهم خفية ، ولها دسائس{[35448]} تدرك ، حذر من ذلك بقوله عاطفاً على هذا المقدر : { والله } أي المحيط علماً وقدرة ، ولما كان السياق لبيان المصالح التي تنظم الدين وتهدم ما عداه ، وكان للنفوس - كما تقدم - أحوال ، اقتضى تأكيد العلم بالخفايا فقدم الجار الدال على الاختصاص الذي هو هنا كناية عن إحاطة العلم فقط مرهباً : { بما تعملون بصير* } وفي ذلك أيضاً ترغيب في العمل بما حث عليه من الإيمان والهجرة والنصرة والإنفاق والتحري في جميع من{[35449]} ذلك وترهيب من العمل بأضدادها ، وفي " البصير " إشارة إلى العلم بما يكون من ذلك خالصاً أو مشوباً ، ففيه مزيد حث على الإخلاص .


[35386]:من ظ، وفي الأصل: الشيء.
[35387]:سقط من ظ.
[35388]:في ظ: أوقعوا.
[35389]:من ظ، وفي الأصل: الآيات.
[35390]:من ظ، وفي الأصل: عن.
[35391]:من ظ، وفي الأصل: من.
[35392]:من ظ، وفي الأصل: من.
[35393]:في ظ: سببيه.
[35394]:من ظ، وفي الأصل: إعلام.
[35395]:راجع آية 20.
[35396]:في ظ: وكان.
[35397]:زيد من ظ.
[35398]:من ظ وفي الأصل: هاجروا.
[35399]:من ظ، وفي الأصل: كان.
[35400]:زيد من ظ: وأشار إلى القسمين.
[35401]:زيد من ظ.
[35402]:في ظ: علو.
[35403]:من ظ، وفي الأصل: لم يفترون.
[35404]:من ظ، وفي الأصل: القريب.
[35405]:في ظ: المنفوذ.
[35406]:زيد من ظ.
[35407]:زيد من ظ.
[35408]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35409]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35410]:من سيرة ابن هشام 3/1، وفي الأصل: عبيد، وفي ظ: مجيد ـ كذا.
[35411]:من ظ، وفي الأصل: يعجز.
[35412]:في ظ: يدي.
[35413]:زيد من ظ والسيرة.
[35414]:من ظ والسيرة، وفي الأصل: سحاب ركام.
[35415]:من ظ والسيرة، وفي الأصل: سحاب ركام.
[35416]:من ظ وكتاب المغازي 2/781، وفي الأصل: الخزاعة.
[35417]:من ظ والمغازي، وفي الأصل: عليهم.
[35418]:في ظ: سرواتهم.
[35419]:في ظ: واحد.
[35420]:من المغازي، وفي الأصل: أشرق، وفي ظ: أشر ـ كذا.
[35421]:من ظ، والمغازي، وفي الأصل: عا ـ كذا.
[35422]:من المغازي، وفي الأصل وظ:الأشظاظ، وقال في المغازي نقلا عن وفاء الوفاء: غدير الأشطاط: على ثلاثة أميال من عسفان مما يلي مكة.
[35423]:زيد من ظ والمغازي.
[35424]:زيد من ظ والمغازي.
[35425]:زيد بعده في الأصل: لفي، ولم تكن الزيادة في ظ والمغازي فحذفناها.
[35426]:زيد من المغازي.
[35427]:في ظ: قراهم.
[35428]:زيد من ظ والمغازي.
[35429]:في ظ: وجب.
[35430]:من ظ، وفي الأصل: جميع.
[35431]:في الأصل: فقد، وفي ظ: عقد.
[35432]:سقط من ظ.
[35433]:في ظ: يوقعوا.
[35434]:من ظ، وفي الأصل: ينصروهم.
[35435]:من ظ، وفي الأصل: يرمي ـ كذا.
[35436]:في ظ: فتقدمت.
[35437]:في ظ: تركتهم.
[35438]:في ظ: الهجر.
[35439]:سقط من ظ.
[35440]:سقط من ظ.
[35441]:في ظ: يعمل.
[35442]:في البحر المحيط 4/521: الهجرة.
[35443]:من البحر، وفي الأصل وظ: المهاجر.
[35444]:زيد بعده في ظ: أن.
[35445]:من ظ، وفي الأصل: الثانية.
[35446]:راجع آية 6 منها.
[35447]:في ظ: كانت.
[35448]:من ظ، وفي الأصل: أساس.
[35449]:سقط من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَـٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (72)

قوله تعالى : { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بضع والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير 72 والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } .

هذا بيان من الله بأصناف المؤمنين ؛ إذ قسمهم إلى ثلاثة أصناف وهم :

الصنف الأول : المهاجرون ، الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم وجاءوا لينصروا الله ورسوله وإقامة دينه وترسيخ منهجه في الأرض . وبذلوا في ذلك أنفسهم وأموالهم . وذلك كله مقتضى قوله تعالى : { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } .

الصنف الثاني : الأنصار . وهم المسلمون من أهل المدينة الذين أووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم وواسوهم في أموالهم ونصروا الله ورسوله بالقتال مع المؤمنين المهاجرين لصد الشرك والمشركين . وكلا هذين الصنفين من المؤمنين { بعضهم أولياء بعض } أولاء من الولاية . وقيل : المراد بها هنا الميراث . وهو قول ابن عباس . وبذلك جعل الله سبب الإرث الهجرة والنصرة دون القرابة ؛ فالقريب الذي آمن ولم يهاجر ؛ فإن ما كان يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر . فكانوا بذلك يتوارثون إرثا مقدما على القرابة حتى نسخ الله ذلك بآية المواريث وبقوله تعالى : { وأولوا الأرحام بعضهم إلى ببعض } .

وقد أخرج الإمام أحمد عن ابن عبد الله البجلي ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة ) .

وقيل : المراد بالولاية النصرة والمعونة . والمقصود أن المسلمين جميعا إخوة ، سواء فيهم المهاجرون والأنصار . فهم يد واحدة على الأعداء . وهذا هو الراجح والصواب ؛ فإن لفظ الولاية غير مشعر بمعنى الميراث بل إنه مشعر بالقرب والمناصرة . وذلك هو شأن المؤمنين الصادقين في كل زمان ؛ فغنهم إخوان متناصرون ومتآزرون .

الصنف الثالث : وهم المؤمنون الذين لم يهاجروا لب أقاموا في بواديهم وفي مكة . وهم المعنيون بقوله : { والذين آمنوا ولم يهاجروا } .

قوله : { ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا } أي هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا معكم ولم يفارقوا دار الكفر إلى دار الإسلام ؛ فإنه ليس لكم أيها المؤمنون المهاجرون { من ولايتهم من شيء } يعني من نصرتهم وإعانتهم أو ميراثهم { حتى يهاجروا } فإن هاجروا من دار الكفر إلى دار الإسلام ؛ كان لهم ما للصنف الأول وهم المؤمنون المهاجرون .

قوله : { وإن استنصركم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق } أي إن طلب هؤلاء الأعراب الذين آمنوا ولم يهاجروا –النصرة منكم في قتال عدو لهم في الدين فانصروهم ؛ فغنه واجب عليكم نصرهم ؛ لأنهم إخوانكم في الدين ، أما إن طلبوا منكم النصرة في قتال قوم من الكفار بينكم وبينهم ميثاق أو مهادنة إلى مدة معلومة ، فلا تخفروا{[1701]} ذمتهم ، ولا تنقضوا أيمانكم معهم .

قوله : { والله بما تعلمون بصير } وهذا تحذير من الله للمؤمنين أن يتعدوا ما شرعه لهم وأوجبه عليهم .


[1701]:تخفروا ذمتكم: تنقضوا عندكم. أخفره: نقض عهده. انظر مختار الصحاح ص 182.