في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ مَعَكُمۡ فَأُوْلَـٰٓئِكَ مِنكُمۡۚ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ} (75)

55

ثم يلحق بالطبقة الأولى من المهاجرين المجاهدين ، كل من يهاجر بعد ذلك ويجاهد - وإن كانت للسابقين درجتهم كما تقرر النصوص القرآنية الأخرى - إنما هذا إلحاق في الولاء والعضوية في المجتمع الإسلامي :

( والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ) . .

ولقد ظل شرط الهجرة قائماً حتى فتح مكة ؛ حين دانت أرض العرب للإسلام ولقيادته ، وانتظم الناس في مجتمعه . فلا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد وعمل . كما قال رسول الله [ ص ] غير أن ذلك إنما كان في جولة الإسلام الأولى التي حكم فيها الأرض ألفا ومائتي عام تقريباً ؛ لم ينقطع فيها حكم شريعة الإسلام ، وقيام القيادة المسلمة على شريعة الله وسلطانه . . فأما اليوم وقد عادت الأرض إلى الجاهلية ؛ وارتفع حكم الله - سبحانه - عن حياة الناس في الأرض ، وعادت الحاكمية إلى الطاغوت في الأرض كلها ، ودخل الناس في عبادة العباد بعد إذ أخرجهم الإسلام منها . . الآن تبدأ جولة جديدة أخرى للإسلام - كالجولة الأولى - تأخذ - في التنظيم - كل أحكامها المرحلية ، حتى تنتهي إلى إقامة دار إسلام وهجرة ؛ ثم تمتد ظلال الإسلام مرة أخرى - بإذن الله - فلا تعود هجرة ولكن جهاد وعمل ؛ كما حدث في الجولة الأولى . .

ولقد كانت لفترة البناء الأولى للوجود الإسلامي أحكامها الخاصة ، وتكاليفها الخاصة . . قام الولاء في العقيدة مقام الولاء في الدم ، في كل صوره وأشكاله ، وفي كل التزاماته ومقتضياته . بما في ذلك الإرث والتكافل في الديات والمغارم . . فلما أن استقر الوجود الإسلامي بيوم الفرقان في بدر عدلت أحكام تلك الفترة الاستثنائية ، اللازمة لعملية البناء الأولى ، المواجهة لتكاليفها الاستثنائية . وكان من هذه التعديلات عودة التوارث والتكافل في الديات وغيرها إلى القرابة - ولكنه في إطار المجتمع المسلم في دار الإسلام :

( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله . . )

فلا بأس بعد استقرار الوجود الفعلي للإسلام ، من أولوية ذوي القربى في داخل الإطار العام . . إن هذا يلبي جانباً فطرياً في النفس الإنسانية . ولا ضرر من تلبية المشاعر الفطرية في النفس الإنسانية ، ما دام أن ليس هناك ما يعارض هذه المشاعر من تكاليف الوجود الإسلامي . . إن الإسلام لا يحطم المشاعر الفطرية ؛ ولكنه يضبطها . يضبطها لتستقيم مع الحاجات العليا للوجود الإسلامي ؛ فمتى انقضت هذه الحاجات عاد يلبيها - في إطاره العام . ومن ثم تكون لبعض الفترات الاستثنائية في الحركة تكاليفها الخاصة ، التي ليست واردة في الأحكام النهائية للإسلام ، التي تحكم المجتمع الإسلامي المستقر الآمن في حياته العادية . . وكذلك ينبغي أن نفقه تكاليف مرحلة البناء الأولى ؛ وطبيعة الإسلام العامة وأحكامه الأخرى . .

إن الله بكل شيء عليم . .

وهو التعقيب المناسب على هذه الأحكام والتنظيمات والمشاعر ، وتداخلها وتنظيمها وتنسيقها . فهي من العلم المحيط بكل شيء . علم الله تعالى . .

وبعد فإن الإسلام - وهو يبني الأمة المسلمة على هذه القاعدة وفق هذا المنهج ؛ ويقيم وجودها على أساس التجمع العضوي الحركي ؛ ويجعل آصرة هذا التجمع هي العقيدة - إنما كان يستهدف إبراز " إنسانية الإنسان " وتقويتها وتمكينها ، وإعلاءها على جميع الجوانب الأخرى في الكائن الإنساني . وكان يمضي في هذا على منهجه المطرد في كل قواعده وتعليماته وشرائعه وأحكامه . .

إن الكائن الإنساني يشترك مع الكائنات الحيوانية - بل الكائنات المادية - في صفات توهم أصحاب " الجهالة العلمية ! " مرة بأنه حيوان كسائر الحيوان ؛ ومرة بأنه مادة كسائر المواد ! ولكن الإنسان مع اشتراكه في هذه " الصفات " مع الحيوان ومع المادة له " خصائص " تميزه وتفرده ؛ وتجعل منه كائناً فريداً - كما اضطر أصحاب " الجهالة العلمية ! " أخيراً أن يعترفوا والحقائق الواقعة تلوي أعناقهم ليا ، فيضطرون لهذا الاعتراف في غير إخلاص ولا صراحة !

والإسلام - بمنهجه الرباني - يعمد إلى هذه الخصائص التي تميز " الإنسان " وتفرده بين الخلائق ؛ فيبرزها وينميها ويعليها . . وهو حين يجعل آصرة العقيدة هي قاعدة التجمع العضوي الحركي ، التي يقيم على أساسها وجود الأمة المسلمة ، إنما يمضي على خطته تلك . فالعقيدة تتعلق بأعلى ما في " الإنسان " من " خصائص " . .

إنه لا يجعل هذه الآصرة هي النسب ، ولا اللغة ، ولا الأرض ، ولا الجنس ، ولا اللون ، ولا المصالح ، ولا المصير الأرضي المشترك . . فهذه كلها أواصر يشترك فيها الحيوان مع الإنسان . وهي أشبه شيء وأقرب شيء إلى أواصر القطيع ، وإلى اهتمامات القطيع ، وإلى الحظيرة والمرعى والثغاء الذي يتفاهم به القطيع ! أما العقيدة التي تفسر للإنسان وجوده ، ووجود هذا الكون من حوله تفسيراً كلياً ؛ كما تفسر له منشأ وجوده ووجود الكون من حوله ، ومصيره ومصير الكون من حوله ؛ وترده إلى كائن أعلى من هذه المادة وأكبر وأسبق وأبقى ، فهي أمر آخر يتعلق بروحه وإدراكه المميز له من سائر الخلائق ، والذي ينفرد به عن سائر الخلائق ؛ والذي يقرر " إنسانيته " في أعلى مراتبها ؛ حيث يخلف وراءه سائر الخلائق .

ثم إن هذه الآصرة - آصرة العقيدة والتصور والفكرة والمنهج - هي آصرة حرة ؛ يملك الفرد الإنساني اختيارها بمحض إرادته الواعية . فأما أواصر القطيع تلك فهي مفروضة عليه فرضاً ، لم يخترها ولا حيلة له كذلك فيها . . إنه لا يملك تغيير نسبه الذي نماه ؛ ولا تغيير الجنس الذي تسلسل منه ؛ ولا تغيير اللون الذي ولد به . فهذه كلها أمور قد تقررت في حياته قبل أن يولد ، لم يكن له فيها اختيار ، ولا يملك فيها حيلة . . كذلك مولده في أرض بعينها ، ونطقه بلغة بعينها بحكم هذا المولد ، وارتباطه بمصالح مادية معينة ومصير أرضي معين - ما دامت هذه هي أواصر تجمعه مع غيره - كلها مسائل عسيرة التغيير ؛ ومجال " الإرادة الحرة " فيها محدود . . ومن أجل هذا كله لا يجعلها الإسلام هي آصرة التجمع الإنساني . . فأما العقيدة والتصور والفكرة والمنهج ، فهي مفتوحة دائماً للاختيار الإنساني ، ويملك في كل لحظة أن يعلن فيها اختياره ؛ وأن يقرر التجمع الذي يريد أن ينتمي إليه بكامل حريته ؛ فلا يقيده في هذه الحالة قيد من لونه أو لغته أو جنسه أو نسبه ، أو الأرض التي ولد فيها ، أو المصالح المادية التي تتحول بتحول التجمع الذي يريده ويختاره .

. . وهنا كرامة الإنسان في التصور الإسلامي . .

ولقد كان من النتائج الواقعية الباهرة للمنهج الإسلامي في هذه القضية ؛ ولإقامة التجمع الإسلامي على آصرة العقيدة وحدها ، دون أواصر الجنس والأرض واللون واللغة والمصالح الأرضية القريبة والحدود الإقليمية السخيفة ! ولإبراز " خصائص الإنسان " في هذا التجمع وتنميتها وإعلائها ، دون الصفات المشتركة بينه وبين الحيوان . . كان من النتائج الواقعية الباهرة لهذا المنهج أن أصبح المجتمع المسلم مجتمعاً مفتوحاً لجميع الأجناس والأقوام والألوان واللغات ، بلا عائق من هذه العوائق الحيوانية السخيفة ! وأن صبت في بوتقة المجتمع الإسلامي خصائص الأجناس البشرية وكفاياتها ؛ وانصهرت في هذه البوتقة وتمازجت ؛ وأنشأت مركباً عضوياً فائقاً في فترة تعد نسبياً قصيرة ؛ وصنعت هذه الكتلة العجيبة المتجانسة المتناسقة حضارة رائعة ضخمة تحوي خلاصة الطاقة البشرية في زمانها مجتمعة . على بعد المسافات وبطء طرق الاتصال في ذلك الزمان .

لقد اجتمع في المجتمع الإسلامي المتفوق : العربي والفارسي والشامي والمصري والمغربي والتركي والصيني والهندي والروماني والإغريقي والأندونسي والإفريقي . . . إلى آخر الأقوام والأجناس . وتجمعت خصائصهم كلها لتعمل متمازجة متعاونة متناسقة في بناء المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية . ولم تكن هذه الحضارة الضخمة يوماً ما " عربية " إنما كانت دائماً " إسلامية " . ولم تكن يوماً ما " قومية " إنما كانت دائماً " عقيدية " . .

ولقد اجتمعوا كلهم على قدم المساواة ، وبآصرة الحب ، وبشعور التطلع إلى وجهة واحدة . . فبذلوا جميعاً أقصى كفاياتهم ، وأبرزوا أعمق خصائص أجناسهم ؛ وصبوا خلاصة تجاربهم الشخصية والقومية التاريخية في بناء هذا المجتمع الواحد الذي ينتسبون إليه جميعاً على قدم المساواة ؛ وتجمع فيه بينهم آصرة تتعلق بربهم الواحد ؛ وتبرز فيها " إنسانيتهم " وحدها بلا عائق . . وهذا ما لم يتجمع قط لأي تجمع آخر على مدار التاريخ ! . .

لقد كان أشهر تجمع بشري في التاريخ القديم هو تجمع الإمبراطورية الرومانية مثلاً . فقد ضمت بالفعل أجناساً متعددة ؛ ولغات متعددة ، وأرضين متعددة . . . ولكن هذا كله لم يقم على آصرة " إنسانية " ولم يتمثل في قيمة عليا كالعقيدة . . لقد كان هناك تجمع طبقي على أساس طبقة الأشراف وطبقة العبيد في الإمبراطورية كلها من ناحية ، وتجمع عنصري على أساس سيادة الجنس الروماني - بصفة عامة - وعبودية سائر الأجناس الأخرى . . ومن ثم لم يرتفع قط إلى أفق التجمع الإسلامي ؛ ولم يؤت الثمار التي آتاها التجمع الإسلامي .

كذلك قامت في التاريخ الحديث تجمعات أخرى . . تجمع الإمبراطورية البريطانية مثلاً . . ولكنه كان كالتجمع الروماني الذي هو وريثه ! تجمعاً قومياً استغلالياً ؛ يقوم على أساس سيادة القومية الإنجليزية ، واستغلال المستعمرات التي تضمها الإمبراطورية . . ومثله الإمبراطوريات الأوربية كلها : الإمبراطورية الأسبانية والبرتغالية في وقت ما ، والإمبراطورية الفرنسية . . وكلها في ذلك المستوى الهابط البشع المقيت !

وأرادت الشيوعية أن تقيم تجمعاً من نوع آخر ، يتخطى حواجز الجنس والقوم والأرض واللغة واللون . ولكنها لم تقمه على قاعدة " إنسانية " عامة . إنما أقامته على القاعدة " الطبقية " . . فكان هذا التجمع هو الوجه الآخر للتجمع الروماني القديم . . هذا تجمع على قاعدة طبقة " الأشراف " ؛ وذلك تجمع على قاعدة طبقة " الصعاليك " [ البروليتريا ] والعاطفة التي تسوده هي عاطفة الحقد الأسود على سائر الطبقات الأخرى !

وما كان لمثل هذا التجمع الصغير أن يثمر إلا أسوأ ما في الكائن الإنساني . . فهو ابتداء قائم على أساس إبراز الصفات الحيوانية وحدها وتنميتها وتمكينها باعتبار أن " المطالب الأساسية " للإنسان هي " الطعام والمسكن والجنس " - وهي مطالب الحيوان الأولية - وباعتبار أن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام ! ! !

لقد تفرد الإسلام بمنهجه الرباني في إبراز أخص خصائص الإنسان وتنميتها وإعلائها في بناء المجتمع الإنساني . . وما يزال مفرداً . . والذين يعدلون عنه إلى أي منهج آخر ، يقوم على أية قاعدة أخرى من القوم أو الجنس أو الأرض أو الطبقة . . إلى آخر هذا النتن السخيف هم أعداء الإنسان حقاً ! هم الذين لا يريدون لهذا الإنسان أن يتفرد في هذا الكون بخصائصه العليا كما فطره الله ؛ ولا يريدون لمجتمعه أن ينتفع بأقصى كفايات أجناسه وخصائصها وتجاربها في امتزاج وتناسق . . وهم في الوقت ذاته يسبحون ضد التيار ؛ ويعملون ضد خط الصعود الإنساني ؛ ليعودوا بالإنسان إلى التجمع على مثل ما تتجمع عليه " البهائم " من الحظيرة والكلأ ! بعد أن رفعه الله إلى ذلك المقام الكريم الذي يتجمع فيه على ما يليق أن تتجمع عليه " الناس " !

وأعجب العجب أن يسمى التجمع على خصائص الإنسان العليا تعصباً وجموداً ورجعية ، وأن يسمى التجمع على مثل خصائص الحيوان تقدماً ورقياً ونهضة ؛ وأن تقلب القيم والاعتبارات كلها ؛ لا لشيء إلا للهروب من التجمع على أساس العقيدة . . خصيصة الإنسان العليا . .

ولكن الله غالب على أمره . . وهذه الانتكاسات الحيوانية الجاهلية في حياة البشرية لن يكتب لها البقاء . . وسيكون ما يريده الله حتماً . . وستحاول البشرية ذات يوم أن تقيم تجمعاتها على القاعدة التي كرم الله الإنسان بها . والتي تجمع عليها المجتمع المسلم الأول فكان له تفرده التاريخي الفائق . وستبقى صورة هذا المجتمع تلوح على الأفق ، تتطلع إليها البشرية وهي تحاول مرة أخرى أن ترقى في الطريق الصاعد إلى ذلك المرتقى السامي الذي بلغت إليه في يوم من الأيام . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ مَعَكُمۡ فَأُوْلَـٰٓئِكَ مِنكُمۡۚ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ} (75)

ولما حصر المؤمنين حقاً في الموصوفين ، بين أن من ترك ما هو عليه من لزوم دار الكفر والقعود عن الجهاد ، لحق بمطلق درجتهم وإن كانوا فيها أعلى منه فقال ذاكراً القسم الرابع : { والذين آمنوا }{[35466]} ولما كانوا قد تأخروا عن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مدة ، أدخل الجار فقال : { من بعد } أي من{[35467]} بعد تأخر إيمانهم عن السابقين { وهاجروا } أي لاحقين للسابقين ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم من{[35468]} هاجر بعد الحديبية ، قال : وهي الهجرة{[35469]} الثانية { وجاهدوا معكم } أي من تجاهدونه من حزب الشيطان { فأولئك منكم } أي لهم ما لكم وعليهم ما عليكم من المواريث والمغانم وغيرها{[35470]} ، لأن الوصف الجامع هو المدار للأحكام وإن تأخرت رتبتهم عنكم كما{[35471]} أفهمته أداة البعد .

ولما بين أنهم منهم ، بين أنه متى جمعهم{[35472]} الوصف المحصل للولاية ، كان القرب في الرحم أولى من غيره فقال : { وأولو الأرحام } أي من{[35473]} المؤمنين الموصوفين { بعضهم أولى ببعض } أي في الإرث وغيره من المتصفين بولاية الدين الخالية عن الرحم { في كتاب الله } أي القرآن أو في حكمه وقسمه الذي أنزله إليكم الملك الأعظم في آيات الإرث ، وهي مقيدة بالعصبات فنسخت الولاية{[35474]} {[35475]}فلا دلالة{[35476]} على توريث غيرهم ، وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة المنذر بن عمرو أن بدراً قطعت المواخاة بين الصحابة رضي الله عنهم ، يعني فتكون{[35477]} هذه الآية ناسخة آية { بعضهم أولياء بعض } وتكون تلك حينئذ مبينة أمر ما كان قبل غزوة بدر - وهو حسن ، والآية التي في سورة الأحزاب مؤيدة له ، ثم علل سبحانه ما ذكر بما يرغب فيه فقال : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال كلها { بكل شيء عليم* } فهو يعلم أن هذا هو الذي تدور عليه المصلحة وتدوم به الألفة كما علم في أول الأمر أن نوط الإرث وغيره من لوازم القرب بالأخوة الإسلامية{[35478]} أولى لما في ذلك من تكثير قلتكم ونصر ذلتكم وجمع شتاتكم وجعل ما بينكم من الأخوة كلحمة النسب ، فأما الآن فقد ضرب الدين بجرانه{[35479]} ، وثبت بقواعده وأركانه ، وولى {[35480]}الكفر بسلطانه{[35481]} ، ونكص مدبراً بأعوانه ، فتوارثوا بالإسلام والقرابة وتقاطعوا{[35482]} الكفار ، و{[35483]} قربوا وبعدوا ، وانحازوا عنهم كما انحازو عنكم ، وتبرؤوا منهم كما تبرؤوا منكم ، فقد انطبق آخر السورة بالإعراض عن الدنيا وإصلاح ذات البين وبيان المؤمنين حقاً وتقليد العليم في جميع الأعمال من غير اعتراض - على أولها{[35484]} ، وببيان من يوالي{[35485]} ومن يعادي على أول براءة - والله الموفق .

ختام السورة:

فقد انطبق آخر السورة بالإعراض عن الدنيا وإصلاح ذات البين وبيان المؤمنين حقاً وتقليد العليم في جميع الأعمال من غير اعتراض - على أولها ، وببيان من يوالي ومن يعادي على أول براءة - والله الموفق .


[35466]:زيد بعده في ظ: أي.
[35467]:سقط من ظ.
[35468]:من ظ، وفي الأصل: ما.
[35469]:في ظ: الحديبية.
[35470]:من ظ، وفي الأصل: غيرهم.
[35471]:من ظ، وفي الأصل: بما.
[35472]:سقط من ظ.
[35473]:زيد من ظ.
[35474]:زيد من ظ.
[35475]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35476]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35477]:في ظ: فيكون.
[35478]:في ظ: الإسلام.
[35479]:الضرب بالجران كناية عن الثبات والاستقرار.
[35480]:من ظ، وفي الأصل: الشيطان.
[35481]:من ظ، وفي الأصل: الشيطان.
[35482]:من ظ، وفي الأصل: قاطعوا.
[35483]:سقط من ظ.
[35484]:في ظ: أولهما.
[35485]:في ظ: توالي.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ مَعَكُمۡ فَأُوْلَـٰٓئِكَ مِنكُمۡۚ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ} (75)

قوله تعالى : { والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأوليك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتب الله إن الله بكل شيء عليم } أي الذين آمنوا بالله ورسوله من بعد الحديبية وبيعة الرضوان ؛ فهؤلاء أقل رتبة ممن هاجر الهجرة الأولى ؛ لأن الثانية وقع فيها الصلح وهدأت الحرب مدة عامين ثم كان فتح مكة . وفي الحديث : ( لا هجرة بعد الفن ) فمن آمن وهاجر بعد ذلك ؛ فإنه يلتحق بالمؤمنين وهم المهاجرين السابقون . وهذا معنى قوله : { فأولئك منكم } أي في النصر والموالاة ؛ فهم بذلك منكم في الولاية ؛ إذ يجب لهم عليكم من الحق والنصرة في الدين مثل الذي يجب لكم عليهم ولبعضكم على بعض .

وقوله : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } وليس المراد بأولي الأرحام خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة ؛ وإنما يدلون بوارث كالخالة والخال ، والعمة ، وأولاد البنات ، وأولاد الأخوات ونحوهم . بل إن الآية عامة تشمل جميع القرابات . وفيهم ذوو الأرحام بالاسم المخصوص ، على الخلاف في توريث هؤلاء . وفي الجملة : فغن أولي القرابات أولى بالتوارث . وهذا نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة .

أما { أولوا الأرحام } ، وهم من لا سهم لهم في الكتاب الحكيم وليسوا بعصبة كأولاد البنات ، وأولاد الأخوات ، وبنات الأخ ، والعمة ، والخالة ، والعم أخ الأب للأم ، والجد أبي الأم ، والجدة أم الأم ، ومن أولى بهم ، ففي توريث هؤلاء خلاف ؛ فقد قيل : لا يرث من لا فرض له من ذوي الأرحام . وهو قول المالكية والشافعية ، وقد روي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وابن عمر ، وهو رواية عن علي ، وهو قول مكحول والأوزاعي . ووجه هذا القول : الاستناد إلى قوله : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى بعض } وهذا مجمل فيما حصلت فيه الأولوية . فلما قال بعدها : { في كتاب الله } كان معناه في الحكم الذي بينه الله في سورة النساء ؛ فصارت هذه الأولوية مقيدة بما بينه الله من أحكام ذكرها في كتابه الحكيم . وهذه الأحكام هي ميراث العصبات دون غيرها ؛ فلزم بذلك ألا تتعدى المراد من هذا المجمل إلى توريث دوي الأرحام .

وذهب آخرون من أهل العلم إلى توريث أولي أرحام . وهو قول الحنيفة ، وأحمد وإسحاق ، وقال به من الصحابة : عمر بن الخطاب وابن مسعود ومعاذ وأبو الدرداء وعائشة ، وعلي في رواية عنه .

واحتجوا بظاهر هذه الآية : { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } وقوله تعالى : { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } واسم القرابة يشمل بإطلاقه ذوي الأرحام .

واحتجوا من السمة بما أخرجه أبو داود والدارقطني عن المقدام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ترك كلا فإلي ، ومن ترك مالا فلورثته ؛ فأنا وارث من لا وارث له ؛ أعقل عنه وأرثه ؛ والخال وارث من لا وارث له ؛ يعقل عنه ويرثه ) .

وروي الدارقطني عن طاووس قال : قالت عائشة ( رضي الله عنها ) : ( الله مولي من لا مولى له ، والخال وارث من لا وارث له ) . وروي عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الخال وارث ) .

واستدلوا بالمعقول على توريث أولى الأرحام فقالوا : إن ذوي الأرحام أولى بالتوريث من المسلمين ؛ لأنهم قد اجتمع لهم سببان وهما القرابة والإسلام ، فأشبهوا تقديم الأخ الشقيق على الأخ للأب ؛ فهم أولى ممن له سبب واحد وهو الإسلام .

قوله : { إن الله بكل شيء عليم } اله عليم بالأشياء ، ما ظهر منها وما بطن . وهو سبحانه أعلم بما ينفع الناس وما يصلح عليه حالهم من أحكام وتشريع . وما شرعه الله لعباده لهو الحق والصواب . وليس فيه شيء من البعث او الباطل{[1704]} .


[1704]:تفسير الرازي جـ 15 ص 221 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 230 وتفسير القرطبي جـ 2 ص 59، 60 وبداية المجتهد جـ 2 ص 311.