في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (224)

221

ثم ينتقل السياق من الحديث عن حكم المباشرة في فترة الحيض ، إلى الحديث عن حكم الإيلاء . . أي الحلف بالهجران والامتناع عن المباشرة . . وبهذه المناسبة يلم بالحلف ذاته فيجعل الحديث عنه مقدمة للحديث عن الإيلاء .

( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ، والله سميع عليم ، لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ، ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ، والله غفور حليم . للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر . فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم ، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) . .

التفسير المروي في قوله تعالى : ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم . . )عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : لا تجعلن عرضة يمينك ألا تصنع الخير ، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير . وكذا قال مسروق والشعبي وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاووس وسعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومكحول والزهري والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والضحاك وعطاء الخراساني والسدي - رحمهم الله - كما نقل ابن كثير .

ومما يستشهد به لهذا التفسير ما رواه مسلم - بإسناده - عن أبي هريرة أن رسول الله [ ص ] قال : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه ، وليفعل الذي هو خير " . . وما رواه البخاري - بإسناده - عن أبي هريرة قال : قال رسول الله [ ص ] : " والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه " . .

وعلى هذا يكون معناها : لا تجعلوا الحلف بالله مانعا لكم من عمل البر والتقوى والإصلاح بين الناس . فإذا حلفتم ألا تفعلوا ، فكفروا عن إيمانكم وأتوا الخير . فتحقيق البر والتقوى والإصلاح أولى من المحافظة على اليمين .

وذلك كالذي وقع من أبي بكر - رضي الله عنه - حين أقسم لا يبر مسطحا قريبه الذي شارك في حادثة الإفك - فأنزل الله الآية التي في سورة النور : ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ، وليعفوا وليصفحوا . ألا تحبون أن يغفر الله لكم ؟ . . فرجع أبو بكر عن يمينه وكفر عنها .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (224)

ولما أذن في إتيان النساء في محل الحرث كيف ما{[10358]} اتفق ومنع مما سوى ذلك ومنع من محل الحرث في حال الحيض بين حكم ما إذا منع الإنسان نفسه من ذلك بالإيلاء أو بمطلق اليمين ولو على غير سبيل{[10359]} الإيلاء لأنه نقل عن كثير منهم شدة الميل إلى النكاح فكان يخشى المواقعة في حال المنع فتحمله شدة الورع على أن يمنع نفسه بمانع مظاهرة كما بين في سورة المجادلة أو{[10360]} غيرها من الأيمان فمنعهم من ذلك {[10361]}بقوله تعالى عادلاً عن خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم تعظيماً لمقامه{[10362]} : { ولا تجعلوا الله{[10363]} } أي الذي لا شيء يداني جلاله وعظمته وكماله { عرضة } أي معرضاً { لأيمانكم } فيكون في موضع ما يمتهن{[10364]} ويبتذل {[10365]}فإن ذلك إذا طال حمل على الاجتراء{[10366]} على الكذب فجر{[10367]} إلى أقبح الأشياء . قال الحرالي : والعرضة{[10368]} ذكر الشيء وأخذه{[10369]} على غير قصد له ولا صمد نحوه{[10370]} بل له صمد غيره { أن } أي لأجل أن { تبروا } في أموال اليتامى وغيرها{[10371]} مما تقدم الأمر به أو النهي عنه { وتتقوا } أي تحملكم أيمانكم على البر وهو الاتساع في كل خلق جميل والتقوى وهي التوغل في خوف الله سبحانه وتعالى { وتصلحوا بين الناس } {[10372]}فتجعلوا الأيمان لكم ديدناً فتحلفون تارة أن تفعلوا وتارة أن لا تفعلوا لإلزام أنفسكم بتلك{[10373]} الأشياء فإن من لا ينقاد{[10374]} إلى الخير إلا بقائد من يمين أو غيرها ليس بصادق العزيمة ، وفي الأمثال : فرس لا تجري{[10375]} إلا بمهماز بئس الفرس .

ولما أرشد السياق والعطف على غير مذكور إلى أن التقدير : فالله جليل عظيم عطف{[10376]} عليه قوله : { والله } أي بما له من العز والعظمة { سميع } لجميع{[10377]} ما يكون من ذلك وغيره { عليم{[10378]} * } بما أسر منه وما أعلن ، فاحذروه في جميع ما يأمركم به و{[10379]}ينهاكم عنه ، ويجوز أن يكون{[10380]} الجملة حالاً من واو { تجعلوا } فلا يكون هناك مقدر {[10381]}ويكون الإظهار موضع الإضمار لتعظيم المقام{[10382]} .


[10358]:زيد من ظ.
[10359]:في م: ذلك
[10360]:في م: و.
[10361]:في ظ: في جملة من واو اعلموا بقوله تعالى
[10362]:في ظ: في جملة حالية من واو اعلموا بقوله تعالى
[10363]:قال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن رواحة وختنه بشير بن النعمان كان بينهما شيء فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين زوجته وجعل يقول: حلفت بالله فلا يحل إلا بر يميني...ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما أمر بتقوى الله تعالى وحذرهم يوم المعاد نهاهم عن ابتذال اسمه وجعله معرضا لما يحلفون عليه دائما لأن من يتقي ويحذر تحب صيانة واسمه وتنزيهه عما لا يليق به من كونه يذكر في كل ما يحلف عليه من قليل أو كثير عظيم أو حقير لن كثرة ذلك توجب عدم الاكتراث بالمخاوف به، وقد تكون المناسبة بأنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتحرز في أفعالهم السابقة من الخمر والميسر وإنفاق العفو وأمر اليتامى ونكاح من أشرك وحال وطئ الحائض أمرهم تعالى بالتحرز في أقوالهم فانتظم بذلك أمرهم بالتحرز في الأفعال والأقوال – البحر المحيط 2 / 176.
[10364]:في ظ: يمهن.
[10365]:العبارة من هنا إلى "أقبح الأشياء" سقطت من ظ، وقد أخرها في مد مع ما بعدها إلى "صمد غيره" عن "وتصلحوا بين الناس".
[10366]:من م ومد، وفي الأصل: الاحتوا – كذا.
[10367]:من م ومد وفي الأصل: فجرا.
[10368]:قال الأندلسي: العرضة فعلة من العرض وهو بمعنى المفعول كالفرقة والقبضة، يقال: فلان عرضة لكذا، والمرأة عرضة للنكاح، أي معرضة له...قال حبيب: متى كان سمعي عرضة للوائمي وكيف صفت للعاذلين عزائمي ويقال: جعله عرضة للبلاء، أي معرضا....وقيل: هو اسم ما تعرضه دون الشيء، من عرض العود على الغناء فيعترض دونه ويصير حاجزا ومانعا، وقيل: أصل العرضة القوة ومنه يقال للجمل القوى: هذا عرضة للسفر، أي قوى عليه، وللفرس الشديد الجرى: عرضة لارتحالنا – البحر المحيط 2 / 174.
[10369]:من م ومد وظ، وفي الأصل: أخذة.
[10370]:في م: له.
[10371]:في م: غيره.
[10372]:العبارة من هنا إلى "الأشياء" ليست في ظ.
[10373]:زيد من م.
[10374]:من م وظ ومد، وفي الأصل: الانتقاد.
[10375]:في مد وظ: لا يجري.
[10376]:زيد من م ومد وظ.
[10377]:من م وظ ومد، وفي الأصل: بجميع.
[10378]:ختم هذه الآية بهاتين الصفتين لأنه تقدم ما يتعلق بهما، فالذي يتعلق بالسمع الحلف لأنه من المسموعات، والذي يتعلق بالعلم هو إرادة البر والتقوى والإصلاح إذ هو شيء محله القلب فهو من المعلومات فجاءت هاتان الصفتان منتظمتين للعلة والمعلول وجاءتا على ترتيب ما سبق من تقديم السمع على العلم كما قدم الحلف على الإرادة – البحر المحيط 2 / 179.
[10379]:زيد في ظ: ما.
[10380]:في م ومد: تكون، وفي ظ: يكون.
[10381]:سقطت من ظ.
[10382]:سقطت من ظ.