وينهي السياق موقف المناجاة هنا على عجل ويطويه ، ليصور انفعال موسى - عليه السلام - مما علم من أمر الفتنة ، ومسارعته بالعودة ، وفي نفسه حزن وغضب ، على القوم الذين أنقذهم الله على يديه من الاستعباد والذل في ظل الوثنية ؛ ومن عليهم بالرزق الميسر والرعاية الرحيمة في الصحراء ؛ وذكرهم منذ قليل بآلائه ، وحذرهم الضلال وعواقبه . ثم ها هم أولاء يتبعون أول ناعق إلى الوثنية ، وإلى عبادة العجل !
ولم يذكر هنا ما أخبر الله به موسى من تفصيلات الفتنة ، استعجالا في عرض موقف العودة إلى قومه . ولكن السياق يشي بهذه التفصيلات . فلقد عاد موسى غضبان أسفا يوبخ قومه ويؤنب أخاه . فلا بد أنه كان يعلم شناعة الفعلة التي أقدموا عليها :
( فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا . قال : يا قوم : ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ? أفطال عليكم العهد ? أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي ، قالوا : ما أخلفنا موعدك بملكنا ، ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها ، فكذلك ألقى السامري ، فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار ، فقالوا : هذا إلهكم وإله موسى فنسي ، أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ? ولقد قال لهم هارون من قبل : يا قوم إنما فتنتم به ، وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري . قالوا : لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ! ) .
هذه هي الفتنة يكشف السياق عنها في مواجهة موسى بقومه ؛ وقد أخر كشفها عن موقف المناجاة ، واحتفظ بتفصيلاتها لتظهر في مشهد التحقيق الذي يقوم به موسى . .
لقد رجع موسى ليجد قومه عاكفين على عجل من الذهب له خوار يقولون : هذا إلهكم وإله موسى . وقد نسي موسى فذهب يطلب ربه على الجبل وربه هنا حاضر !
فراح موسى يسألهم في حزن وغضب : ( يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ? )وقد وعدهم الله بالنصر ودخول الأرض المقدسة في ظل التوحيد ؛ ولم يمض على هذا الوعد وإنجاز مقدماته طويل وقت . ويؤنبهم في استنكار : ( أفطال عليكم العهد ? أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم ? )فعملكم هذا عمل من يريد أن يحل عليه غضب من الله كأنما يتعمد ذلك تعمدا ، ويقصد إليه قصدا ! . . أفطال عليكم العهد ? أم تعمدتم حلول الغضب ( فأخلفتم موعدي )وقد تواعدنا على أن تبقوا على عهدي حتى أعود إليكم ، لا تغيرون في عقيدتكم ولا منهجكم بغير أمري ?
ثم سبب عن إخباره سبحانه له بذلك قوله{[49702]} : { فرجع موسى{[49703]} } أي{[49704]} لما أخبره ربه بذلك { إلى قومه } {[49705]}أي الذين لهم قوة عظيمة على ما يحاولونه{[49706]} { غضبان أسفاً* } أي شديد الحزن أو{[49707]} الغضب ؛ واستأنف قوله{[49708]} : { قال } لقومه لما رجع إليهم مستعطفاً لهم : { يا قوم } وأنكر عليهم بقوله : { ألم يعدكم ربكم } الذي طال إحسانه إليكم { وعداً حسناً } {[49709]}أي بأنه ينزل عليكم كتاباً حافظاً ، ويكفر عنكم خطاياكم ، وينصركم على أعدائكم - إلى غير ذلك من إكرامه{[49710]} .
ولما جرت العادة بأن طول الزمان ناقض للعزائم ، مغير للعهود ، كما قال أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري {[49711]}في هذا البيت{[49712]} :لا أنسينك إن طال الزمان بنا *** وكم حبيب تمادى عهده فنسي
وكان عليه الصلاة والسلام قريب العهد بهم ، أنكر طول العهد بقوله ، مستأنفاً{[49713]} عما تقديره : هل ترك ربكم مواعيده لكم وقطع معروفه عنكم{[49714]} : { أفطال عليكم العهد } أي زمن{[49715]} لطفه بكم ، فتغيرتم عما فارقتكم عليه كما يعتري أهل الرذائل الانحلال في العزائم لضعف العقول{[49716]} وقلة التدبر { أم أردتم } بالنقض مع قرب العهد وذكر الميثاق { أن يحل عليكم } بسبب عبادة العجل { غضب من ربكم } أي{[49717]} المحسن إليكم{[49718]} ، وكلا الأمرين لم يكن ، أما الأول فواضح ، وأما الثاني فلا يظن بأحد إرادته{[49719]} ، والحاصل أنه يقول : إنكم فعلتم ما لا يفعله عاقل { فأخلفتم } أي فتسبب عن فعلكم ذلك أن أخلفتم { موعدي* } في إجلال الله والإتيان إلى الموضع الذي ضربه لكم لكلامه لي وإنزال كتابه عليّ إحساناً إليكم وإقبالاً عليكم ، وكأنه أضاف الموعد إليه أدباً مع الله تعالى وإعظاماً له ، {[49720]}أو أنه لما كان إخلاف الموعد المؤكد المعين الذي لا شبهة فيه ، لما نصب عليه من الدلائل الباهرة{[49721]} ، وأوضحه من البراهين الظاهرة ، لا يكون إلا بنسيان لطول عهد ، أو عناد بسوء قصد ، وكان من أبلغ المقاصد وأوضح التقرير إلجاء الخصم بالسؤال إلى الاعتراف بالمراد ، سألهم عن تعيين أحد الأمرين مع أن طول العهد لا يمكن ادعاؤه ، فقال ما معناه : أطال عليكم العهد بزيادة عشرة أيام فنسيتم فلم يكن عليكم في الإخلاف{[49722]} جناح ؟ أم أردتم أن يحل عليكم الغضب فعاندتم ؟ فكانت الآية من الاحتباك : ذكر طول العهد الموجب للنسيان أولاً دليل على حذف العناد ثانياً ، وذكر حلول الغضب ثانياً دليل على انتفاء الجناح أولاً ، وسر ذلك أن ذكر السبب الذي هو طول العهد أدل على{[49723]} النسيان الذي هو المسبب ، وإثبات الغضب - و{[49724]}هو المسبب - أنكأ{[49725]} من إثبات سببه الذي هو العناد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.