في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي} (86)

وينهي السياق موقف المناجاة هنا على عجل ويطويه ، ليصور انفعال موسى - عليه السلام - مما علم من أمر الفتنة ، ومسارعته بالعودة ، وفي نفسه حزن وغضب ، على القوم الذين أنقذهم الله على يديه من الاستعباد والذل في ظل الوثنية ؛ ومن عليهم بالرزق الميسر والرعاية الرحيمة في الصحراء ؛ وذكرهم منذ قليل بآلائه ، وحذرهم الضلال وعواقبه . ثم ها هم أولاء يتبعون أول ناعق إلى الوثنية ، وإلى عبادة العجل !

ولم يذكر هنا ما أخبر الله به موسى من تفصيلات الفتنة ، استعجالا في عرض موقف العودة إلى قومه . ولكن السياق يشي بهذه التفصيلات . فلقد عاد موسى غضبان أسفا يوبخ قومه ويؤنب أخاه . فلا بد أنه كان يعلم شناعة الفعلة التي أقدموا عليها :

( فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا . قال : يا قوم : ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ? أفطال عليكم العهد ? أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي ، قالوا : ما أخلفنا موعدك بملكنا ، ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها ، فكذلك ألقى السامري ، فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار ، فقالوا : هذا إلهكم وإله موسى فنسي ، أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ? ولقد قال لهم هارون من قبل : يا قوم إنما فتنتم به ، وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري . قالوا : لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ! ) .

هذه هي الفتنة يكشف السياق عنها في مواجهة موسى بقومه ؛ وقد أخر كشفها عن موقف المناجاة ، واحتفظ بتفصيلاتها لتظهر في مشهد التحقيق الذي يقوم به موسى . .

لقد رجع موسى ليجد قومه عاكفين على عجل من الذهب له خوار يقولون : هذا إلهكم وإله موسى . وقد نسي موسى فذهب يطلب ربه على الجبل وربه هنا حاضر !

فراح موسى يسألهم في حزن وغضب : ( يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا ? )وقد وعدهم الله بالنصر ودخول الأرض المقدسة في ظل التوحيد ؛ ولم يمض على هذا الوعد وإنجاز مقدماته طويل وقت . ويؤنبهم في استنكار : ( أفطال عليكم العهد ? أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم ? )فعملكم هذا عمل من يريد أن يحل عليه غضب من الله كأنما يتعمد ذلك تعمدا ، ويقصد إليه قصدا ! . . أفطال عليكم العهد ? أم تعمدتم حلول الغضب ( فأخلفتم موعدي )وقد تواعدنا على أن تبقوا على عهدي حتى أعود إليكم ، لا تغيرون في عقيدتكم ولا منهجكم بغير أمري ?

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي} (86)

ثم سبب عن إخباره سبحانه له بذلك قوله{[49702]} : { فرجع موسى{[49703]} } أي{[49704]} لما أخبره ربه بذلك { إلى قومه } {[49705]}أي الذين لهم قوة عظيمة على ما يحاولونه{[49706]} { غضبان أسفاً* } أي شديد الحزن أو{[49707]} الغضب ؛ واستأنف قوله{[49708]} : { قال } لقومه لما رجع إليهم مستعطفاً لهم : { يا قوم } وأنكر عليهم بقوله : { ألم يعدكم ربكم } الذي طال إحسانه إليكم { وعداً حسناً } {[49709]}أي بأنه ينزل عليكم كتاباً حافظاً ، ويكفر عنكم خطاياكم ، وينصركم على أعدائكم - إلى غير ذلك من إكرامه{[49710]} .

ولما جرت العادة بأن طول الزمان ناقض للعزائم ، مغير للعهود ، كما قال أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري {[49711]}في هذا البيت{[49712]} :لا أنسينك إن طال الزمان بنا *** وكم حبيب تمادى عهده فنسي

وكان عليه الصلاة والسلام قريب العهد بهم ، أنكر طول العهد بقوله ، مستأنفاً{[49713]} عما تقديره : هل ترك ربكم مواعيده لكم وقطع معروفه عنكم{[49714]} : { أفطال عليكم العهد } أي زمن{[49715]} لطفه بكم ، فتغيرتم عما فارقتكم عليه كما يعتري أهل الرذائل الانحلال في العزائم لضعف العقول{[49716]} وقلة التدبر { أم أردتم } بالنقض مع قرب العهد وذكر الميثاق { أن يحل عليكم } بسبب عبادة العجل { غضب من ربكم } أي{[49717]} المحسن إليكم{[49718]} ، وكلا الأمرين لم يكن ، أما الأول فواضح ، وأما الثاني فلا يظن بأحد إرادته{[49719]} ، والحاصل أنه يقول : إنكم فعلتم ما لا يفعله عاقل { فأخلفتم } أي فتسبب عن فعلكم ذلك أن أخلفتم { موعدي* } في إجلال الله والإتيان إلى الموضع الذي ضربه لكم لكلامه لي وإنزال كتابه عليّ إحساناً إليكم وإقبالاً عليكم ، وكأنه أضاف الموعد إليه أدباً مع الله تعالى وإعظاماً له ، {[49720]}أو أنه لما كان إخلاف الموعد المؤكد المعين الذي لا شبهة فيه ، لما نصب عليه من الدلائل الباهرة{[49721]} ، وأوضحه من البراهين الظاهرة ، لا يكون إلا بنسيان لطول عهد ، أو عناد بسوء قصد ، وكان من أبلغ المقاصد وأوضح التقرير إلجاء الخصم بالسؤال إلى الاعتراف بالمراد ، سألهم عن تعيين أحد الأمرين مع أن طول العهد لا يمكن ادعاؤه ، فقال ما معناه : أطال عليكم العهد بزيادة عشرة أيام فنسيتم فلم يكن عليكم في الإخلاف{[49722]} جناح ؟ أم أردتم أن يحل عليكم الغضب فعاندتم ؟ فكانت الآية من الاحتباك : ذكر طول العهد الموجب للنسيان أولاً دليل على حذف العناد ثانياً ، وذكر حلول الغضب ثانياً دليل على انتفاء الجناح أولاً ، وسر ذلك أن ذكر السبب الذي هو طول العهد أدل على{[49723]} النسيان الذي هو المسبب ، وإثبات الغضب - و{[49724]}هو المسبب - أنكأ{[49725]} من إثبات سببه الذي هو العناد .


[49702]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49703]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49704]:سقط من مد.
[49705]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49706]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49707]:من ظ ومد وفي الأصل "و".
[49708]:زيد من مد.
[49709]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49710]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49711]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49712]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49713]:سقط من ظ.
[49714]:زيد من مد.
[49715]:زيد من مد.
[49716]:بهامش ظ: لضعف العقول تغليل ليعتري أهل الرذائل.
[49717]:زيد من مد.
[49718]:زيد في ظ: أي.
[49719]:بين سطري ظ: أي حلول غضب ربه.
[49720]:العبارة من هنا إلى "ذكره فقال" ص 328 س 5 ساقطة من ظ.
[49721]:في مد: الواضحة.
[49722]:من مد وفي الأصل: الأخلاق.
[49723]:زيد في الأصل: نفى، ولم تكن الزيادة في مد فحذفناها.
[49724]:زيد من مد.
[49725]:من مد، وفي الأصل: انكار.