وعندما يبلغ السياق إلى هذا المقطع ؛ وقد عرض على القلب البشري صفحة الوجود الحافلة بدلائل وجود الله ، ووحدانيته ، وقدرته ، وقد غمر الوجدان بتلك الظلال الكونية الموحية ، وقد وصل الضمير بقلب الوجود النابض في كل حي ، الناطق ببديع صنع الخلاق . . عندما يبلغ إلى هذا المقطع يعرض شرك المشركين ، فإذا هو غريب غريب في هذا الجو المؤمن الموصول بمبدع الوجود . ويعرض أوهام المشركين فإذا هي سخف تشمئز منه القلوب والعقول . وسرعات ما يعقب عليها بالاستنكار . والجو كله مهيأ للاستنكار :
( وجعلوا لله شركاء الجن - وخلقهم - وخرقوا له بنين وبنات بغير علم . سبحانه وتعالى عما يصفون ! بديع السماوات والأرض ، أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ؟ وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ) . .
وقد كان بعض مشركي العرب يعبدون الجن . . وهم لا يعرفون من هم الجن ! ولكنها أوهام الوثنية ! والنفس متى انحرفت عن التوحيد المطلق قيد شبر انساقت في انحرافها إلى أي مدى ؛ وانفرجت المسافة بينها وبين نقطة الانحراف التي بدأت صغيرة لا تكاد تلحظ ! وهؤلاء المشركون كانوا على دين إسماعيل . . دين التوحيد الذي جاء به إبراهيم عليه السلام في هذه المنطقة . . ولكنهم انحرفوا عن هذا التوحيد . . ولا بد أن يكون الانحراف قد بدأ يسيرا . . ثم انتهى إلى مثل هذا الانحراف الشنيع . . الذي يبلغ أن يجعل الجن شركاء لله . . وهم من خلقه سبحانه :
( وجعلوا لله شركاء الجن - وخلقهم - ) !
ولقد عرفت الوثنيات المتعددة في الجاهليات المتنوعة أن هناك كائنات شريرة - تشبه فكرة الشياطين - وخافوا هذه الكائنات - سواء كانت أرواحا شريرة أو ذوات شريرة - وقدموا لها القرابين اتقاء لشرها ؛ ثم عبدوها !
والوثنية العربية واحدة من هذه الوثنيات التي وجدت فيها هذه التصورات الفاسدة ، في صورة عبادة للجن ، واتخاذهم شركاء لله . . سبحانه . .
والسياق القرآني يواجههم بسخف هذا الاعتقاد . . يواجههم بكلمة واحدة :
وهي لفظة واحدة ، ولكنها تكفي للسخرية من هذا التصور ! فإذا كان الله سبحانه هو الذي ( خلقهم ) فكيف يكونون شركاء له في الألوهية والربوبية ؟ !
ولم تكن تلك وحدها دعواهم . فأوهام الوثنية متى انطلقت لا تقف عند حد من الانحراف . بل كانوا يزعمون له سبحانه بنين وبنات :
( وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ) .
و " خرقوًا أي : اختلقوا . . وفي لفظها جرس خاص وظل خاص ؛ يرسم مشهد الطلوع بالفرية التي تخرق وتشق !
خرقوا له بنين : عند اليهود : عزير . وعند النصارى : المسيح : وخرقوا له بنات . عند المشركين : الملائكة . وقد زعموا أنهم إناث . . ولا يدري أحد طبعا لماذا هم إناث ! فالادعاءات كلها لا تقوم على أساس من علم . . فكلها ( بغير علم ) . .
ولما كان المشركون على أصناف : منهم عبدة أصنام ، شركوا في{[30658]} العبودية لا في الخلق ، ومنهم آزر الذي حاجه إبراهيم عليه السلام{[30659]} ومنهم عبدة الكواكب وهم فريقان : منهم من قال : هي{[30660]} واجبة الوجود ، ومنهم من قال : ممكنة ، خلقها الله وفوض إليها تدبير هذا العالم الأسفل ، وهم الذين حاجهم الخليل عليه السلام بالأفول ، ومنهم من قال : لهذا العالم كله إلهان : فاعل خير ، وفاعل شر ، وقالوا : إن الله وإبليس أخوان ، فالله خالق الناس{[30661]} والدواب والأنعام{[30662]} ، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور ، ويلقبون الزنادقة وهم المجوس ، لأن الكتاب الذي زعم زردشت{[30663]} أنه نزل من عند الله سمي بالزند{[30664]} ، فالمنسوب إليه زندي{[30665]} ، ثم عرب فقيل{[30666]} : زنديق ، وكان هذا كله في{[30667]} قوله { فالق الإصباح } شرحاً لآية { إن الله فالق الحب والنوى{[30668]} } دلالة على تمام القدرة الدالة{[30669]} على الوحدانية للدلالة على البعث ؛ حسن كل الحسن{[30670]} العود إلى تقبيح حال المشركين{[30671]} بالتعجيب منهم في جملة حالية من الضمير في { فالق } أو{[30672]} غيره مما تقدم ، فقال تعالى شارحاً أمر هذا الصنف ، لأن أمر غيرهم تقدم ؛ وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إن هذه الآية نزلت{[30673]} في الزنادقة : { {[30674]} وجعلوا{[30675]} } أي هو سبحانه فعل هذا الذي لا يدع لبساً في تمام علمه وقدرته وكمال حكمته ووحدانيته والحال أن الذي فعل ذلك لأجلهم قد جعلوا وعبر بالاسم الأعظم وقدمه استعظاماً لأن يعدل به شيئاً { لله } أي الذي له جميع الأمر .
ولما كان الشرك في غاية الفظاعة والشناعة ، قدمه فقال : { شركاء } يعني وما كان ينبغي أن يكون له شريك مطلقاً ، لأن الصفة إذا ذكرت مجردة غير مجراة على شيء كان ما يتعلق بها من النفي عاماً في كل ما يجوز أن يكون له الصفة ، وحكم الإنكار حكم النفي . ولما اهتز السامع من هذا التقديم لزيادة المعنى من غير زيادة اللفظ ، تشوف إلى معرفة النوع الذي كان منه الشركاء{[30676]} فبينهم{[30677]} بقوله : { الجن } أي الذين هم أجرأ{[30678]} الموجودات عليهم وأعداهم{[30679]} لهم ، فأطاعوهم كما{[30680]} يطاع الإله{[30681]} فكان عبادة لهم وتشريكاً ، وقد رأيت ما للبيان بعد الانتهاء مما يحسن للناظرين{[30682]} { وخلقهم }{[30683]} أي والحال أنهم قد علموا أن الله خلقهم{[30684]} أي قدرهم بعلم وتدبير ، فلذلك كان خلقه لهم محكماً{[30685]} { وخرقوا } أي العابدون { له بنين } أي كعزير والمسيح { وبنات } أي من الملائكة ، فجمعوا لذلك جهالات هي غاية في الضلالات : وصف الملائكة بالأنوثة والاجتراء{[30686]} على مقام الربوبية بالحاجة ، تخصيصه بعد ذلك بما لا يرضونه لأنفسهم بوجه ؛ ومادة خرق تدور على النفوذ والاتساع والإطلاق والتقدير بغير علم ولا معرفة ليحدث عنه الفساد ، ولذلك قيل لمن لا يحسن العمل : خرق ؛ وللمرأة : خرقاء{[30687]} ، يعني أنهم كذبوا واختلفوا واتسعوا في هذا القول الكذب ، {[30688]} وأبعدوا{[30689]} به في هذه{[30690]} المجاوزة عن حقيقته ، اتساع من سار في خرق أي برية واسعة بهماء وسوفة جوفاء{[30691]} متباعدة الأرجاء إلى حيث لم يسبقه إليه بشر ، فضل عن الجادة ضلالاً لا ترجى معه هدايته إلا على بعد شديد ، فصار جديراً بالهلاك ، وإلى ذلك يرجع معنى ما قرئ في الشاذ : وحرفوا - بالمهملة والفاء .
ولما لم يكن لقولهم أصلاً حقيقة ولا شبهة{[30692]} ، وكان الخرق التقدير بغير علم{[30693]} ، دل على ذلك مصرحاً بما أفهمه محققاً له{[30694]} تنبيهاً على الدليل القطعي في اجتياح{[30695]} قولهم من أصله{[30696]} ، وذلك أنه قول لا حجة له ، ومسائل أصول الدين لا يصار إلى شيء منها إلا بقاطع{[30697]} ، وذلك بنكرة في سياق النفي فقال : { بغير علم } ثم نزه نفسه المقدسة تنبيهاً على ما يجب قوله على كل من سمع ذلك ، فقال : { سبحانه } أي أسبحه سبحاناً يليق بجلاله{[30698]} أن يضاف إليه ؛ ولما كان معنى التسبيح الإبعاد عن النقص ، وكان المقام يقتضي كونه في العلو{[30699]} ، صرح به فقال : { وتعالى } أي تباعد أمر علوه إلى حد لا حد له ولا انتهاء { عما يصفون * } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.