في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ} (22)

نسيا هذا كله ، واندفعا يستجيبان للإغراء !

( فدلاهما بغرور ، فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما ، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ؛ وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ، وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ؟ ) . .

لقد تمت الخدعة وآتت ثمرتها المرة . لقد أنزلهما الشيطان بهذا الغرور من طاعة الله إلى معصيته ، فأنزلهما إلى مرتبة دنيا :

( فدلاهما بغرور ) !

ولقد شعرا الآن أن لهما سوآت ، تكشفت لهما بعد أن كانت مواراة عنهما . فراحا يجمعان من ورق الجنة ويشبكانه بعضه في بعض ( يخصفان ) ويضعان هذا الورق المشبك على سوآتهما - مما يوحي بأنها العورات الجسدية التي يخجل الإنسان فطرة من تعريها ، ولا يتعرى ويتكشف إلا بفساد في هذه الفطرة من صنع الجاهلية !

( وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ، وأقل لكما : إن الشيطان لكما عدو مبين ؟ )

وسمعا هذا العتاب والتأنيب من ربهما على المعصية وعلى إغفال النصيحة . . أما كيف كان النداء وكيف سمعاه ، فهو كما خاطبهما أول مرة . وكما خاطب الملائكة . وكما خاطب إبليس . كلها غيب لا ندري عنه إلا أنه وقع . وأن الله يفعل ما يشاء .

/خ25

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ} (22)

ولما أخبر ببعض وسوسته لهما ، سبب عنها ترجمتها{[32069]} بأنها إهباط من أوج شرف إلى حضيض أذى وسرف فقال : { فدلاَّهما } أي أنزلهما عما كانا فيه من علو الطاعة مثل ما فعل بنفسه بالمعصية التي أوجبت له الهبوط من دار الكرامة{[32070]} { بغرور } أي بخداع وحيلة حتى نسى آدم عهد ربه ، وقوله { فلما ذاقا } مشيرا{[32071]} إلى الإسراع في الجزاء بالفاء والذوق الذي هو مبدأ الأكل { الشجرة } أي وجدا طعمها { بدت } أي ظهرت { لهما سوءاتهما } أي عوراتهما اللاتي يسوءهما ظهورها ، وتهافت عنهما لباسهما فأبصر كل واحد ما كان مستوراً عنه من عورة الآخر ، وذلك قصد الحسود فاستحييا عند ذلك { وطفقا } أي شرعا وأقبلا { يخصفان عليهما } أي يصلان بالخياطة { من ورق الجنة }{[32072]} ورقة إلى أخرى { وناداهما ربهما } أي المحسن إليهما بأمرهما ونهيهما ، ولم يفعلا شيئاً من ذلك إلا بمرأى منه ، فقال منكراً عليهما ما فعلا ومعاتباً : يا عبديَّ { ألم أنهكما } أي أجعل لكما نهاية فيما أذن لكما فيه متجاوزة { عن تلكما الشجرة } أي التي كان حقها البعد منها ، الموجبة للقربة{[32073]} من هذا الموضع الشريف إحساناً إليكما { وأقل لكما إن الشيطان } أي الذي تكبر{[32074]} عن السجود{[32075]} حسداً لك يا آدم ونفاسة عليك ، فاحترق بغضبي فطرد وأبعد عن رحمتي { لكما } أي لك ولزوجك ولكل من تفرع{[32076]} منكما ونسب إليكما { عدو مبين* } ظاهر العداوة يأتيكم من كل موضع يمكنه الإتيان منه مجاهرة ومساترة ومماكرة فهو مع{[32077]} ظهور عداوته دقيق المكر بما أقدرته عليه من إقامة الأسباب ، فإني أعطيته قوة على الكيد ، وأعطيتكم قوة على{[32078]} الكيد وأعطيتكم قوة على الخلاص وقلت لكم : تغالبوا فإن غلبتموه فأنتم من حزبي ، وإن غلبكم فأنتم من حزبه مع ما له إليكم من العداوة ، فالآية منبهة على أن من غوى فإنما هو تابع لأعدى أعدائه تارك لأولى أوليائه .


[32069]:ر من ظ، وفي الأصل: عنهما ترجكتهما.
[32070]:- زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[32071]:- في الأصل وظ: مشيرا.
[32072]:- في ظ: عراتهما.
[32073]:- في ظ: للغربة عن.
[32074]:- من ظ، وفي الأصل: يكبر.
[32075]:- زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ فحذفناها.
[32076]:- من ظ، وفي الأصل: يفرع.
[32077]:-في ظ: موضع- كذا
[32078]:- زيد ما بين الحاجزين من ظ.