ذلك بدء العتاب للمتخلفين والتهديد بعاقبة التثاقل عن الجهاد في سبيل اللّه ، والتذكير لهم بما كان من نصر اللّه لرسوله ، قبل أن يكون معه منهم أحد ، وبقدرته على إعادة هذا النصر بدونهم ، فلا ينالهم عندئذ إلا إثم التخلف والتقصير .
( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل اللّه اثاقلتم إلى الأرض )
إنها ثقلة الأرض ، ومطامع الأرض ، وتصورات الأرض . . ثقلة الخوف على الحياة ، والخوف على المال ، والخوف على اللذائذ والمصالح والمتاع . . ثقلة الدعة والراحة والاستقرار . . ثقلة الذات الفانية والأجل المحدود والهدف القريب . . . ثقلة اللحم والدم والتراب . . والتعبير يلقي كل هذه الظلال بجرس ألفاظه : ( اثاقلتم ) . وهي بجرسها تمثل الجسم المسترخي الثقيل ، يرفعه الرافعون في جهد فيسقط منهم في ثقل ! ويلقيها بمعنى ألفاظه : ( اثاقلتم إلى الأرض ) . . وما لها من جاذبية تشد إلى أسفل وتقاوم رفرفة الأرواح وانطلاق الأشواق .
إن النفرة للجهاد في سبيل اللّه انطلاق من قيد الأرض ، وارتفاع على ثقلة اللحم والدم ؛ وتحقيق للمعنى العلوى في الإنسان ، وتغليب لعنصر الشوق المجنح في كيانه على عنصر القيد والضرورة ؛ وتطلع إلى الخلود الممتد ، وخلاص من الفناء المحدود :
( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ? فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل )
وما يحجم ذو عقيدة في اللّه عن النفرة للجهاد في سبيله ، إلا وفي هذه العقيدة دخل ، وفي إيمان صاحبها بها وهن . لذلك يقول الرسول - [ ص ] - " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من شعب النفاق " . فالنفاق - وهو دخل في العقيدة يعوقها عن الصحة والكمال - هو الذي يقعد بمن يزعم أنه على عقيدة عن الجهاد في سبيل اللّه خشية الموت أو الفقر ، والآجال بيد اللّه ، والرزق من عند اللّه . وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل .
ولما أوعز{[36274]} سبحانه في أمر الجهاد ، وأزاح جميع عللهم وبين أن حسنه لا يختص به شهر دون شهر وأن بعضهم كان يحل لهم ويحرم فيتبعونه بما يؤدي إلى تحريم الشهر{[36275]} الحلال وتحليل الشهر الحرام بالقتال فيه ، عاتبهم الله سبحانه على تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الآمر لهم بالنفر في غزوة تبوك عن أمره سبحانه ، وكان ابتداؤها في شهر رجب سنة تسع ، فقال تعالى على سبيل الاستعطاف والتذكير بنعمة الإيمان بعد ختم التي قبلها بأنه لا يهدي الكافرين - الذي{[36276]} يعم الحرب وغيره الموجب للجرأة عليهم [ لأن من لا هداية له أعمى ، والأعمى لا يخشى ]{[36277]} : { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا ذلك { ما لكم } أي ما الذي يحصل لكم في أنكم { إذا قيل لكم } أي من أيّ قائل كان { انفروا } أي اخرجوا مسرعين بجد ونشاط جماعات و{[36278]} وحداناً إمداداً لحزب الله ونصراً لدينه تصديقاً لدعواكم الإيمان ، والنفر : مفارقة مكان إلى مكان لأمر هاج على ذلك { في سبيل الله } أي بسبب{[36279]} تسهيل الطريق إلى الملك الذي له جميع{[36280]} صفات الكمال ، وقال أبو حيان : بني " قيل " للمفعول والقائل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر إغلاظاً ومخاشنة{[36281]} لهم وصوناً{[36282]} لذكره إذ أخلد إلى الهوينا والدعة من أخلد وخالف أمره - انتهى . { اثاقلتم } أي تثاقلتم تثاقلاً عظيماً ، وفيه ما لم يذكروا له سبباً ظاهراً بما أشار إليه الإدغام إخلاداً وميلاً { إلى الأرض } أي لبرد ظلالها وطيب هوائها ونضج ثمارها ، فكنتم أرضيين{[36283]} في سفول الهمم ، لا سمائيين{[36284]} بطهارة الشيم .
ولما لم يكن - في الأسباب التي تقدم أنها كانت تحمل على التباطؤ عن الجهاد - ما يحتمل القيام بهم في هذه الغزوة إلا الخوف من القتل والميل إلى الأموال الحاضرة وثوقاً بها والإعراض عن الغنى الموعود به{[36285]} الذي ربما يلزم من{[36286]} الإعراض عنه{[36287]} التكذيب ، فيؤدي إلى خسارة الآخرة ، هذا مع ما يلزم على{[36288]} ذلك - ولا بد - من {[36289]}الزهد في{[36290]} الأجر المثمر لسعادة العقبى بهذا الشيء الخسيس ؛ قال مبيناً خسة ما أخلدوا إليه تزهيداً فيه وشرف ما أعرضوا عنه ترغيباً منبهاً على أن ترك الخير الكثير لأجل الشر اليسير شر عظيم منكراً{[36291]} على من تثاقل موبخاً لهم : { أرضيتم بالحياة الدنيا } أي بالخفض والدعة في الدار{[36292]} الدنية الغارة { من الآخرة } أي الفاخرة الباقية ؛ قال أبو حيان{[36293]} : و " من " تظافرت أقوال المفسرين أنها بمعنى بدل ، وأصحابنا لا يثبتون {[36294]}أن من{[36295]} تكون للبدل - {[36296]}انتهى . والذي يظهر لي أنهم لم يريدوا أنها موضوعة للبدل{[36297]} ، بل إنه يطلق عليها لما قد يلزمها في مثل هذه العبارة من ترك ما بعدها لما قبلها فإنها لابتداء الغاية ، فإذا قلت : رضيت بكذا من زيد ، كان المعنى أنك أخذت ذلك أخذاً مبتدئاً منه غير ملتفت إلى ما عداه ، فكأنك جعلت ذلك بدل كل شيء يقدر أنه ينالك منه من غير ذلك المأخوذ .
ولما كانوا قد أعطوا الآخرة على الأتباع فاستبدلوا به الامتناع ، كان إقبالهم على الدنيا كأنه مبتدىء مما كانوا قد توطنوه من الآخرة مع الإعراض عنها ، فكأنه قيل : أرضيتم بالميل إلى الدنيا من الآخرة ؟ ويؤيد ما فهمته أن العلامة علم الدين أبا محمد القاسم بن الموفق الأندلسي ذكر في شرح الجزولية أنهم عدوا ل { من } خمسة معان{[36298]} كلها ترجع إلى ابتداء الغاية عند المحققين ، وبين كيفية ذلك حتى في البيانية ، فمعنى
{ فاجتنبوا الرجس من الأوثان }{[36299]}[ الحج : 30 ] الذي ابتداؤه من الأوثان ، لأن الرجس جامع للأوثان وغيرها .
ولما كان الاستفهام إنكارياً كان معناه النهي ، فكان تقدير : لا ترضوا بها فإن ذلك أسفه رأي وأفسده ! فقال تعالى معللاً لهذا النهي : { فما } أي بسبب{[36300]} أنه ما { متاع الحياة الدنيا في{[36301]} } أي مغموراً في جنب { الآخرة إلا قليل* } والذي يندب هم المتجر ويدعي البصر به ويحاذر الخلل فيه يعد فاعل ذلك سفيهاً .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.