في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا} (10)

9

فنعرف أن أصحاب الكهف فتية - لا نعلم عددهم - آووا إلى الكهف وهم مؤمنون .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا} (10)

{ إذ أوى الفتية إلى الكهف } نذكر من قصتهم على وجه الاختصار ما لا غنى عنه ، إذ قد أكثر الناس فيها مع قلة الصحة في كثير مما نقلوا ، وذلك أنهم كانوا قوما مؤمنين ، وكان ملك بلادهم كافر يقتل كل مؤمن ، ففروا بدينهم ، ودخلوا الكهف ليعبدوا الله فيه ويستخفوا من الملك وقومه ، فأمر الملك بأتباعهم ، فانتهى المتبعون لهم إلى الغار فوجدوهم وعرفوا الملك بذلك فوقف عليه في جنده وأمر بالدخول إليهم ، فهاب الرجال ذلك وقالوا له : دعهم يموتوا جوعا وعطشا ، وكان الله قد ألقى عليهم قبل ذلك نوما ثقيلا ، فبقوا على ذلك مدة طويلة ثم أيقظهم الله ، وظنوا أنهم لبثوا يوما أو بعض يوم فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاما بدراهم كانت لهم فعجب لها البائع وقال : هذه الدراهم من عهد فلان الملك في قديم الزمان من أين جاءتك ، وشاع الكلام بذلك في الناس ، وقال الرجل : إنما خرجت أنا وأصحابي بالأمس فأوينا إلى الكهف ، فقال : هؤلاء الفتية الذين ذهبوا في الزمان القديم فمشوا إليهم فوجدوهم موتى ، وأما موضع كهفهم ، فقيل إنه بمقربة من فلسطين وقال : قوم إنه الكهف الذي بالأندلس بمقربة من لوشة من جهة غرناطة ، وفيه موتى ومعهم كلب ، وقد ذكر ابن عطية ذلك ، وقال : إنه دخل عليهم ورآهم وعليهم مسجد ، وقريب منهم بناء يقال له الرقيم قد بقي بعض جدرانه ، وروي أن الملك الذي كانوا في زمانه اسمه دقيوس ، وفي تلك الجهة آثار مدينة يقال لها : مدينة دقيوس ، والله أعلم ، ومما يبعد ذلك ما روي أن معاوية مر عليهم وأراد الدخول إليهم ، ولم يدخل معاوية الأندلس قط ، وأيضا فإن الموتى التي في غار لوشة يراهم الناس ، ولم يدرك أحد منهم الرعب ، الذي ذكر الله في أصحاب الكهف .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا} (10)

قوله : ( إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة ) أي واذكر حين لجأ هؤلاء الفتية المؤمنون إلى الكهف هاربين من قومهم المشركين وملكهم الظالم الذي استخف شعبه فحملهم على التلبس بالوثنية . وقيل : إن هؤلاء الفتية مؤمنون من قوم عيسى عليه السلام وقد أبوا أن يطيعوا ملكهم ؛ إذ أمر الناس بعبادة الأصنام . وقيل : كانوا من قوم مشركين من قبل المسيح لكنهم آمنوا بالله وحده ولم يشركوا بعبادته أحدا من دونه . فقد تشاوروا فيما بينهم بحثا عن سبيل النجاة بدينهم ، والخلاص من الفتنة . فاهتدوا إلى الخروج من بلدهم ومن بين أهلهم مختفين مستسرّين ؛ كيلا يعلم بهم أحد فيخبر عنهم الملك الظالم فيفتنهم عن دينهم .

أما الكلب الذي كان معهم : فقد روي أنه كان كلب صيد لهم . وقيل : إنهم وجدوا في طريقهم راعيا له كلب فاتبعهم الراعي على رأيهم وذهب الكلب معهم والقول الأول أشبه بالصحيح .

ويستفاد من هذه الآية : جواز الفرار بالدين وهجر الأهل والأوطان ، ومغادرة الديار والصحب والخلان خشية الفتنة . وذلك أن تحيق بالمسلمين ظواهر شتى من الفتنة فيوشك معها أن يفتن المسلم عن دينه فيسقط في مهاوي الضلال والفساد ، أو الزيغ عن العقيدة . ولنا في رسول الله ( ص ) في ذلك خير أسوة ؛ إذا خرج بدينه ومعه الفئة المؤمنون المهجرة ، لما حاقت بهم المحن والشدائد التي تحول بين المرء والقيام بعبادة ربه وطاعته ؛ فقد هجروا الأوطان والأهل والأولاد ، طلبا للنجاة بدينهم وخشية من فتنة الكافرين لهم . فالهجرة في مثل هذه الحال جائزة إن كان في الأرض متسع يتحقق فيه الأمن والطمأنينة وتغيب فيه بوادر الخوف والمحنة والفتنة . أما إذا عمت الفتنة فغشيت عموم البلاد ولم يكن في الأرض من موضع إلا وتعشش فيه الفتنة وتلُوح في أجوائه المحن فما على المؤمنين بعد ذلك إلا الاصطبار والاحتمال ، راكنين في كل أمورهم إلى الله وحده مستمدين منه العون والتثبيت والتأييد ؛ فهو سبحانه ضمين أن يعينهم ويقويهم وأن يجعلهم من الثابتين على دينه . جعلنا الله من الثابتين المخلصين الصابرين على دينه إلى يوم نلقاه .

على أن أحوالا من الفتن تعرض للمسلمين في كثير من الأحيان عبر تاريخهم الطويل مع الكفر والكافرين . وهي فتن تسلك منحى آخر أشد خطرا وكيدا للإسلام والمسلمين . وهي فتنة التشويه والتشكيك في هذا الدين ، وحملات السوء والكذب التي يشيعها الحاقدون والمتربصون على الإسلام ليحملوا البشرية والمسلمين خصوصا على الارتياب في هذا الدين ، مما يفضي إلى إضعاف العقيدة الإسلامية في نفوس أصحابها المسلمين . كزماننا هذا الذي طغت فيه الأكاذيب والدسائس وكل ظواهر التشويه والتشكيك في الإسلام مما يكيده له خصومه المتربصون المنتشرون في سائر أنحاء الأرض ، من وثنيين وملحدين وصليبيين واستعماريين وصهيونيين وماسون . كل أولئك بارعون في التدسس وهم يتحسسون بحثا عن ثغرات في بعض تعاليم الإسلام وأحكامه ؛ ليجدوا فيها مواطن ينفذون منها للطعن في هذا الدين العظيم .

وفي مثل هذه الأحوال من حملات الطغاة والمفسدين والأشرار على الإسلام ، وجب على الفئة المؤمنة الواعية في المسلمين أن ينبروا للرد على ما يفتريه المربيون والخراصون على الإسلام . وجب عليهم أن لا ينثنوا ولا يترددوا في الدفاع عن تعاليم الإسلام . وذلك في ثبات ودراية وشجاعة . واجب المسلمين في مثل هذه الأحوال العصيبة التي تلمّ بالإسلام أن لا يفروا ولا ينعزلوا عن ساحة المواجهة التي يحتدم فيها الصراع بين الإسلام وخصومه الذين يكيدون له بالكذب والتشويه والتخريص ، وإشاعة الأباطيل . ومثل هذه الواقع لا يحتمل الإبطاء أو الفرار أو الاعتزال في خور وتبلّد ؛ فإنه لا ينثني عن مواجهة الخراصين المتربصين بالرد المنطقي المفحم إلا كل متخاذل خائر .

قوله : ( فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة ) سألوا الله أن تغشاهم رحمته بما يسبغه عليهم من نعمة الرعاية والكلاءة والرزق والأمن من الأعداء .

قوله : ( وهيئ لنا من أمرنا رشدا ) سألوا الله أن يهبهم في حالهم العصبية هذه ( رشدا ) أي سدادا وتوفيقا ليكونوا مهديين راشدين سالمين من السوء والفتنة .