في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ} (2)

وبعد هذا الافتتاح يبدأ الحديث عن الإيمان ، والفتنة التي يتعرض لها المؤمنون لتحقيق هذا الإيمان ؛ وكشف الصادقين والكاذبين بالفتنة والابتلاء :

( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا : آمنا وهم لا يفتنون ? ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) .

إنه الإيقاع الأول في هذا المقطع القوي من السورة . يساق في صورة استفهام استنكاري لمفهوم الناس للإيمان ، وحسبانهم أنه كلمة تقال باللسان .

( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا : آمنا وهم لا يفتنون ? ) . .

إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف ؛ وأمانة ذات أعباء ؛ وجهاد يحتاج إلى صبر ، وجهد يحتاج إلى احتمال . فلا يكفي أن يقول الناس : آمنا . وهم لا يتركون لهذه الدعوى ، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم . كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به - وهذا هو أصل الكلمة اللغوي وله دلالته وظله وإيحاؤه - وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب .

هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت ، وسنة جارية ، في ميزان الله سبحانه :

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ} (2)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

... {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون} آية يقول: أحسبوا أن يتركوا عن التصديق بتوحيد الله عز وجل، ولا يبتلون في إيمانهم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وأما قوله:"أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ" فإن معناه: أظَنّ الذين خرجوا يا محمد من أصحابك من أذى المشركين إياهم، أن نتركهم بغير اختبار، ولا ابتلاء امتحان، بأن قالوا: آمنا بك يا محمد، فصدّقناك فيما جئتنا به من عند الله، كَلاّ لنختبرهم، ليتبين الصادق منهم من الكاذب... عن مجاهد، في قول الله "آمّنا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ "قال: يُبْتلَون في أنفسهم وأموالهم.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{أحسب الناس} هو، وإن كان في الظاهر استفهاما فهو على الإيجاب لا الاستخبار؛ إذ حقيقة الاستفهام والاستخبار إنما تكون ممن يجهل الأمور فيستخبر ويستفهم ليعرف ذلك، فالله سبحانه وتعالى عن أن يخفى عليه شيء. فهو على التقدير والإيجاب منه.

ثم يخرج قوله: {أحسب الناس} على أحد وجهين: أحدهما: أي حسب الناس. والثاني: أي لا يحسب {الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا}.

وقوله تعالى: {أن يقولوا آمنا} ذكر الإيمان، ولم يذكره بمن: بالله أو بغيره. وليس أحد من الخلائق إلا وهو يؤمن بأحد، ويكفر بغيره، وليس في الآية بيان الإيمان به أو بمن، إلا أن الله تعالى سخَّر الخلق على الفهم من الإيمان المطلق المرسَل الإيمان بالله وبرسله، وسخرهم حتى فهموا من الكتاب المطلق كتاب الله، والدار الآخرة الجنة...

فيكون قوله: {أن يقولوا آمنا} بالله وبرسله.

وقوله تعالى: {وهم لا يفتنون} أي لا يُبتلَون. والفتنة هي الابتلاء الذي فيه الشدة؛ يمتحن الله عباده باختلاف الأحوال: مرة بالضيق والشدة، ومرة بالسعة والرخاء وبأنواع العبادات ليكون ذلك علما للخلق في صدق الإيمان به والكذب فيه، فيعرفوا صدق كل مخبر عن نفسه الإيمان بالله تعالى وكذبه، إذ قد يجوز أن يكون في ما يخبر، ويقول: آمنت، كاذبا...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوآ} بمجرد الدعوى في الإيمان دون المطالبة بالبلوى، وهذا لا يكون، فقيمة كلِّ أحدٍ ببلواه، فَمَنْ زاد قَدْرُ معناه زاد قدر بلواه؛ فعلى النفوس بلاءٌ وهو المطالبة عليها بإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في أحسن العمل.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

الحسبان لا يصح تعليقه بمعاني المفردات، ولكن بمضامين الجمل. ألا ترى أنك لو قلت: حسبت زيداً وظننت الفرس: لم يكن شيئاً حتى تقول: حسبت زيداً عالماً؛ وظننت الفرس جواداً، لأنّ قولك: زيد عالم، أو الفرس جواد: كلام دال على مضمون، فأردت الإخبار عن ذلك المضمون ثابتاً عندك على وجه الظن لا اليقين، فلم تجد بدّا في العبارة عن ثباته عندك على ذلك الوجه، من ذكر شطري الجملة مدخلاً عليهما فعل الحسبان، حتى يتم لك غرضك.

فإن قلت: فأين الكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان في الآية؟ قلت: هو في قوله: {أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} وذلك أن تقديره: أحسبوا تركهم غير مفتونين، لقولهم: آمنا، فالترك أول مفعولي حسب؛ ولقولهم: آمنا، هو الخبر. وأما «غير مفتونين» فتتمة الترك، لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير. والفتنة: الامتحان بشدائد التكليف: من مفارقة الأوطان، ومجاهدة الأعداء، وسائر الطاعات الشاقة، وهجر الشهوات والملاذ، وبالفقر؛ والقحط، وأنواع المصائب في الأنفس والأموال، وبمصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم وضرارهم. والمعنى: أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم وأظهروا القول بالإيمان: أنهم يتركون بذلك غير ممتحنين، بل يمحنهم الله بضروب المحن، حتى يبلو صبرهم، وثبات أقدامهم، وصحة عقائدهم، ونصوع نياتهم، ليتميز المخلص من غير المخلص، والراسخ في الدين من المضطرب، والمتمكن من العابد على حرف، كما قال: {لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} [آل عمران: 186] وروي أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جزعوا من أذى المشركين. وقيل في عمار بن ياسر: وكان يعذب في الله. وقيل: في ناس أسلموا بمكة، فكتب إليهم المهاجرون: لا يقبل منكم إسلامكم حتى تهاجروا، فخرجوا فتبعهم المشركون فردّوهم، فلما نزلت كتبوا بها إليهم؛ فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا. وقيل: في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو أوّل قتيل من المسلمين يوم بدر... فجزع عليه أبواه وامرأته.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

هذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام، فكانت صدورهم تضيق لذلك، وربما استنكر أن يمكن الله الكفرة من المؤمنين قال مجاهد وغيره، فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله تعالى في عباده اختباراً للمؤمنين وفتنة ليعلم الصادق ويري ثواب الله له ويعلم الكاذب ويري عقابه إياه. وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب وفي هذه الجماعة فهي بمعناها باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، موجود حكمها بقية الدهر،. وذلك أن الفتنة من الله تعالى والاختبار باق في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

في الفوائد المعنوية؛ وهي أن المقصود الأقصى من الخلق العبادة والمقصد الأعلى في العبادة حصول محبة الله كما ورد في الخبر « لا يزال العبد يتقرب إلي بالعبادة حتى أحبه» وكل من كان قلبه أشد امتلاء من محبة الله فهو أعظم درجة عند الله لكن للقلب ترجمان وهو اللسان، وللسان مصدقات هي الأعضاء، ولهذه المصدقات مزكيات فإذا قال الإنسان آمنت باللسان، فقد ادعى محبة الله في الجنان، فلا بد له من شهود، فإذا استعمل الأركان في الإتيان بما عليه بنيان الإيمان حصل له على دعواه شهود مصدقات، فإذا بذل في سبيل الله نفسه وماله، وزكى بترك ما سواه أعماله، زكى شهوده الذين صدقوه فيما قاله، فيحرر في جرائد المحبين اسمه، ويقرر في أقسام المقربين قسمه، وإليه الإشارة بقوله: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا} يعني أظنوا أن تقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهودهم بلا مزكين، بل لا بد من ذلك جميعه ليكونوا من المحبين.

فائدة ثانية: وهي أن أدنى درجات العبد أن يكون مسلما فإن ما دونه دركات الكفر، فالإسلام أول درجة تحصل للعبد، فإذا حصل له هذه المرتبة كتب اسمه وأثبت قسمه، لكن المستخدمين عند الملوك على أقسام منهم من يكون ناهضا في شغله ماضيا في فعله، فينقل من خدمة إلى خدمة أعلى منها مرتبة، ومنهم من يكون كسلانا متخلفا فينقل من خدمة إلى خدمة أدنى منها، ومنهم من يترك على شغله من غير تغيير، ومنهم من يقطع رسمه ويمحى من الجرائد اسمه، فكذلك عباد الله قد يكون المسلم عابدا مقبلا على العبادة مقبولا للسعادة فينقل من مرتبة المؤمنين إلى درجة الموقنين وهي درجة المقربين ومنهم من يكون قليل الطاعة مشتغلا بالخلاعة، فينقل إلى مرتبة دونه وهي مرتبة العصاة ومنزلة القساة، وقد يستصغر العيوب ويستكثر الذنوب فيخرج من العبادة محروما ويلحق بأهل العناد مرجوما، ومنهم من يبقى في أول درجة الجنة وهم البله، فقال الله بشارة للمطيع الناهض {أحسب الناس أن يتركوا} يعني أظنوا أنهم يتركون في أول المقامات لا، بل ينقلون إلى أعلى الدرجات كما قال تعالى: {والذين أوتوا العلم درجات} {فضل الله المجاهدين على القاعدين درجة}. وقال بضده للكسلان {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا} يعني إذا قال آمنت ويتخلف بالعصيان يترك ويرضى منه، لا بل ينقل إلى مقام أدنى وهو مقام العاصي أو الكافر.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

ومعناه: أن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان، كما جاء في الحديث الصحيح:"أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء". وهذه الآية كقوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142]... ولهذا قال هاهنا: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

سنته وعادته في الأولين وفي هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة، فمن كان عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عن ما أمر اللّه به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته، دل ذلك على صدق إيمانه وصحته. ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات، دلَّ ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه. والناس في هذا المقام درجات لا يحصيها إلا اللّه، فمستقل ومستكثر، فنسأل اللّه تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يثبت قلوبنا على دينه، فالابتلاء والامتحان للنفوس بمنزلة الكير، يخرج خبثها وطيبها...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وبعد هذا الافتتاح يبدأ الحديث عن الإيمان، والفتنة التي يتعرض لها المؤمنون لتحقيق هذا الإيمان؛ وكشف الصادقين والكاذبين بالفتنة والابتلاء:

(أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا: آمنا وهم لا يفتنون؟ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين).

إنه الإيقاع الأول في هذا المقطع القوي من السورة. يساق في صورة استفهام استنكاري لمفهوم الناس للإيمان، وحسبانهم أنه كلمة تقال باللسان.

(أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا: آمنا وهم لا يفتنون؟).. إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف؛ وأمانة ذات أعباء؛ وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال. فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا. وهم لا يتركون لهذه الدعوى، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم. كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به -وهذا هو أصل الكلمة اللغوي وله دلالته وظله وإيحاؤه- وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب. هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت، وسنة جارية، في ميزان الله سبحانه.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

بناء فعلي {يُتركوا- ويُفتنون} للمجهول للاستغناء عن ذكر الفاعل لظهور أن الفاعل قوم ليسوا بمؤمنين، أي أن يتركوا خالين عن فتون الكافرين إياهم لما هو معروف من الأحداث قبيل نزولها، ولما هو معلوم من دأب الناس أن يناصبوا العداء من خالفهم في معتقداتهم ومن ترفع عن رذائلهم. والمعنى: أحَسِبَ الذين قالوا آمنا أن يتركهم أعداء الدين دون أن يفتنوهم. ومن فسروا الفتون هنا بما شمل التكاليف الشاقة مثل الهجرة والجهاد قد ابتعدوا عن مهيع المعنى و اللفظ وناكدوا ما تفرع عنه من قوله {فليعلمَنّ الله الذين صدقوا وليعلَمَنّ الكاذبين} [العنكبوت: 3].

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ} (2)

ولما عبر بهذه الإشارة لأهل الفطنة والبصائر ، قال منكراً على من ظن أن مدعي الإيمان لا يكلف البيان ، ومفصلاً لما ختمت به تلك من جميع هذه المعاني ، بانياً على ما أشارت إليه الأحرف لأولي العرفان : { أحسب الناس } أي كافة ، فإن كلاًًّ منهم يدعي أنه مؤمن لمعنى أنه يقول : إنه على الحق ، ولعله عبر بالحسبان والنوس إشارة إلى أن فاعل ذلك مضطرب العقل منحرف المزاج .

ولما كان الحسبان ، لا يصح تعليقه بالمفردات ، وإنما يعلق بمضمون الجملة ، وكان المراد إنكار حسبان مطلق الترك ، كانت " أن " مصدرية عند جميع القراء ، فعبر عن مضمون نحو : تركهم غير مفتونين لقولهم آمناً ، بقوله : { أن يتركوا } أي في وقت ما بوجه من الوجوه ، ولو رفع الفعل لأفهم أن المنكر حسبان الترك المؤكد ، فلا يفيد إنكار ما عرى عنه ، وقد مضى في المائدة ما ينفع هنا { أن } أي في أن { يقولوا } ولو كان ذلك على وجه التجديد والاستمرار : { آمنا وهم } أي والحال أنهم { لا يفتنون* } أي يقع فتنتهم ممن له الأمر كله وله الكبرياء في السماوات والأرض ، مرة بعد أخرى بأن يختبر صحة قولهم أولاً بإرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الأحكام ، وثانياً بالصبر على البأساء والضراء عند الابتلاء بالمدعوين إلى الله في التحمل لأذاهم والتجرع لبلاياهم وغير ذلك من الأفعال ، التي يعرف بها مرتبة الأقوال ، في الصحة والاختلال .

وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير : افتتحت سورة القصص بذكر امتحان بني إسرائيل بفرعون وابتلائهم بذبح أبنائهم وصبرهم على عظيم تلك المحنة ، ثم ذكر تعالى حسن عاقبتهم وثمرة صبرهم ، وانجرّ مع ذلك مما هو منه لكن انفصل عن عمومه بالقضية امتحان أم موسى بفراقه حال الطفولية وابتداء الرضاع وصبرها على أليم ذلك المذاق حتى رده تعالى إليها أجمل رد وأحسنه ، ثم ذكر ابتلاء موسى عليه الصلاة والسلام بأمر القبطي وخروجه خائفاً يترقب وحسن عاقبته وعظيم رحمته ، وكل هذا ابتلاء أعقب خيراً ، وختم برحمة ثم بضرب آخر من الابتلاء أعقب محنة وأورث شراً وسوء فتنة ، وهو ابتلاء قارون بماله وافتنانه به ، فخسفنا به وبداره الأرض ، فحصل بهذا أن الابتلاء في غالب الأمر سنة ، وجرت منه سبحانه في عباده ليميز الخبيث من الطيب ، وهو المنزه عن الافتقار إلى تعرف أحوال العباد بما يبتليهم به إذ قد علم كون ذلك منهم قبل كونه إذ هو موجده وخالقه خيراً كان أو شراً ، فكيف يغيب عنه أو يفتقر تعالى إلى بيانه بتعرف أحوال العباد أو يتوقف علمه على سبب ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير }[ الملك : 14 ] ولكن هي سنة في عباده ليظهر لبعضهم من بعض عند الفتنة والابتلاء ما لم يكن ليظهر قبل ذلك حتى يشهدوا على أنفسهم ، وتقوم الحجة عليهم باعترافهم ، ولا افتقار به تعالى إلى شيء من ذلك ، فلما تضمنت سورة القصص هذا الابتلاء في الخير والشر ، وبه وقه افتتاحها واختتامها ، هذا وقد أنجز بحكم الإشارة أولاً خروج نبينا صلى الله عليه وسلم من بلده ومنشأه ليأخذه عليه الصلاة والسلام بأوفر حظ مما ابتلي به الرسل والأنبياء من مفارقة الوطن وما يحرز لهم الأجر المناسب لعليّ درجاتهم عليهم السلام ، ثم بشارته صلى الله عليه وسلم آخراً بالعودة والظفر

{ إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد }[ القصص : 85 ] فأعقب سبحانه هذا بقوله معلماً للعباد ومنبهاً أنها سنته فيهم فقال { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } أي أحسبوا أن يقع الاكتفاء بمجرد استجابتهم ، وظاهر إنابتهم ، ولما يقع امتحانهم بالشدائد والمشقات ، وضروب الاختبارات

{ ولنبلونكم بشيء من الجوع والخوف ونقص من الأموال والأنفس والثمرات }[ البقرة : 155 ] فإذا وقع الابتلاء فمن فريق يتلقون ذلك تلقي العليم أن ذلك من عند الله ابتلاء واختباراً ، فيكون تسخيراً لهم وتخليصاً ، ومن فريق يقابلون ذلك بمرضاة الشيطان ، والمسارعة إلى الكفر والخذلان { ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه } ثم أتبع سبحانه هذا بذكر حال بعض الناس ممن يدعي الإيمان ، فإذا أصابه أدنى أذى من الكفار صرفه ذلك عن إيمانه ، فكان عنده مقاوماً بعذاب الله الصارف لمن ضربه عن الكفر والمخالفة فقال تعالى { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } فكيف حال هؤلاء في تلقي ما هو أعظم من الفتنة ، وأشد في المحنة ، ثم أتبع سبحانه ذلك بما به يتأسى الموفق من صبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وطول مكايدتهم من قومهم ، فذكر نوحاً وإبراهيم ولوطاً وشعيباً عليهم الصلاة والسلام ، وخص هؤلاء بالذكر لأنهم من أعظم الرسل مكابدة وأشدهم ابتلاء ، أما نوح عليه السلام فلبث في قومه - كما أخبر الله تعالى – ألف سنة إلا خمسين عاماً وما آمن معه إلا قليل ، وأما إبراهيم عليه الصلاة والسلام فرمى بالمنجنيق في النار فكانت عليه برداً وسلاماً ، وقد نطق الكتاب العزيز بخصوص المذكورين عليهم الصلاة والسلام بضروب من الابتلاءات حصلوا على ثوابها ، وفازوا من عظيم الرتبة النبوية العليا بأسنى نصابها ، ثم ذكر تعالى أخذ المكذبين من أممهم فقال { فكلاًّ أخذنا بذنبه } ثم وصى نبيه صلى الله عليه وسلم وأوضح حجته ، وتتابع اتساق الكلام إلى آخر السورة - انتهى .