في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ} (14)

1

ثم تجيء السمة الأخيرة التي تكشف عن مدى الارتباط بين المنافقين في المدينة واليهود الحانقين . . إنهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع ، والسفه والادعاء ، إنما يضيفون إليها الضعف واللؤم والتآمر في الظلام :

( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا ، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنا معكم ، إنما نحن مستهزؤون ) . .

وبعض الناس يحسب اللؤم قوة ، والمكر السيىء براعة . وهو في حقيقته ضعف وخسة . فالقوي ليس لئيما ولا خبيثا ، ولا خادعا ولا متآمرا ولا غمازا في الخفاء لمازا . وهؤلاء المنافقون الذين كانوا يجبنون عن المواجهة ، ويتظاهرون بالإيمان عند لقاء المؤمنين ، ليتقوا الأذى ، وليتخذوا هذا الستار وسيلة للأذى . . هؤلاء كانوا إذا خلوا إلى شياطينهم - وهم غالبا - اليهود الذين كانوا يجدون في هؤلاء المنافقين أداة لتمزيق الصف الإسلامي وتفتيته ، كما أن هؤلاء كانوا يجدون في اليهود سندا وملاذا . . هؤلاء المنافقون كانوا ( إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنا معكم إنما نحن مستهزئون )- أي بالمؤمنين - بما نظهره من الإيمان والتصديق !

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ} (14)

وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين ، قالوا : آمنا بما آمنتم به ، وصدّقنا الرسول وقبلنا دعوته ، نحن معكم . وإذا اجتمعوا بشياطين الكفر من إخوانهم الضالين ، قالوا لهم : نحن معكم ، إنما قلنا للمؤمنين ما علمتم استخفافاً بهم واستهزاء بعقولهم .

ولقد روي أن عبد الله بن أبيّ بن سلول ، رأسَ المنافقين ، كان مع أصحابه فقدِم عليهم جماعة من الصحابة . فقال عبد الله لقومه : انظروا كيف أردُّ هؤلاء السفهاء عنكم . فأخذ بيد أبي بكر وقال : مرحبا بالصدّيق ، سيد بني تيم ، وشيخ الإسلام ، وثاني رسول الله في الغار . ثم أخذ بيد عمر بن الخطاب فقال : مرحباً بسيد بني عديّ ، والفاروق ، القوي في دينه ، الباذل نفسه وماله لرسول الله . ثم أخذ بيد عليّ رضي الله عنه فقال : مرحبا بابن عم رسول الله ، وختَنِه ، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله .

فنزلت هذه الآية .

هذا هو عبد الله بن أُبيّ الذي كان الأوسُ والخزرجُ في يثرب يريدون أن يتوّجوه ملكاً عليهم قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم . فلما تمت الهجرة وأسلم معظم الخزرج وجميع الأوس ، أُلغيت فكرة ملكيته ، فحقد عبد الله على الإسلام ، وحسد النبي صلى الله عليه وسلم على فضله ، لكنه عجز عن إظهار حنقه فنافق ، وأصبح يكيد للمسلمين سراً وإن جاهر بالإسلام زوراً .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ} (14)

ولما بيّن نفاقهم وعلته وسيرتهم عند دعاء الداعي إلى الحق بهذة الآيات بين سيرتهم في أقوالهم في خداعهم دليلاً على إفسادهم بقوله : { وإذا لقوا } واللقاء{[739]} اجتماع بإقبال { الذين آمنوا } أي حقاً ظاهراً وباطناً ، ولكن إيمانهم كما قال الحرالي{[740]} فعل من أفعالهم لم ينته إلى أن يصير صفة لهم ، وأما المؤمنون الذين صار إيمانهم صفة لهم فلا يكادون{[741]} يلقونهم بمقتضاه ، لأنهم لا يجدون معهم مدخلاً في قول ولا مؤانسة ، لأن اللقاء لا بد فيه من إقبال ما من{[742]} الملتقيين . {[743]}

انتهى { قالوا } خداعاً { آمنا } معبرين بالجملة الفعلية الماضية التي يكفي{[744]} في إفادتها{[745]} لما سيقت له أدنى الحدوث{[746]}

{ وإذا خلوا } منتهين { إلى شياطينهم } أي الذين هم رؤوسهم من غير أن يكون معهم مؤمن ، والشيطان هو الشديد البعد عن محل الخير - قاله الحرالي ، { قالوا إنا معكم }{[747]} معبرين بالأسمية الدالة على الثبات مؤكدين لها دلالة على نشاطهم لهذا الإخبار لمزيد حبهم لما أفاده ودفعاً لما قد يتوهم من تبدلهم من رأى نفاقهم للمؤمنينَ{[748]} ثم استأنفوا في موضع الجواب لمن قال : ما بالكم تلينون للمؤمنين قولهم{[749]} ؟ { إنما نحن مستهزئون } أي طالبون للهُزء{[750]} ثابتون عليه فيما نظهر من الإيمان والهزء إظهار الجد وإخفاء الهزل فيه قاله الحرالي .


[739]:وفي السراج المنير لمحمد الشربيني الخطيب: اللقاء المصادفة وهي الاجتماع من غير مواعدة، يقال لقيته ولاقيته إذا صادفته واستقبلته - الخ
[740]:زيد في ظ: إلى
[741]:في ظ: فلا يكادوا
[742]:كذا والظاهر: بين
[743]:في الأصل: الملتقين –كذا
[744]:من مد وفي ظ: يلقي كذا وفي م: يكفي وفي الأصل: تكفي
[745]:في ظ: أفادتهم
[746]:قال البيضاوي: خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية والشياطين بالجملة الاسمية المؤكدة بأن لأنهم قصدوا دعوى إحداث الإيمان وبالثانية تحقيق ثباتهم على ما كانوا عليه، ولأنه لم يكن لهم باعث من عقيدة وصدق رغبة فيما خاطبوا به المؤمنين ولا توقع رواج ادعاء الكمال في الإيمان على المؤمنين من المهاجرين والأنصار بخلاف ما قالوه مع الكفار - انتهى
[747]:ليست العبارة في ظ
[748]:ليست العبارة في ظ
[749]:ليس في مد
[750]:في مد: للهزو وفي ظ: للهزاء