وهذا الكون كله شاهد بالوحدانية وبالرحمة في كل مجاليه :
( إن في خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ، وتصريف الرياح ، والسحاب المسخر بين السماء والأرض . . لآيات لقوم يعقلون ) . .
وهذه الطريقة في تنبيه الحواس والمشاعر جديرة بأن تفتح العين والقلب على عجائب هذا الكون . العجائب التي تفقدنا الألفة جدتها وغرابتها وإيحاءاتها للقلب والحس ، وهي دعوة للإنسان أن يرتاد هذا الكون كالذي يراه أول مرة مفتوح العين ، متوفز الحس ، حي القلب . وكم في هذه المشاهد المكرورة من عجيب وكم فيها من غريب . وكم اختلجت العيون والقلوب وهي تطلع عليها أول مرة ؛ ثم الفتها ففقدت هزة المفاجأة ، ودهشة المباغتة ، وروعة النظرة الأولى إلى هذا المهرجان العجيب .
تلك السماوات والأرض . . هذه الأبعاد الهائلة والأجرام الضخمة والآفاق المسحورة ، والعوالم المجهولة . . هذا التناسق في مواقعها وجريانها في ذلك الفضاء الهائل الذي يدير الرؤوس . . هذه الأسرار التي توصوص للنفس وتلتف في رداء المجهول . . هذه السماوات والأرض حتى دون أن يعرف الإنسان شيئا عن حقيقة أبعادها وأحجامها وأسرارها التي يكشف الله للبشر عن بعضها حينما تنمو مداركهم وتسعفهم أبحاث العلوم . .
واختلاف الليل والنهار . . تعاقب النور والظلام . . توالي الإشراق والعتمة . ذلك الفجر وذلك الغروب . . كم اهتزت لها مشاعر ، وكم وجفت لها قلوب ، وكم كانت أعجوبة الأعاجيب . . ثم فقد الإنسان وهلتها وروعتها مع التكرار . إلا القلب المؤمن الذي تتجدد في حسه هذه المشاهد ؛ ويظل أبدا يذكر يد الله فيها فيتلقاها في كل مرة بروعة الخلق الجديد .
والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس . . وأشهد ما أحسست ما في هذه اللفتة من عمق قدر ما أحسست ونقطة صغيرة في خضم المحيط تحملنا وتجري بنا ، والموج المتلاطم والزرقة المطلقة من حولنا . والفلك سابحة متناثرة هنا وهناك . ولا شيء إلا قدرة الله ، وإلا رعاية الله ، وإلا قانون الكون الذي جعله الله ، يحمل تلك النقطة الصغيرة على ثبج الأمواج وخضمها الرعيب !
وما أنزل الله من السماء من ماء ، فأحيا به الأرض بعد موتها ، وبث فيها من كل دابة ، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض . . وكلها مشاهد لو أعاد الإنسان تأملها - كما يوحي القرآن للقلب المؤمن - بعين مفتوحة وقلب واع ، لارتجف كيانه من عظمة القدرة ورحمتها . . تلك الحياة التي تنبعث من الأرض حينما يجودها الماء . . هذه الحياة المجهولة الكنه ، اللطيفة الجوهر ، التي تدب في لطف ، ثم تتبدى جاهرة معلنة قوية . . هذه الحياة من أين جاءت ؟ كانت كامنة في الحبة والنواة ! ولكن من أين جاءت إلى الحبة والنواة ؟ أصلها ؟ مصدرها الأول ؟ إنه لا يجدي الهرب من مواجهة هذا السؤال الذي يلح على الفطرة . . لقد حاول الملحدون تجاهل هذا السؤال الذي لا جواب عليه إلا وجود خالق قادر على إعطاء الحياة للموات . وحاولوا طويلا أن يوهموا الناس أنهم في طريقهم إلى إنشاء الحياة - بلا حاجة إلى إله ! - ثم أخيرا إذا هم في أرض الإلحاد الجاحد الكافر ينتهون إلى نفض أيديهم والإقرار بما يكرهون : استحالة خلق الحياة ! وأعلم علماء روسيا الكافرة في موضوع الحياة هو الذي يقول هذا الآن ! ومن قبل راغ دارون صاحب نظرية النشوء والارتقاء من مواجهة هذا السؤال !
ثم تلك الرياح المتحولة من وجهة إلى وجهة ، وذلك السحاب المحمول على هواء ، المسخر بين السماء والأرض ، الخاضع للناموس الذي أودعه الخالق هذا الوجود . . إنه لا يكفي أن تقول نظرية ما تقوله عن أسباب هبوب الريح ، وعن طريقة تكون السحاب . . إن السر الأعمق هو سر هذه الأسباب . . سر خلقة الكون بهذه الطبيعة وبهذه النسب وبهذه الأوضاع ، التي تسمح بنشأة الحياة ونموها وتوفير الأسباب الملائمة لها من رياح وسحاب ومطر وتربة . . سر هذه الموافقات التي يعد المعروف منها بالآلاف ، والتي لو اختلت واحدة منها ما نشأت الحياة أو ما سارت هذه السيرة . . سر التدبير الدقيق الذي يشي بالقصد والاختيار ، كما يشي بوحدة التصميم ورحمة التدبير . .
إن في ذلك( لآيات لقوم يعقلون ) . .
نعم لو ألقى الإنسان عن عقله بلادة الألفة والغفلة ، فاستقبل مشاهد الكون بحس متجدد ، ونظرة مستطلعة ، وقلب نوره الإيمان . ولو سار في هذا الكون كالرائد الذي يهبط إليه أول مرة . تلفت عينه كل ومضة ، وتلفت سمعه كل نأمة ، وتلفت حسه كل حركة ، وتهز كيانه تلك الأعاجيب التي ما تني تتوالى على الأبصار والقلوب والمشاعر . .
إن هذا هو ما يصنعه الإيمان . هذا التفتح . هذه الحساسية . هذا التقدير للجمال والتناسق والكمال . . إن الإيمان رؤية جديدة للكون ، وإدراك جديد للجمال ، وحياة على الأرض في مهرجان من صنع الله ، آناء الليل وأطراف النهار . .
في هذه الآية عرض موجز لبعض مشاهد الكون العجيب ، وآيات لكل ذي عقل على وجود الله وألوهيته . وفيها تنبيه للحواس والمشاعر تفتح العين والقلب على عجائب هذا الكون ، فمن ذلك : إبداع السموات التي ترونها ، والكواكب تسير فيها بانتظام دون أن تتزاحم أو تصطدم ، بل تبعث الحرارة والنور لهذا العالم . والأرض وما فيها من البر والبحر ، وتعاقب الليل والنهار في حياتها ، وما في ذلك من المنافع للناس .
كذلك ما يجري في البحر من السفن التي تحمل الناس والمتاع ، ولا يسيّرها إلا الله .
كذلك فهو الذي يرسل الرياح التي تبعث المطر ، فيحيي الحيوان ويسقي الأرض والنبات .
ومن خلقه أيضا ما ترونه من السحاب المعلّق بين السماء والأرض .
والآن ، هل يعقل أن تقوم هذه الأشياء كلها ، وبهذا الإتقان والإحكام من تلقاء نفسها ! أم هي صنع العليم القدير !
ويدلنا علم الفلك أن عدد نجوم السماء مثل عدد ذرات الرمال الموجودة على سواحل البحار في الدنيا كلها ، فمنها ما هو أكبر من الأرض وما هو أصغر منها . لكن أكثرها كبير جداً ، حتى ليمكن أن يعدِل أحدها ملايين النجوم التي في مثل حجم أرضنا هذه .
عندما تكون السماء صافية نستطيع أن نرى بالعين المجردة خمسة آلاف من النجوم ، ولكن هذا العدد يتضاعف إلى أكثر من مليونين حين نستعمل تلكسوباً عادياً . ذلك أن الفضاء الكوني فسيح جداً ، تتحرك فيه كواكب لا حصر لها ، وبسرعة خارقة ، فبعضها يواصل رحتله وحده ، ومنها ما يسير مثنى مثنى ، أو في مجموعات .
وأقرب حركة منا هي حركة القمر الذي يبعد حوالي 240 . 000 ميل . وهو يكمل دورته حول الأرض من تسعة وعشرين يوماً ونصف يوم .
كذلك تبعد أرضنا عن الشمس مسافة ( 000 . 000 . 92 ) ميل ، وهي تدور حول محورها بسرعة ألف ميل في الساعة ، وقطر فلكها ( 000 . 000 . 190 ) ميل تكمله مرة واحدة في السنة .
وهناك تسعة كواكب مع الأرض ، وكلّها تدور حول الشمس بسرعة فائقة . فالمشتري مثلا يكمل دورة واحدة حول الشمس كل إحدى عشر سنة وستة وثمانين يوما . وزحل كل تسعة وعشرين سنة وستة وأربعين يوما . وأورانس كل أربعة وثمانين سنة ويومين . ونبتون كل أربع وستين ومائة سنة وسبعة وتسعين يوما . وأبعد هذه الكواكب السيّارة حول الشمس هو بلوتو الذي تستغرق دورة واحدة منه حول الشمس 248 سنة و 43 يوما . وحول هذه الكواكب يدور واحد وثلاثون قمرا .
ولا ننسى ذلك العملاق الذي نسميه «الشمس » ، وهي أكبر من الأرض بمليون ومئتي ألف مرة . ثم إن هذه الشمس ليست بثابتة في مكانها ، وإنما هي بدورها تدور مع كل هذه السيارات والنجميات في هذا النظام الرائع . وهناك آلاف من الأنظمة غير نظامنا الشمسي ، يتكون منها ذلك النظام الذي يسمى المجرات .
وكأنها جميعا طبق عظيم تدور عليه النجوم والكواكب منفردة ومجتمعة كما يدور الخذروف يلعب به الطفل ، { وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } .
ويقدّر علماء الفلك أن هذا االكون يتألف من خمسمائة مليون واحدة من هذه المجرات ، ويرون ان هذا الكون الفسيح بأعداده الهائلة من الكواكب والنجوم إنما يسير بحركة منتظمة ، طبقاً لنظام وقواعد محكمة لا يصطدم فيها بعضها ببعض . وأن العقل حين ينظر إلى هذا النظام العجيب ، والتنظيم الدقيق الغريب ، لا يلبث أن يحكم باستحالة أن يكون هذا قائما بنفسه ، بل يجزم أن هناك قدرة هي التي تقيمه وتهيمن عليه . تلك هي قدرة الله الواحد القدير . أفليس في هذه العجائب والمشاهد عبر ومواعظ لمن يتدبر بعقله ، ويستدل بما فيها من إتقان وإحكام على قدرة مبدعها وحكمته !
وقد قال بعض العلماء : إن لله كتابين : كتاباً مخلوقاً هو الكون ، وكتابا منزلا مقروءاً هو القرآن ، يرشدنا إلى طرق العلم بذلك ، فمن اعتبر بهما فاز .