ولكنهم بعد هذا كله : ( يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون )لإحساسهم بالتقصير في جانب الله ، بعد أن بذلوا ما في طوقهم ، وهو في نظرهم قليل .
عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت : يا رسول الله ( الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة )هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر ، وهو يخاف الله عز وجل ? قال : " لا يا بنت الصديق ! ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق ، وهو يخاف الله عز وجل "
إن قلب المؤمن يستشعر يد الله عليه . ويحس آلاءه في كل نفس وكل نبضة . . ومن ثم يستصغر كل عباداته ، ويستقل كل طاعاته ، إلى جانب آلاء الله ونعمائه . كذلك هو يستشعر بكل ذرة فيه جلال الله وعظمته ؛ ويرقب بكل مشاعره يد الله في كل شيء من حوله . . ومن ثم يشعر بالهيبة ، ويشعر بالوجل ، ويشفق أن يلقى الله وهو مقصر في حقه ، لم يوفه حقه عبادة وطاعة ولم يقارب أياديه عليه معرفة وشكرا .
" والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة " قال الحسن : يؤتون الإخلاص ويخافون ألا يقبل منهم . وروى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة " قالت عائشة : أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون ؟ قال : ( لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات ) . وقال الحسن : لقد أدركنا{[11689]} أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها . وقرأت عائشة رضي الله عنها وابن عباس والنخعي " والذين يأتون ما أتوا " مقصورا من الإتيان . قال الفراء : ولو صحت هذه القراءة عن عائشة لم تخالف قراءة الجماعة ؛ لأن الهمز ، من العرب من يلزم فيه الألف في كل الحالات إذا كتب ، فيكتب سئل الرجل بألف بعد السين ، ويستهزئون بألف بين الزاي والواو ، وشيءٌ وشيءٍ بألف بعد الياء ، فغير مستنكر في مذهب هؤلاء أن يكتب " يؤتون " بألف بعد الياء ، فيحتمل هذا اللفظ بالبناء على هذا الخط قراءتين " يؤتون ما آتوا " و " يأتون ما أتوا " . وينفرد ما عليه الجماعة باحتمال تأويلين : أحدهما : الذين يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقة وقلوبهم خائفة . والآخر : والذين يؤتون الملائكة الذين يكتبون الأعمال على العباد ما آتوا وقلوبهم وجلة ، فحذف مفعول في هذا الباب لوضوح معناه ، كما حذف في قوله عز وجل : " فيه يغاث الناس وفيه يعصرون " [ يوسف : 49 ] والمعنى يعصرون السمسم والعنب ، فاختزل المفعول لوضوح تأويله . ويكون الأصل في الحرف على هجائه الوجود في الإمام " يأتون " بألف مبدلة من الهمزة فكتبت الألف واوا لتآخي حروف المد واللين في الخفاء ، حكاه ابن الأنباري . قال النحاس : المعروف من قراءة ابن عباس " والذين يأتون ما أتوا " وهي القراءة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عائشة رضي الله عنها ، ومعناها يعملون ما عملوا ، ما روي في الحديث . والوجل نحو الإشفاق والخوف ، فالتقي والتائب خوفه أمر العاقبة وما يطلع عليه بعد الموت . وفي قوله : " أنهم إلى ربهم راجعون " تنبيه على الخاتمة . وفي صحيح البخاري ( وإنما الأعمال بالخواتيم ) . وأما المخلط فينبغي له أن يكون تحت خوف من أن ينفذ عليه الوعيد بتخليطه . وقال أصحاب الخواطر : وجل العارف من طاعته أكثر وجلا من وجله من مخالفته ؛ لأن المخالفة تمحوها التوبة ، والطاعة تطلب بتصحيح الفرض{[11690]} . " أنهم " أي لأنهم ، أو من أجل أنهم إلى ربهم راجعون .
قوله : { والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون } وهذه صفة رابعة لهم ، وهي أنهم يعطون ما يعطون ، أو يعملون ما عملوا من أعمال البر وهم خائفون أن لا يتقبل الله منهم ما عملوا ؛ فقد روى الإمام أحمد عن عائشة قالت : يا رسول الله ( والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ) هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل ؟ قال : " لا يا بنت الصديق ، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل " وهكذا رواه الترمذي من حديث مالك ابن مغول بنحوه وقال : " لا يا ابنة الصديق ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل منهم " .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.