في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ} (60)

53

ولكنهم بعد هذا كله : ( يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون )لإحساسهم بالتقصير في جانب الله ، بعد أن بذلوا ما في طوقهم ، وهو في نظرهم قليل .

عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت : يا رسول الله ( الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة )هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر ، وهو يخاف الله عز وجل ? قال : " لا يا بنت الصديق ! ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق ، وهو يخاف الله عز وجل "

إن قلب المؤمن يستشعر يد الله عليه . ويحس آلاءه في كل نفس وكل نبضة . . ومن ثم يستصغر كل عباداته ، ويستقل كل طاعاته ، إلى جانب آلاء الله ونعمائه . كذلك هو يستشعر بكل ذرة فيه جلال الله وعظمته ؛ ويرقب بكل مشاعره يد الله في كل شيء من حوله . . ومن ثم يشعر بالهيبة ، ويشعر بالوجل ، ويشفق أن يلقى الله وهو مقصر في حقه ، لم يوفه حقه عبادة وطاعة ولم يقارب أياديه عليه معرفة وشكرا .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ} (60)

" والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة " قال الحسن : يؤتون الإخلاص ويخافون ألا يقبل منهم . وروى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة " قالت عائشة : أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون ؟ قال : ( لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات ) . وقال الحسن : لقد أدركنا{[11689]} أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها . وقرأت عائشة رضي الله عنها وابن عباس والنخعي " والذين يأتون ما أتوا " مقصورا من الإتيان . قال الفراء : ولو صحت هذه القراءة عن عائشة لم تخالف قراءة الجماعة ؛ لأن الهمز ، من العرب من يلزم فيه الألف في كل الحالات إذا كتب ، فيكتب سئل الرجل بألف بعد السين ، ويستهزئون بألف بين الزاي والواو ، وشيءٌ وشيءٍ بألف بعد الياء ، فغير مستنكر في مذهب هؤلاء أن يكتب " يؤتون " بألف بعد الياء ، فيحتمل هذا اللفظ بالبناء على هذا الخط قراءتين " يؤتون ما آتوا " و " يأتون ما أتوا " . وينفرد ما عليه الجماعة باحتمال تأويلين : أحدهما : الذين يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقة وقلوبهم خائفة . والآخر : والذين يؤتون الملائكة الذين يكتبون الأعمال على العباد ما آتوا وقلوبهم وجلة ، فحذف مفعول في هذا الباب لوضوح معناه ، كما حذف في قوله عز وجل : " فيه يغاث الناس وفيه يعصرون " [ يوسف : 49 ] والمعنى يعصرون السمسم والعنب ، فاختزل المفعول لوضوح تأويله . ويكون الأصل في الحرف على هجائه الوجود في الإمام " يأتون " بألف مبدلة من الهمزة فكتبت الألف واوا لتآخي حروف المد واللين في الخفاء ، حكاه ابن الأنباري . قال النحاس : المعروف من قراءة ابن عباس " والذين يأتون ما أتوا " وهي القراءة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عائشة رضي الله عنها ، ومعناها يعملون ما عملوا ، ما روي في الحديث . والوجل نحو الإشفاق والخوف ، فالتقي والتائب خوفه أمر العاقبة وما يطلع عليه بعد الموت . وفي قوله : " أنهم إلى ربهم راجعون " تنبيه على الخاتمة . وفي صحيح البخاري ( وإنما الأعمال بالخواتيم ) . وأما المخلط فينبغي له أن يكون تحت خوف من أن ينفذ عليه الوعيد بتخليطه . وقال أصحاب الخواطر : وجل العارف من طاعته أكثر وجلا من وجله من مخالفته ؛ لأن المخالفة تمحوها التوبة ، والطاعة تطلب بتصحيح الفرض{[11690]} . " أنهم " أي لأنهم ، أو من أجل أنهم إلى ربهم راجعون .


[11689]:في ب و ك: أدركت.
[11690]:كذا في ب و ج و في ك و ط: العرض وفي ا: الفرض.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ} (60)

قوله : { والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون } وهذه صفة رابعة لهم ، وهي أنهم يعطون ما يعطون ، أو يعملون ما عملوا من أعمال البر وهم خائفون أن لا يتقبل الله منهم ما عملوا ؛ فقد روى الإمام أحمد عن عائشة قالت : يا رسول الله ( والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة ) هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل ؟ قال : " لا يا بنت الصديق ، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل " وهكذا رواه الترمذي من حديث مالك ابن مغول بنحوه وقال : " لا يا ابنة الصديق ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل منهم " .