( وقل للمؤمنات : يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ) . .
فلا يرسلن بنظراتهن الجائعة المتلصصة ، أو الهاتفة المثيرة ، تستثير كوامن الفتنة في صدور الرجال . ولا يبحن فروجهن إلا في حلال طيب ، يلبي داعي الفطرة في جو نظيف ، لا يخجل الأطفال الذين يجيئون عن طريقه عن مواجهة المجتمع والحياة !
( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) . .
والزينة حلال للمرأة ، تلبية لفطرتها . فكل أنثى مولعة بأن تكون جميلة ، وأن تبدو جميلة . والزينة تختلف من عصر إلى عصر ؛ ولكن أساسها في الفطرة واحد ، هو الرغبة في تحصيل الجمال أو استكماله ، وتجليته للرجال .
والإسلام لا يقاوم هذه الرغبة الفطرية ؛ ولكنه ينظمها ويضبطها ، ويجعلها تتبلور في الاتجاه بها إلى رجل واحد - هو شريك الحياة - يطلع منها على ما لا يطلع أحد سواه . ويشترك معه في الاطلاع على بعضها ، المحارم والمذكورون في الآية بعد ، ممن لا يثير شهواتهم ذلك الاطلاع .
فأما ما ظهر من الزينة في الوجه واليدين ، فيجوز كشفه . لأن كشف الوجه واليدين مباح لقوله [ صلى الله عليه وسلم ] لأسماء بنت أبي بكر : " يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض ، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا - وأشار إلى وجهه وكفيه " .
( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) . .
والجيب فتحة الصدر في الثوب . والخمار غطاء الرأس والنحر والصدر . ليداري مفاتنهن ، فلا يعرضها للعيون الجائعة ؛ ولا حتى لنظرة الفجاءة ، التي يتقي المتقون أن يطيلوها أو يعاودوها ، ولكنها قد تترك كمينا في أطوائهم بعد وقوعها على تلك المفاتن لو تركت مكشوفة !
إن الله لا يريد أن يعرض القلوب للتجربة والابتلاء في هذا النوع من البلاء !
والمؤمنات اللواتي تلقين هذا النهي . وقلوبهن مشرقة بنور الله ، لم يتلكأن في الطاعة ، على الرغم من رغبتهن الفطرية في الظهور بالزينة والجمال . وقد كانت المرأة في الجاهلية - كما هي اليوم في الجاهلية الحديثة ! - تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء . وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها ، وأقرطة أذنيها . فلما أمر الله النساء أن يضربن بخمرهن على جيوبهن ، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ، كن كما قالت عائشة رضي الله عنها - : " يرحم الله نساء المهاجرات الأول . لما أنزل الله : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن )شققن مروطهن فاختمرن بها . . وعن صفية - بنت شيبة قالت : بينما نحن عند عائشة . قالت : فذكرن نساء قريش وفضلهن . فقالت عائشة - رضي الله عنها - إن لنساء قريش لفضلا . وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار ، وأشد تصديقا لكتاب الله ، ولا إيمانا بالتنزيل . لما نزلت في سورة النور : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن )انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ؛ ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته ، وعلى كل ذي قرابته . فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل ، فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه . فأصبحن وراء رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان " .
لقد رفع الإسلام ذوق المجتمع الإسلامي ، وطهر إحساسه بالجمال ؛ فلم يعد الطابع الحيواني للجمال هو المستحب ، بل الطابع الإنساني المهذب . . وجمال الكشف الجسدي جمال حيواني يهفو إليه الإنسان بحس الحيوان ؛ مهما يكن من التناسق والاكتمال . فأما جمال الحشمة فهو الجمال النظيف ، الذي يرفع الذوق الجمالي ، ويجعله لائقا بالإنسان ، ويحيطه بالنظافة والطهارة في الحس والخيال .
وكذلك يصنع الإسلام اليوم في صفوف المؤمنات . على الرغم من هبوط الذوق العام ، وغلبة الطابع الحيواني عليه ؛ والجنوح به إلى التكشف والعري والتنزي كما تتنزى البهيمة ! فإذا هن يحجبن مفاتن أجسامهن طائعات ، في مجتمع يتكشف ويتبرج ، وتهتف الأنثى فيه للذكور حيثما كانت هتاف الحيوان للحيوان !
هذا التحشم وسيلة من الوسائل الوقائية للفرد والجماعة . . ومن ثم يبيح القرآن تركه عندما يأمن الفتنة . فيستثني المحارم الذين لا تتوجه ميولهم عادة ولا تثور شهواتهم وهم :
الآباء والأبناء ، وآباء الأزواج وأبناؤهم ، والإخوة وأبناء الإخوة ، وأبناء الأخوات . . كما يستثني النساء المؤمنات : ( أو نسائهن )فأما غير المسلمات فلا . لأنهن قد يصفن لأزواجهن وإخوتهن ، وأبناء ملتهن مفاتن نساء المسلمين وعوراتهن لو اطلعن عليها . وفي الصحيحين : " لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه يراها " . . أما المسلمات فهن أمينات ، يمنعهن دينهن أن يصفن لرجالهن جسم امرأة مسلمة وزينتها . . ويستثني كذلك ( ما ملكت أيمانهن )قيل من الإناث فقط ، وقيل : ومن الذكور كذلك . لأن الرقيق لا تمتد شهوته إلى سيدته . والأول أولى ، لأن الرقيق إنسان تهيج فيه شهوة الإنسان ، مهما يكن له من وضع خاص ؛ في فترة من الزمان . . ويستثني ( التابعين غير أولي الإربة من الرجال ) . . وهم الذين لا يشتهون النساء لسبب من الأسباب كالجب والعنة والبلاهة والجنون . . وسائر ما يمنع الرجل أن تشتهي نفسه المرأة . لأنه لا فتنة هنا ولا إغراء . . ويستثني ( الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) . . وهم الأطفال الذين لا يثير جسم المرأة فيهم الشعور بالجنس . فإذا ميزوا ، وثار فيهم هذا الشعور - ولو كانوا دون البلوغ - فهم غير داخلين في هذا الاستثناء .
وهؤلاء كلهم - عدا الأزواج - ليس عليهم ولا على المرأة جناح أن يروا منها ، إلا ما تحت السرة إلى تحت الركبة . لانتفاء الفتنة التي من أجلها كان الستر والغطاء . فأما الزوج فله رؤية كل جسدها بلا استثناء .
ولما كانت الوقاية هي المقصودة بهذا الإجراء ، فقد مضت الآية تنهي المؤمنات عن الحركات التي تعلن عن الزينة المستورة ، وتهيج الشهوات الكامنة ، وتوقظ المشاعر النائمة . ولو لم يكشفن فعلا عن الزينة :
( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) . .
وإنها لمعرفة عميقة بتركيب النفس البشرية وانفعالاتها واستجاباتها . فإن الخيال ليكون أحيانا أقوى في إثارة الشهوات من العيان . وكثيرون تثير شهواتهم رؤية حذاء المرأة أو ثوبها ، أو حليها ، أكثر مما تثيرها رؤية جسد المرأة ذاته . كما أن كثيرين يثيرهم طيف المرأة يخطر في خيالهم ، أكثر مما يثيرهم شخص المرأة بين أيديهم - وهي حالات معروفة عند علماء الأمراض النفسية اليوم - وسماع وسوسة الحلى أو شمام شذى العطر من بعيد ، قد يثير حواس رجال كثيرين ، ويهيج أعصابهم ، ويفتنهم فتنة جارفة لا يملكون لها ردا . والقرآن يأخذ الطريق على هذا كله . لأن منزله هو الذي خلق ، وهو الذي يعلم من خلق . وهو اللطيف الخبير .
وفي النهاية يرد القلوب كلها إلى الله ؛ ويفتح لها باب التوبة مما ألمت به قبل نزول هذا القرآن :
( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) .
بذلك يثير الحساسية برقابة الله ، وعطفه ورعايته ، وعونه للبشر في ضعفهم أمام ذلك الميل الفطري العميق ، الذي لا يضبطه مثل الشعور بالله ، وبتقواه . .
الأولى-قوله تعالى : " وقل للمؤمنات " خص الله سبحانه وتعالى الإناث هنا بالخطاب على طريق التأكيد ، فإن قوله " قل للمؤمنين " يكفي ؛ لأنه قول عام يتناول الذكر والأنثى من المؤمنين ، حسب كل خطاب عام في القرآن . وظهر التضعيف في " يغضضن " ولم يظهر في " يغضوا " لأن لام الفعل من الثاني ساكنة ومن الأول متحركة ، وهما في موضع جزم جوابا . وبدأ بالغض قبل الفرج لأن البصر رائد للقلب ، كما أن الحُمى رائد الموت . وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال :
ألم تر أن العين للقلب رائد *** فما تألفُ العينان فالقلبُ آلف
وفي الخبر ( النظر سهم من سهام إبليس مسموم فمن غض بصره أورثه الله الحلاوة في قلبه ) . وقال مجاهد : إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزينها لمن ينظر ، فإذا أدبرت جلس على عجزها فزينها لمن ينظر . وعن خالد بن أبي عمران قال : لا تتبعن النظرة النظرة فربما نظر العبد نظرة نَغِل{[11893]} منها قلبه كما يَنْغَل الأديم فلا ينتفع به . فأمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار عما لا يحل ، فلا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة ولا المرأة إلى الرجل ، فإن علاقتها به كعلاقته بها ، وقصدها منه كقصده منها . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر . . . ) الحديث . وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء : لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يشتهى النظر إليهن وإن كانت صغيرة . وكره عطاء النظر إلى الجواري اللاتي يبعن بمكة إلا أن يريد أن يشتري . وفي الصحيحين عنه عليه السلام أنه صرف وجه الفضل عن الخثعمية حين سألته ، وطفق الفضل ينظر إليها{[11894]} . وقال عليه السلام : ( الغيرة من الإيمان والمذاء من النفاق ) . والمِذَاء هو أن يجمع الرجل بين النساء والرجال ثم يخليهم يماذي بعضهم بعضا ، مأخوذ من المذي . وقيل : هو إرسال الرجال إلى النساء ، من قولهم : مذيت الفرس إذا أرسلتها ترعى . وكل ذكر يمذي ، وكل أنثى تقذي ، فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تبدي زينتها إلا لمن تحل له ، أو لمن هي محرمة عليه على التأبيد ، فهو آمن أن يتحرك طبعه إليها لوقوع اليأس له منها .
الثانية-روى الترمذي عن نبهان مولى أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ولميمونة وقد دخل عليها ابن أم مكتوم : ( احتجبا ) فقالتا : إنه أعمى ، قال : ( أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه ) . فإن قيل : هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل لأن راويه عن أم سلمة نبهان مولاها وهو ممن لا يحتج بحديثه . وعلى تقدير صحته فإن ذلك منه عليه السلام تغليظ على أزواجه لحرمتهن كما غلظ عليهن أمر الحجاب ، كما أشار إليه أبو داود وغيره من الأئمة . ويبقى معنى الحديث الصحيح الثابت وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت أم شريك ، ثم قال : ( تلك امرأة يغشاها أصحابي ، اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى ، تضعين ثيابك ولا يراك ) . قلنا : قد استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن المرأة يجوز لها أن تطلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع من المرأة كالرأس ومعلق القرط ، وأما العورة فلا . فعلى هذا يكون مخصصا لعموم قوله تعالى : " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن " ، وتكون " من " للتبعيض كما هي في الآية قبلها . قال ابن العربي : وإنما أمرها بالانتقال من بيت أم شريك إلى ببت ابن أم مكتوم لأن ذلك أولى بها من بقائها في بيت أمر شريك ؛ إذ كانت أم شريك مؤثرة بكثرة الداخل إليها ، فيكثر الرائي لها ، وفي بيت ابن أم مكتوم لا يراها أحد ، فكان إمساك بصرها عنه أقرب من ذلك وأولى ، فرخص لها في ذلك ، والله أعلم .
الثالثة-أمر الله سبحانه وتعالى النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين ، إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذارا من الافتتان ، ثم استثنى ، ما يظهر من الزينة ، واختلف الناس في قدر ذلك ، فقال ابن مسعود : ظاهر الزينة هو الثياب . وزاد ابن جبير الوجه . وقال سعيد بن جبير أيضا وعطاء والأوزاعي : الوجه والكفان والثياب . وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة : ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع{[11895]}والقرطة والفتخ{[11896]} ، ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس . وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر آخر عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت{[11897]} أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى ها هنا ) وقبض على نصف الذراع . قال ابن عطية : ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه ، أو إصلاح شأن ونحو ذلك . ف " ما ظهر " على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه .
قلت : هذا قول حسن ، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج ، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما . يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق ، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها : ( يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا ) وأشار إلى وجهه وكفيه . فهذا أقوى من جانب الاحتياط ، ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها ، والله الموفق لا رب سواه . وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا : إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك ، وإن كانت عجوزا أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها .
الرابعة-الزينة على قسمين : خلقية ومكتسبة ، فالخلقية وجهها فإنه أصل الزينة وجمال الخلقة ومعنى الحيوانية ؛ لما فيه من المنافع وطرق العلوم . وأما الزينة المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خلقتها ، كالثياب والحلي والكحل والخضاب ، ومنه قوله تعالى : " خذوا زينتكم " {[11898]} [ الأعراف : 31 ] . وقال الشاعر :
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى *** وإذا عَطِلن فهن خير عَوَاطِل
الخامسة-من الزينة ظاهر وباطن ، فما ظهر فمباح أبدا لكل الناس من المحارم والأجانب ، وقد ذكرنا ما للعلماء فيه . وأما ما بطن فلا يحل إبداؤه إلا لمن سماهم الله تعالى في هذه الآية ، أو حل محلهم . واختلف في السوار ، فقالت عائشة : هي من الزينة الظاهرة لأنها في اليدين . وقال مجاهد : هي من الزينة الباطنة ، لأنها خارج عن الكفين وإنما تكون في الذراع . قال ابن العربي : وأما الخضاب فهو من الزينة الباطنة إذا كان في القدمين .
السادسة-قوله تعالى : " وليضربن بخمرهن على جيوبهن " قرأ الجمهور بسكون اللام التي هي للأمر . وقرأ أبو عمرو في رواية ابن عباس بكسرها على الأصل ؛ لأن الأصل في لام{[11899]} الأمر الكسر ، وحذفت الكسرة لثقلها ، وإنما تسكينها لتسكين عضد وفخذ . و " يضربن " في موضع جزم بالأمر ، إلا أنه بني على حالة واحدة إتباعا للماضي عند سيبويه . وسبب هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة وهي المقانع سدلنها من وراء الظهر . قال النقاش : كما يصنع النبط ، فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك ، فأمر الله تعالى بليّ الخمار على الجيوب ، وهيئة ذلك أن تضرب المرأة بخمارها على جيبها لتستر صدرها . روى البخاري عن عائشة أنها قالت : رحم الله نساء{[11900]} المهاجرات الأول ؛ لما نزل : " وليضربن بخمرهن على جيوبهن " شققن أزرهن فاختمرن بها . ودخلت على عائشة حفصة بنت أخيها عبد الرحمن رضي الله عنهم وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها وما هنالك ، فشقته عليها وقالت : إنما يضرب بالكثيف الذي يستر .
السابعة-الخمر : جمع الخمار ، وهو ما تغطي به رأسها ، ومنه اختمرت المرأة وتخمرت ، وهي حسنة الخِمرة . والجيوب : جمع الجيب ، وهو موضع القطع من الدرع والقميص ، وهو من الجوب وهو القطع . ومشهور القراءة ضم الجيم من " جيوبهن " . وقرأ بعض الكوفيين بكسرها بسبب الياء ؛ كقراءتهم ذلك في : بيوت وشيوخ . والنحويون القدماء لا يجيزون هذه القراءة ويقولون : بيت وبيوت كفلس وفلوس . وقال الزجاج : يجوز على أن تبدل من الضمة كسرة ، فأما ما روي عن حمزة من الجمع بين الضم والكسر فمحال ، لا يقدر أحد أن ينطق به إلا على الإيماء إلى ما لا يجوز . وقال مقاتل : " على جيوبهن " أي على صدورهن ، يعني على مواضع جيوبهن .
الثامنة-في هذه الآية دليل على أن الجيب إنما يكون في الثوب موضع الصدر . وكذلك كانت الجيوب في ثياب السلف رضوان الله عليهم ، على ما يصنعه النساء عندنا بالأندلس وأهل الديار المصرية من الرجال والصبيان وغيرهم . وقد ترجم البخاري رحمة الله تعالى عليه ( باب جيب القميص من عند الصدر وغيره ) وساق حديث أبي هريرة قال : ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثُديّهما وتراقيهما . . . ) الحديث ، وقد تقدم بكماله{[11901]} ، وفيه : قال أبو هريرة : فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بإصبعيه هكذا في جيبه ، فلو رأيته يوسعها ولا تتوسع{[11902]} . فهذا يبين لك أن جيبه عليه السلام كان في صدره ؛ لأنه لو كان في منكبه لم تكن يداه مضطرة إلى ثدييه وتراقيه . وهذا استدلال حسن .
التاسعة-قوله تعالى : " لبعولتهن " والبعل هو الزوج والسيد في كلام العرب ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في جبريل : ( إذا ولدت الأمة بعلها ) يعني سيدها ، إشارة إلى كثرة السراري بكثرة الفتوحات ، فيأتي الأولاد من الإماء فتعتق كل أم بولدها وكأنه سيدها الذي من عليها بالعتق إذ كان العتق حاصلا لها من سببه ، قاله ابن العربي .
قلت : ومنه قوله عليه السلام في مارية : ( أعتقها ولدها ) فنسب العتق إليه . وهذا من أحسن تأويلات هذا الحديث . والله أعلم .
مسألة : فالزوج والسيد يرى الزينة من المرأة وأكثر من الزينة إذ كل محل من بدنها حلال له لذة ونظرا . ولهذا المعنى بدأ بالبعولة ؛ لأن اطلاعهم يقع على أعظم من هذا ، قال الله تعالى : " والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين " {[11903]} [ المؤمنون : 5 - 6 ] .
العاشرة-اختلف الناس في جواز نظر الرجل إلى فرج المرأة ، على قولين : أحدهما : يجوز ؛ لأنه إذا جاز له التلذذ به فالنظر أولى . وقيل : لا يجوز ؛ لقول عائشة رضي الله عنها في ذكر حالها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما رأيت ذلك منه ولا رأى ذلك مني ) والأول أصح ، وهذا محمول على الأدب ، قاله ابن العربي . وقد قال أصبغ من علمائنا : يجوز له أن يلحسه بلسانه . وقال ابن خويز منداد : أما الزوج والسيد فيجوز له أن ينظر إلى سائر الجسد وظاهر الفرج دون باطنه . وكذلك المرأة يجوز أن تنظر إلى عورة زوجها ، والأمة إلى عورة سيدها .
قلت : وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( النظر إلى الفرج يورث الطمس ) أي العمى ، أي في الناظر . وقيل : إن الولد بينهما يولد أعمى . والله أعلم .
الحادية عشرة-لما ذكر الله تعالى الأزواج وبدأ بهم ثنَّى بذوي المحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة ، ولكن تختلف مراتبهم بحسب ما في نفوس البشر . فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها . وتختلف مراتب ما يبدى لهم ، فيبدى للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج . وقد ذكر القاضي إسماعيل عن الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا لا يريان أمهات المؤمنين . وقال ابن عباس : إن رؤيتهما لهن تحل . قال إسماعيل : أحسب أن الحسن والحسين ذهبا في ذلك إلى أن أبناء البعولة لم يذكروا في الآية التي في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي قوله تعالى : " لا جناح عليهن في آبائهن " {[11904]}[ الأحزاب : 55 ] . وقال في سورة النور : " ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن " الآية . فذهب ابن عباس إلى هذه الآية ، وذهب الحسن والحسين إلى الآية أخرى .
الثانية عشرة-قوله تعالى : " أو أبناء بعولتهن " يريد ذكور أولاد الأزواج ، ويدخل فيه أولاد الأولاد وإن سفلوا ، من ذكران كانوا أو إناث ، كبني البنين وبني البنات . وكذلك آباء البعولة والأجداد وإن علوا من جهة الذكران لآباء الآباء وآباء الأمهات ، وكذلك أبناؤهن وإن سفلوا . وكذلك أبناء البنات وإن سفلن ، فيستوي فيه أولاد البنين وأولاد البنات . وكذلك أخواتهن ، وهم من ولد الآباء والأمهات أو أحد الصنفين . وكذلك بنو الأخوة وبنو الأخوات وإن سفلوا من ذكران كانوا أو إناث كبني بني الأخوات وبني بنات الأخوات . وهذا كله في معنى ما حرم من المناكح فإن ذلك على المعاني في الولادات وهؤلاء محارم ، وقد تقدم في " النساء " {[11905]} . والجمهور على أن العم والخال كسائر المحارم في جواز النظر لهما إلى ما يجوز لهم . وليس في الآية ذكر الرضاع ، وهو كالنسب على ما تقدم . وعند الشعبي وعكرمة ليس العم والخال من المحارم . وقال عكرمة : لم يذكرهما في الآية ؛ لأنهما تبعان لأبنائهما .
الثالثة عشرة-قوله تعالى : " أو نسائهن " يعني المسلمات ، ويدخل في هذا الإماء المؤمنات ، ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم ، فلا يحل لامرأة مؤمنة أن تكشف شيئا من بدنها بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون أمة لها ، فذلك قوله تعالى : " أو ما ملكت أيمانهن " . وكان ابن جريج وعبادة بن نسي وهشام القارئ يكرهون أن تقبل النصرانية المسلمة أو ترى عورتها ، ويتأولون " أو نسائهن " . وقال عبادة بن نسي : وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح : أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين ، فامنع من ذلك ، وحل دونه ، فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عِرْيَةَ{[11906]} المسلمة . قال : فعند ذلك قام أبو عبيدة وابتهل وقال : أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر لا تريد إلا أن تبيض وجهها فسود الله وجهها يوم تبيض الوجوه . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : لا يحل للمسلمة أن تراها يهودية أو نصرانية ؛ لئلا تصفها لزوجها . وفي هذه المسألة خلاف للفقهاء . فإن كانت الكافرة أمة لمسلمة جاز أن تنظر إلى سيدتها ، وأما غيرها فلا ، لانقطاع الولاية بين أهل الإسلام وأهل الكفر ، ولما ذكرناه . والله أعلم .
الرابعة عشرة-قوله تعالى : " أو ما ملكت أيمانهن " ظاهر الآية يشمل العبيد والإماء المسلمات والكتابيات . وهو قول جماعة من أهل العلم ، وهو الظاهر من مذهب عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما . وقال ابن عباس : لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته . وقال أشهب : سئل مالك أتلقي المرأة خمارها بين يدي الخصي ؟ فقال : نعم ، إذا كان مملوكا لها أو لغيرها ، وأما الحر فلا . وإن كان فحلا كبيرا وَغْداً{[11907]} تملكه ، لا هيئة له ولا منظر فلينظر إلى شعرها . قال أشهب قال مالك : ليس بواسع أن تدخل جارية الولد أو الزوجة على الرجل المرحاض ، قال الله تعالى : " أو ما ملكت أيمانكم " . وقال أشهب عن مالك : ينظر الغلام الوغد إلى شعر سيدته ، ولا أحبه لغلام الزوج . وقال سعيد بن المسيب : لا تغرنكم هذه الآية " أو ما ملكت أيمانهن " إنما عني بها الإماء ولم يعن بها العبيد . وكان الشعبي يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته . وهو قول مجاهد وعطاء . وروى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها ، قال : وعلى فاطمة ثوب إذا غطت به رأسها لم يبلغ إلى رجليها ، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ إلى رأسها ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى من ذلك قال : ( إنه لا بأس عليك إنما هو أبوك وغلامك ) .
الخامسة عشرة-قوله تعالى : " أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال " أي غير أولي الحاجة والإربة الحاجة ، يقال : أربت كذا آرب أربا . والإرب والإربة والمأربة والأرب : الحاجة ، والجمع مآرب ، أي حوائج . ومنه قوله تعالى : " ولي فيها مآرب أخرى " [ طه : 18 ] وقد تقدم{[11908]} وقال طرفة :
إذا المرء قال الجهل والحوب والخَنَا{[11909]} *** تقدم يوما ثم ضاعت مآربه
واختلف الناس في معنى قوله : " أو التابعين غير أولي الإربة " فقيل : هو الأحمق الذي لا حاجة به إلى النساء . وقيل : الأبله . وقيل : الرجل يتبع القوم فيأكل معهم ويرتفق بهم ، وهو ضعيف لا يكترث للنساء ولا يشتهيهن . وقيل : العنين . وقيل : الخصي . وقيل : المخنث . وقيل : الشيخ الكبير ، والصبي الذي لم يدرك . وهذا الاختلاف كله متقارب المعنى ، ويجتمع فيمن لا فهم له ولا همة ينتبه بها إلى أمر النساء . وبهذه الصفة كان ( هِيتُ ) المخنث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما سمع منه ما سمع من وصف محاسن المرأة : بادية ابنة غيلان ، أمر بالاحتجاب منه . أخرج حديثه مسلم وأبو داود ومالك في الموطأ وغيرهم عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة . قال أبو عمر : ذكر عبد الملك بن حبيب عن حبيب كاتب مالك قال : قلت لمالك : إن سفيان زاد في حديث ابنة غيلان : ( أن مخنثا يقال له هيت ) وليس في كتابك هيت ؟ فقال مالك : صدق ، هو كذلك وغربه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحِمَى ، وهو موضع من ذي الحليفة ذات الشمال من مسجدها . قال حبيب وقلت لمالك : وقال سفيان في الحديث : إذا قعدت تبنت{[11910]} ، وإذا تكلمت تغنت . قال مالك : صدق ، هو كذلك . قال أبو عمر : ما ذكره حبيب كاتب مالك عن سفيان أنه قال في الحديث يعني حديث هشام بن عروة ( أن مخنثا يدعى هيتا ) فغير معروف عند أحد من رواته عن هشام ، لا ابن عيينة ولا غيره ، ولم يقل في نسق الحديث ( إن مخنثا يدعى هيتا ) وإنما ذكره عن ابن جريج بعد تمام الحديث ، وكذلك قوله عن سفيان أنه يقول في الحديث : إذا قعدت تبنت وإذا تكلمت تغنت ، هذا ما لم يقله سفيان ولا غيره في حديث هشام بن عروة ، وهذا اللفظ لا يوجد إلا من رواية الواقدي ، والعجب أنه يحكيه عن سفيان ويحكي عن مالك أنه كذلك ، فصارت رواية عن مالك ، ولم يروه عن مالك غير حبيب ولا ذكره عن سفيان غيره أيضا ، والله أعلم . وحبيب كاتب مالك متروك الحديث ضعيف عند جميعهم ، لا يكتب حديثه ولا يلتفت إلى ما يجيء به . ذكر الواقدي والكلبي أن هيتا المخنث قال لعبدالله بن أمية المخزومي وهو أخو أم سلمة لأبيها وأمه عاتكة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال له وهو في بيت أخته أم سلمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع : إن فتح الله عليكم الطائف فعليك ببادية بنت غيلان بن سلمة الثقفي ، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان{[11911]} ، مع ثغر كالأقحوان ، إن جلست تبَنَّت وإن تكلمت تغنت ، بين رجليها كالإناء المكفوء{[11912]} ، وهي كما قال قيس بن الخطيم :
تَغْتَرِقُ الطَّرْفَ وهي لاهية *** كأنما شَفَّ وجهَهَا نُزُفُ{[11913]}{[11914]}
بين شُكُولِ النِّسَاء خلقَتُها *** قَصْدٌ فلا جَبْلَةٌ ولا قَضَفُ
تنام عن كُبْر شأنها فإذا *** قامت رويدا تكاد تَنْقَصِفُ
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( لقد غلغلت النظر إليها يا عدو الله ) . ثم أجلاه عن المدينة إلى الحمى . قال : فلما افتتحت الطائف تزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له منه بُرَيْهَة ، في قول الكلبي . ولم يزل هيت بذلك المكان حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما ولي أبو بكر كلم فيه فأبى أن يرده ، فلما ولي عمر كلم فيه فأبى ، ثم كلم فيه عثمان بعد . وقيل : إنه قد كبر وضعف واحتاج ، فأذن له أن يدخل كل جمعة فيسأل ويرجع إلى مكانه . قال : وكان هيت مولى لعبدالله بن أبي أمية المخزومي ، وكان له طُوَيس{[11915]} أيضا ، فمن ثم قَبِل{[11916]} الخَنَث . قال أبو عمر : يقال بادية بالياء وبادنة بالنون ، والصواب فيه عندهم بالياء ، وهو قول أكثرهم ، وكذلك ذكره الزبيري بالياء .
السادسة عشرة-وصف التابعين ب " غير " لأن التابعين غير مقصودين بأعيانهم ، فصار اللفظ كالنكرة . و " غير " لا يتمحض نكرة فجاز أن يجري وصفا على المعرفة . وإن شئت قلت هو بدل . والقول فيها كالقول في " غير المغضوب عليهم " {[11917]} [ الفاتحة : 7 ] . وقرأ عاصم وابن عامر " غير " بالنصب فيكون استثناء ، أي يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإربة منهم . ويجوز أن يكون حالا ، أي والذين يتبعونهن عاجزين عنهن ، قاله أبو حاتم . وذو الحال ما في " التابعين " من الذكر .
السابعة عشرة-قوله تعالى : " أو الطفل " اسم جنس بمعنى الجمع ، والدليل على ذلك نعته " بالذين " . وفي مصحف حفصة " أو الأطفال " على الجمع . ويقال : طفل ما لم يراهق الحلم . و " يظهروا " معناه يطلعوا بالوطء ، أي لم يكشفوا عن عوراتهن للجماع لصغرهن . وقيل : لم يبلغوا أن يطيقوا النساء ، يقال : ظهرت على كذا أي علمته ، وظهرت على كذا أي قهرته . والجمهور على سكون الواو من " عورات " لاستثقال الحركة على الواو . وروي عن ابن عباس{[11918]} فتح الواو ، مثل جفنة وجفنات . وحكى الفراء أنها لغة قيس " عورات " بفتح{[11919]} الواو . النحاس : وهذا هو القياس ؛ لأنه ليس بنعت ، كما تقول : جفنة وجفنات ، إلا أن التسكين أجود في " عورات " وأشباهه ، لأن الواو إذا تحركت وتحرك ما قبلها قلبت ألفا ، فلو قيل هذا لذهب المعنى .
الثامنة عشرة-اختلف العلماء في وجوب ستر ما سوى الوجه والكفين منه على قولين : أحدهما : لا يلزم ؛ لأنه لا تكليف عليه ، وهو الصحيح . والآخر يلزمه ؛ لأنه قد يشتهي وقد تشتهي أيضا هي فإن راهق فحكمه حكم البالغ وجوب الستر . ومثله الشيخ الذي سقطت شهوته اختلف فيه أيضا على قولين كما في الصبي ، والصحيح بقاء الحرمة ، قاله ابن العربي .
التاسعة عشرة-أجمع المسلمون على أن السوأتين عورة من الرجل والمرأة ، وأن المرأة كلها عورة ، إلا وجهها ويديها فإنهم اختلفوا فيهما . وقال أكثر العلماء في الرجل : من سرته إلى ركبته عورة ، لا يجوز أن ترى . وقد مضى في " الأعراف " القول في هذا مستوفى{[11920]} .
الموفية عشرين- قال أصحاب الرأي : عورة المرأة مع عبدها من السرة إلى الركبة . ابن العربي : وكأنهم ظنوها رجلا أو ظنوه امرأة ، والله تعالى قد حرم المرأة على الإطلاق لنظر أو لذة ، ثم استثنى اللذة للأزواج وملك اليمين ، ثم استثنى الزينة لاثني عشر شخصا العبد منهم ، فما لنا ولذلك ، هذا نظر فاسد واجتهاد عن السداد متباعد . وقد تأول بعض الناس قوله : " أو ما ملكت أيمانهن " على الإماء دون العبيد ، منهم سعيد بن المسيب ، فكيف يحملون على العبيد ثم يلحقون بالنساء هذا بعيد جدا ![ قال ابن العربي ]{[11921]} وقد قيل : إن التقدير أو ما ملكت أيمانهن من غير أولي الإربة أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ، حكاه المهدوي .
الحادية والعشرون-قوله تعالى : " ولا يضربن بأرجلهن " أي لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت لتسمع صوت خلخالها ، فإسماع صوت الزينة كإبداء الزينة وأشد ، والغرض التستر . أسند الطبري عن المعتمر عن أبيه أنه قال : زعم حضرمي أن امرأة اتخذت بَرَّتَيْنِ{[11922]} من فضة واتخذت جَْزعًا{[11923]} فجعلت في ساقها فمرت على القوم فضربت برجلها الأرض فوقع الخلخال على الجزع فصوت ، فنزلت هذه الآية . وسماع هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها ، قاله الزجاج .
الثانية والعشرون-من فعل ذلك منهن فرحا بحليهن فهو مكروه . ومن فعل ذلك منهن تبرجا وتعرضا للرجال فهو حرام مذموم . وكذلك من ضرب بنعله من الرجال ، إن فعل ذلك تعجبا حرم فإن العجب كبيرة . وإن فعل ذلك تبرجا لم يجز .
الثالثة والعشرون-قال مكي رحمه الله تعالى : ليس في كتاب الله تعالى آية أكثر ضمائر من هذه جمعت خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات من مخفوض ومرفوع .
قوله تعالى : " وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون "
الأولى-قوله تعالى : " وتوبوا " أمر . ولا خلاف بين الأمة في وجوب التوبة ، وأنها فرض متعين وقد مضى الكلام فيها في " النساء " {[11924]} وغيرها فلا معنى لإعادة ذلك . والمعنى : وتوبوا إلى الله فإنكم لا تخلون من سهو وتقصير في أداء حقوق الله تعالى ، فلا تتركوا التوبة في كل حال .
الثانية-قرأ الجمهور " أيه " بفتح الهاء . وقرأ ابن عامر بضمها ، ووجهه أن تجعل الهاء من نفس الكلمة ، فيكون إعراب المنادى فيها . وضعف أبو علي ذلك جدا وقال : آخر الاسم هو الياء الثانية من أي ، فالمضموم ينبغي أن يكون آخر الاسم ، ولو جاز ضم الهاء ها هنا لاقترانها بالكلمة لجاز ضم الميم في " اللهم " لاقترانها بالكلمة في كلام طويل . والصحيح أنه إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قراءة فليس إلا اعتقاد الصحة في اللغة ، فإن القرآن هو الحجة . وأنشد الفراء :
يا أيُّهَ القلب اللَّجُوجُ النّفس *** أفق عن البيض الحسان اللعسِ
اللعس : لون الشفة إذا كانت تضرب إلى السواد قليلا ، وذلك يستملح ، يقال : شفة لعساء ، وفتية ونسوة لعس . وبعضهم يقف " أيه " . وبعضهم يقف " أيها " بالألف ؛ لأن علة حذفها في الوصل إنما هي سكونها وسكون اللام ، فإذا كان الوقف ذهبت العلة فرجعت الألف كما ترجع الياء إذا وقفت على " محلي " من قوله تعالى : " غير محلي الصيد " {[11925]} [ المائدة : 1 ] . وهذا الاختلاف الذي ذكرناه كذلك هو في " يا أيه الساحر " {[11926]} . " يا أيه الثقلان " {[11927]} .
قوله : ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ) هذا تخصيص من الله للمؤمنات إشعارا بأهمية الإناث في دفع الفتنة أن تقع . فإن النساء إذا اجتهدن في صد أسباب الفتنة والفاحشة ، وأبين للرجال أن يسترخوا أمامهن أو يصبوا إليهن أو يجنحوا نحوهن بغض أبصارهن عنهم وعدم خضوعهن بالقول كيلا يطمع الذي في قلبه مرض ، وارتدين فوق ذلك جلباب الستر والاحتشام ؛ فلا جرم حينئذ أن يُسهمن أعظم إسهام في صد الفتنة وإيصاد منافذ الفاحشة ودفع بواعث الزنا .
وعلى هذا وجب على المؤمنات أن يغضضن أبصارهن عما حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن . وبذلك لا يحل للمرأة أن تنظر إلى الرجال بشهوة أو بغير شهوة ؛ كيلا يطمع فيها أولو الضعف والريبة . ويعضد ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله ( ص ) وميمونة . قالت : فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب ، فقال رسول الله ( ص ) : " احتجبا منه " فقلت : يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ فقال رسول الله ( ص ) : " أوعمياوان أنتما ؟ ! أو لستما تبصرانه ؟ ! " .
وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرها إلى الرجل الأجنبي بغير شهوة وذلك لما ثبت في الصحيح أن رسول الله ( ص ) جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد ، وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتى ملّت ورجعت .
والجمع بين الدليلين المتعارضين ، القول بجواز النظر منهن للرجال من غير شهوة إذا أمنت الفتنة . فإذا لم يكن ثمة فتنة في نظرهن للرجال جاز ذلك . كاللواتي يحضرن مجالس العلم فينظرون إلى المعلم وهو يلقي عليهن دروسا في العلم ؛ فهن مادمن كثيرات ولا يقال أمامهن إلا الجد كالعلم والنصح والتحذير والنهي عن الباطل والمنكر ونحو ذلك فقد أمنت الفتنة ولا جناح عليهن حينئذ في ذلك .
أما إن كانت الفتنة ترخي بظلها المريب حين النظر ، كما لو كانت تنظر إليه في خلوة ؛ فإن ذلك حرام ، حتى وإن كانت تنظر إلى من يعلمها أو يرشدها إلى قواعد الأدب والسلوك .
قوله : ( ويحفظن فروجهن ) أي يحفظنها عما لا يحل من لمس أو نظر أو زنا أو غير ذلك من أسباب الفاحشة .
قوله : ( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) نهى عن إظهار الزينة للأجانب إلا ما ظهر منها . أما الزينة فهي قسمان : زينة خِلقية ، وزينة مكتسبة . أما الخلقية ، فالمراد بها وجه المرأة . فهو أصل الزينة وجمال الإنسان لما فيه من أسباب المنافع التي جيء بها في الوجه على أحسن هيئة وأحسن ترتيب وذلك كالسمع والبصر والشم والذوق .
وأما الزينة المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة لتحسين خلقتها بالتصنع كالثياب والحلي والكحل والخضاب ونحو ذلك من وجوه الزينة للنساء .
قوله : ( إلا ما ظهر منها ) استثنى الله من التحريم ما ظهر منها .
والمراد بما ظهر منها موضع خلاف . فقد قيل : الثياب . يعني أنها يظهر منها ثيابها خاصة . وقيل : المراد به الكحل والخاتم والخلخال والقرط والقلادة . وقيل : المراد بما ظهر منها ، والوجه والكفان .
وهو قول الجمهور . وهذا هو المشهور . ويعضد القول بذلك ما رواه أبو داود في سننه عن عائشة ( رضي الله عنها ) أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ( ص ) وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال : " يا أسماء إن المرأة ؛ إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا " وأشار إلى وجهه وكفيه .
قوله : ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) الخمر ، المقانع جمع مقنعة . وواحد الخمر ، الخمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها . ومنه اختمرت المرأة أي أسدلت الغطاء على رأسها فغطته .
والجيوب ، جمع جيب ، وهو الطوق ، ومعناه النحر والصدر . فقد كان نساء الجاهلية يضربن ؛ أي يشددن خمرهن من خلف رؤوسهن فكانت تنكشف جيوبهن وهي نحورهن وقلائدهن . فأمر الله نساء المؤمنين أن يشددن مقانعهن على الجيوب ليغطين بذلك أعناقهن ونحورهن وما يحيط بذلك من شعر وزينة كالحلي في الأذن والنحر . وقد روى البخاري عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : يرحم الله نساء المهاجرات الأول ، لما أنزل الله ( وليضربن بخرمهن على جيوبهن ) شققن مروطهن فاختمرن بها .
ويسأل بعض الناس عن الحكمة في تشريع اللباس الساتر للنساء . اللباس الشرعي الفضفاض الذي يغطي جسد المرأة كله بدءا . بمفرق الشعر في الرأس حتى نهاية الأخمصين من القدمين كيلا يظهر من جسدها غير الوجه والكفين . وفي نفس الوقت لم يؤمر الرجال بستر أجسادهم جميعها إلا ما بين السرة والركبة . وقد يتصور بعض الظانين بالله ظن السوء أن تشريع اللباس للناس في صفته المشروعة يتضمن حرجا لهن أو تضييقا عليهن فضلا عما في ذلك من تمييز للرجال ومحاباة لهم .
فليس الأمر كما يتصوره هؤلاء الظانون الخاطئون . إنه ليس من تمييز للرجال ولا محاباة لهم على حساب النساء البتة . بل إنما التفضيل بين الناس جميعا ، أساسه التقوى دون غيره من الاعتبارات والمعايير . وعلى هذا فإن أتقى الناس وأخشاهم لله وأسرعهم لطاعته لهو الأفضل في ميزان الله سواء كان المفضل من الذكور أو الإناث ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) .
وإنما الحكمة التي تكمن في تشريع اللباس لهن ما يعلمه الله من حقيقة البشر وحقيقة فطرتهم وطبائعهم المختلفة ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) الله يعلم ما بين الذكور والإناث من تفاوت في مدى الإثارة الجنسية ومدى الاستجابة للإغراء والفتنة . والله كذلك يعلم سرعة الهيجان في الغريزة لدى الرجال . فغريزتهم الحيوانية هذه لشد ما تشيط وتتهيج وتشب إذا ما استنفرتها ظواهر الإغراء في مفاتن النساء . فإنه في الوقت الذي تنفر فيه المرأة وتشمئز أو تتقزز من رؤية الرجال العراة ، فإن الرجل على عكس ذلك تماما ؛ فإنه يتفجر فيه بركان الغريزة ويضطرب لرؤية النساء الكاسيات العاريات . وبذلك فإن الرجال ينفعلون ويتململون ويهيجون بقدر ما يجدونه من فتنة النساء وإغرائهن . ويتضح ذلك في الكشف عن أجسادهن ومواطن الزينة في أبدانهن بما تثور بسببه بواعث الغريزة عند الرجال . فبات من الضرورة حجب هذه المفاتن والمحاسن المغرية عن أنظار الرجال . فكان تشريع اللباس الساتر للنساء .
قوله : ( ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ) الآية .
بعد أن نهى عن إظهار الزينة للرجال الأجانب استثنى من ذلك اثني عشر صنفا لا يحرم عليهم النظر إلى النساء وهم :
الصنف الأول : البعولة . لقوله تعالى : ( إلا لبعولتهن ) والبعولة جمع ومفرده البعل ، وهو الزوج{[3251]} .
الصنف الثاني : الآباء . لقوله تعالى : ( أو آبائهن ) ويشمل ذلك الآباء وإن علوا ، من جهة الذكران والإناث . كآباء الآباء وآباء الأمهات .
الصنف الثالث : آباء البعولة . لقوله تعالى : ( أو آباء بعولتهن ) .
الصنف الرابع : الأبناء . لقوله تعالى : ( أو أبنائهن ) الابن والأب أحق الأقارب من جهة المحرمية بالاطلاع على الزينة الباطنة . وذلك من أجل البغضية القائمة بين المرأة وكل من أبيها وابنها .
الصنف الخامس : أبناء البعولة . لقوله تعالى : ( أو أبناء بعولتهن ) ويدخل في ذلك أولاد الأولاد وإن سفلوا من الذكران والإناث كبني البنين وبني البنات . وأبناء البعولة ينزلون منزلة الأبناء في المحرمية . فجاز لهم رؤية الزينة الباطنة . ويدخل في هؤلاء كذلك أولاد الأولاد ، وإن سفلوا من الذكران والإناث .
الصنف السادس : الإخوة . لقوله تعالى : ( أو إخوانهن ) سواء كان الإخوة من الأب أو من الأم أو منهما معا .
الصنف السابع : أبناء الإخوة وإن سفلوا ، من ذكران كانوا أو من إناث . لقوله تعالى : ( أو بني إخوانهن ) .
الصنف الثامن : أبناء الأخوات ، وإن سفلوا من ذكران كانوا أو إناث كبني بني الأخوات ، وبني بنات الأخوات ؛ لقوله تعالى : ( أو بني أخواتهن ) ويلحق بهؤلاء المحارم كل من العم والخال . فهم كسائر المحارم في جواز النظر وهو قول أكثر العلماء . أما الرضاع فحكمه كالنسب .
الصنف التاسع : النساء . لقوله تعالى : ( أو نسائهن ) يعني المسلمات فيخرج بذلك نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم ؛ فإنه لا يحل لمسلمة أن تظهر شيئا من بدنها لامرأة مشركة . قال ابن عباس : لا يحل للمسلمة أن تراها يهودية أو نصرانية لئلا تصفها لزوجها .
وقيل : المراد جميع النساء ، سواء فيهن المسلمات والكوافر .
الصنف العاشر : العبيد والإماء سواء فيهم المسلمون وغير المسلمين ، لقوله تعالى : ( أو ما ملكت أيمانهن ) فهو يشمل الجميع .
الصنف الحادي عشر : التابعون الذين بغير إربة . وذلك لقوله تعالى : ( أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال ) ( الإربة ) ، بالجر ، على أنه صفة للتابعين . وبالنصب على أنه مستثنى أو حال{[3252]} و ( الإربة ) ، بمعنى الحاجة{[3253]} وغير الإربة من الرجال ؛ أي الرجال الضعفاء الذي يتبعونكم لينالوا من فضل طعامكم ولا حاجة لهم في النساء .
وفي المراد بهم عدة أقوال : منها : أنه الصغير الذي ليس له شهوة . ومنها : أنه العنّين الذي لا يرغب في النساء . ومنها : أنه الأبله المعتوه الذي لا يدري من أمر النساء شيئا .
ومنها : الهرم لعجز إربه أو حاجته للنساء . ومنها : أنه الأحمق الذي لا يشتهي النساء ولا يغار عليه الرجال . ومنها : أنه خادم القوم للمعاش .
الصنف الثاني عشر : الأطفال الصغار . لقوله تعالى : ( أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) الطفل اسم جنس . ويعني الجمع ؛ أي الأطفال . وذلك لنعته بالذين . ويسمى الطفل بهذا الاسم ما لم يراهق الحلم{[3254]} .
والمعنى : أو الطفل الذين لم يتصوروا عورات النساء ولم يدروا ما هي لصغرهم وقيل : الذين لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النساء لصغرهم ، وعلى هذا فإن الصغير الذي لم يتنبه لصغره ، على عورات النساء فلا عورة للنساء معه . أما إن تنبّه لصغره ولمراهقته لزم أن تستر عنه المرأة ما بين سرتها وركبتها . وفي ستر ما سوى ذلك قولان : أحدهما : عدم لزوم الستر لعدم جريان القلم عليه . وثانيهما : لزوم الستر ؛ لأن المرأة قد تشتهيه وقد يشتهيها هو .
هؤلاء المذكورون يشتركون في جواز رؤية الزينة الباطنة من النساء . أما مدى ما تجوز رؤيته لهم من المرأة ، فهم في ذلك ثلاثة أقسام كما قال الحسن البصري .
القسم الأول : الزوج وله حرمة ليست لغيره من الناس ؛ إذ يحل له من امرأته كل شيء .
القسم الثاني : الابن والأب والأخ والجد وأبو الزوج وكل ذي محرم . والرضاع كالنسب ، فهؤلاء يحل لهم أن ينظروا إلى الشعر والصدر والساقين والذراع وأشباه ذلك . أي إن كانت المرأة ذات محرم للرجل بنسب أو رضاع أو صهرية فعورتها معه ما بين السرة والركبة كعورة الرجل .
القسم الثالث : التابعون غير أولي الإربة من الرجال . وكذا مملوك المرأة ؛ فإنه يحل للمرأة أن تقوم بين يدي هؤلاء في درع{[3255]} وخمار صفيق بغير ملحفة{[3256]} . ولا يحل لهؤلاء أن يروا منها شعرا ولا بشرا . والستر في ذلك كله أفضل . ولا يحل للشابة أن تقوم بين يدي الغريب حتى تلبس الجلباب .
العورات أربعة أقسام نبينها في التفصيل التالي :
القسم الأول : عورة الرجل مع الرجل ؛ فإنه يجوز له أن ينظر إلى جميع بدن الرجل إلا عورته . وعورته ما بين السرة والركبة . والسرة والركبة ليستا بعورة . وعند أبي حنيفة- رحمه الله- الركبة عورة . وقال الإمام مالك : الفخذ ليست بعورة . والدليل على كونها عورة ما روي عن حذيفة أن النبي ( ص ) مر به في المسجد وهو كاشف عن فخذه فقال عليه الصلاة والسلام : " غط فخذك فإنها من العورة " .
وإن كان في نظره إلى وجهه فتنة كما لو كان أمرد ؛ فلا يحل له أن ينظر إليه .
القسم الثاني : عورة المرأة مع المرأة وهذه كعورة الرجل مع الرجل ؛ فإنه يحل لها أن تنظر إلى جميع بدنها باستثناء مابين السرة والركبة .
القسم الثالث : عورة المرأة مع الرجل . فالمرأة إما أن تكون أجنبية ، أو ذات رحم محرم . فإن كانت أجنبية وهي حرة ؛ فجميع بدنها عورة ، ولا يجوز له النظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين ؛ لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه في التعامل كالبيع والشراء فتخرج كفها للأخذ والعطاء . والمراد بالكف ظهرها وبطنها حتى الكوعين أي الرسغين . على أن جواز النظر إلى وجهها وكفيها إنما يكون لحاجة وفي غير فتنة وهو ما بيناه سابقا . أما إن كان في النظر إلى وجهها وكفيها فتنة وكان ذلك لغير حاجة أو غرض فلا يجوز للرجل أن يتعمد النظر إلى وجه الأجنبية . حتى لو وقع بصره على وجهها فجأة فإن عليه أن يغض بصره .
القسم الرابع : عورة الرجل مع المرأة . فإن كان الرجل أجنبيا من المرأة فعورته معها ما بين السرة والركبة . وقيل : جميع بدنه ، باستثناء الوجه والكفين كشأنها معه . وإن كان محرما لها فعورته معها ما بين السرة والركبة . وإن كان زوجها فلها أن تنظر إلى جميع بدنه غير أنه يكره النظر إلى الفرج كشأنه معها . وقيل : لا يكره . ويكره للرجل أن يجلس عاريا في بيت خال . وذلك للحديث : " إياكم والتعري ؛ فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله " وروي أن النبي ( ص ) سئل عن ذلك فقال : " الله أحق أن يستحيى منه " {[3257]} .
قوله : ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) .
روي عن ابن عباس قوله : كانت المرأة الجاهلية تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال ويكون في رجليها خلاخل : فنهى الله عن ذلك ؛ لأنه فتنة . نهى النساء أن يجعلن في أرجلهن من الحلي كالخلاخل ونحوها ، ما إذا مشين تحركت الخلاخل فعلم الناس من حولهن ما يخفين من ذلك . وفي ذلك من الفتنة ما لا يخفى . وقد حذرت الشريعة من كل وجوه الفتنة التي يضل بها الرجال ويغوون تحت وطأة الإغراء والإغواء . ووجوه الفتنة في هذا الصدد كثيرة ، كاستعطار النساء ليجد الرجال من ريحهن المرغوبة ، وهن يمشين في الطريق ما تستشيط به غرائزهم{[3258]} . وفي ذلك روى الترمذي عن أبي موسى ( رضي الله عنه ) عن النبي ( ص ) أنه قال : " كل عين زانية ، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا " يعني زانية .
قوله : ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) أي أقبلوا على الله بالتوبة والإنابة والطاعة فيما أمركم به من غض البصر ، وحفظ الفروج والاستئذان والتسليم على أهل البيوت في وضوح وصراحة ، بعيدا عن الخيانة والتلصص واستراق البصر .
وكذلك اتركوا أعراف الجاهلية ورذائلهم لكي تنجو وتفوزوا برضوانه وجناته{[3259]} .