في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ} (30)

27

30

( قل للمؤمنين : يغضوا من أبصارهم ، ويحفظوا فروجهم . ذلك أزكى لهم . إن الله خبير بما يصنعون ) . .

وغض البصر من جانب الرجال أدب نفسي ، ومحاولة للاستعلاء على الرغبة في الاطلاع على المحاسن والمفاتن في الوجوه والأجسام . كما أن فيه إغلاقا للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية . ومحاولة عملية للحيلولة دون وصول السهم المسموم !

وحفظ الفرج هو الثمرة الطبيعية لغض البصر . أو هو الخطوة التالية لتحكيم الإرادة ، ويقظة الرقابة ، والاستعلاء على الرغبة في مراحلها الأولى . ومن ثم يجمع بينهما في آية واحدة ؛ بوصفهما سببا ونتيجة ؛ أو باعتبارهما خطوتين متواليتين في عالم الضمير وعالم الواقع . كلتاهما قريب من قريب .

( ذلك أزكى لهم ) . . فهو أطهر لمشاعرهم ؛ وأضمن لعدم تلوثها بالانفعالات الشهوية في غير موضعها المشروع النظيف ، وعدم ارتكاسها إلى الدرك الحيواني الهابط . وهو أطهر للجماعة وأصون لحرماتها وأعراضها ، وجوها الذي تتنفس فيه .

والله هو الذي يأخذهم بهذه الوقاية ؛ وهو العلم بتركيبهم النفسي وتكوينهم الفطري ، الخبير بحركات نفوسهم وحركات جوارحهم : ( إن الله خبير بما يصنعون ) . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ} (30)

فيه سبع مسائل :

الأولى-قوله تعالى : " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " وصل تعالى بذكر الستر ما يتعلق به من أمر النظر ، يقال : غض بصره يغضه غضا ، قال الشاعر :

فغُضَّ الطرفَ إنك من نُمَيْرٍ *** فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابَا

وقال عنترة .

وأغض طرفي ما بدت لي جارتي *** حتى يواريَ جارتي مأواها

ولم يذكر الله تعالى ما يغض البصر عنه ويحفظ الفرج ، غير أن ذلك معلوم بالعادة ، وأن المراد منه المحرم دون المحلل . وفي البخاري : وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن ؟ قال : اصرف بصرك ، يقول الله تعالى : " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم " وقال قتادة : عما لا يحل لهم ، " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن " [ النور : 31 ] خائنة الأعين [ من ]{[11882]} النظر إلى ما نهي عنه .

الثانية-قوله تعالى : " من أبصارهم " " من " زائدة ، كقوله : " فما منكم من أحد عنه حاجزين " {[11883]} [ الحاقة : 47 ] . وقيل : " من " للتبعيض ؛ لأن من النظر ما يباح . وقيل : الغض النقصان ، يقال : غض فلان من فلان أي وضع منه ، فالبصر إذا لم يمكن من عمله فهو موضوع منه ومنقوص . " فمن " [ من ]{[11884]} صلة للغض ، وليست للتبعيض ولا للزيادة .

الثالثة-البصر هو الباب الأكبر إلى القلب ، وأعمر طرق الحواس إليه ، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته . ووجب التحذير منه ، وغضه واجب عن جميع المحرمات ، وكل ما يخشى الفتنة من أجله ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إياكم والجلوس على الطرقات ) فقالوا : يا رسول الله ، ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها . فقال : ( فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه ) قالوا : وما حق الطريق يا رسول الله ؟ قال : ( غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) . رواه أبو سعيد الخدري ، خرجه البخاري ومسلم . وقال صلى الله عليه وسلم لعلي : ( لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية ) . وروى الأوزاعي قال : حدثني هارون بن رئاب أن غزوان وأبا موسى الأشعري كانا في بعض مغازيهم ، فكشفت جارية فنظر إليها غزوان ، فرفع يده فلطم عينه حتى نفرت{[11885]} ، فقال : إنك للحاظة إلى ما يضرك ولا ينفعك ، فلقي أبا موسى فسأله فقال : ظلمت عينك ، فاستغفر الله وتب ، فإن لها أول نظرة وعليها ما كان بعد ذلك . قال الأوزاعي : وكان غزوان ملك نفسه فلم يضحك حتى مات رضي الله عنه . وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبدالله قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة ، فأمرني أن أصرف بصري . وهذا يقوي قول من يقول : إن " من " للتبعيض ؛ لأن النظرة الأولى لا تملك فلا تدخل تحت خطاب تكليف ، إذ وقوعها لا يتأتى أن يكون مقصودا ، فلا تكون مكتسبة فلا يكون مكلفا بها ، فوجب التبعيض لذلك ، ولم يقل ذلك في الفرج ؛ لأنها تملك . ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته ، وزمانه خير من زماننا هذا وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرمة{[11886]} نظر شهوة يرددها .

الرابعة-قوله تعالى : " ويحفظوا فروجهم " أي يستروها عن أن يراها من لا يحل . وقيل : " ويحفظوا فروجهم " أي عن الزنى ، وعلى هذا القول لو قال{[11887]} : " من فروجهم " لجاز . والصحيح أن الجميع مراد واللفظ عام . وروى بهز بن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه عن جده قال : قلت يا رسول الله ، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال : ( احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك ) . قال : الرجل يكون مع الرجل ؟ قال : ( إن استطعت ألا يراها{[11888]}فافعل ) . قلت : فالرجل يكون خاليا ؟ فقال : ( الله أحق أن يستحيا منه من الناس ) . وقد ذكرت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحالها معه فقالت : ما رأيت ذلك منه ، ولا رأى ذلك مني .

الخامسة-بهذه الآية حرم العلماء نصا دخول الحمام بغير مئزر . وقد روي عن ابن عمر أنه قال : أطيب ما أنفق الرجل درهم يعطيه للحمام في خلوة . وصح عن ابن عباس أنه دخل الحمام وهو محرم بالجحفة . فدخوله جائز للرجال بالمآزر ، وكذلك النساء للضرورة كغسلهن من الحيض أو النفاس أو مرض يلحقهن ، والأولى بهن والأفضل لهن غسلهن إن أمكن ذلك في بيوتهن ، فقد روى أحمد بن منيع حدثنا الحسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا زبان عن سهل بن معاذ عن أبيه عن أم الدرداء أنه سمعها تقول : لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرجت من الحمام فقال : ( من أين يا أم الدرداء ) ؟ فقالت من الحمام ، فقال : ( والذي نفسي بيده ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت أحد من أمهاتها إلا وهي هاتكة كل ستر بينها وبين الرحمن عز وجل ) . وخرج أبو بكر البزار عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( احذروا بيتا يقال له الحمام ) . قالوا : يا رسول الله ، ينقي الوسخ ؟ قال : ( فاستتروا ) . قال أبو محمد عبد الحق : هذا أصح إسناد حديث في هذا الباب ، على أن الناس يرسلونه عن طاوس ، وأما ما خرجه أبو داود في هذا من الحظر والإباحة فلا يصح منه شيء لضعف الأسانيد ، وكذلك ما خرجه الترمذي .

قلت : أما دخول الحمام في هذه الأزمان فحرام على أهل الفضل والدين ؛ لغلبة الجهل على الناس واستسهالهم إذا توسطوا الحمام رموا مآزرهم{[11889]} ، حتى يرى الرجل البهي ذو الشيبة قائما منتصبا وسط الحمام وخارجه باديا عن عورته ضاما بين فخذيه ولا أحد يغير عليه . هذا أمر بين الرجال فكيف من النساء لا سيما بالديار المصرية إذ حماماتهم خالية عن المظاهر التي هي من أعين الناس سواتر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

السادسة-قال العلماء : فإن استتر فليدخل بعشرة شروط

الأول : ألا يدخل إلا بنية التداوي أو بنية التطهير عن الرُّحَضَاء{[11890]} .

الثاني : أن يعتمد أوقات الخلوة أو قلة الناس .

الثالث : أن يستر عورته بإزار صفيق{[11891]} .

الرابع : أن يكون نظره إلى الأرض أو يستقبل الحائط لئلا يقع بصره على محظور .

الخامس : أن يغير ما يرى من منكر برفق ، يقول : استتر سترك الله .

السادس : إن دلكه أحد لا يمكنه من عورته ، من سرته إلى ركبته إلا امرأته أو جاريته . وقد اختلف في الفخذين هل هما عورة أم لا .

السابع : أن يدخله بأجرة معلومة بشرط أو بعادة الناس .

الثامن : أن يصب الماء على قدر الحاجة .

التاسع : إن لم يقدر على دخوله وحده اتفق مع قوم يحفظون أديانهم على كرائه .

العاشر : أن يتذكر به جهنم . فإن لم يمكنه ذلك كله فليستتر وليجتهد في غض البصر . ذكر الترمذي أبو عبد الله في نوادر الأصول من حديث طاوس عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا بيتا يقال له الحمام ) . قيل : يا رسول الله ، إنه يذهب به الوسخ ويذكّر النار فقال : ( إن كنتم لا بد فاعلين فادخلوه مستترين ) . وخرج من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نعم البيت يدخله الرجل المسلم بيت الحمام - وذلك لأنه إذا دخله سأل الله الجنة واستعاذ به من النار - وبئس البيت يدخله الرجل بيت العروس ) . وذلك لأنه يرغبه في الدنيا وينسيه الآخرة . قال أبو عبد الله : فهذا لأهل الغفلة ، صير الله هذه الدنيا بما فيها سببا للذكر لأهل الغفلة ليذكروا بها آخرتهم ، فأما أهل اليقين فقد صارت الآخرة نصب أعينهم فلا بيت حمام يزعجه ولا بيت عروس يستفزه ، لقد دقت الدنيا بما فيها من الصنفين والضربين في جنب الآخرة ، حتى إن جميع نعيم الدنيا في أعينهم كنُثَارة الطعام من مائدة عظيمة ، وجميع شدائد الدنيا في أعينهم كقتلة عوقب بها مجرم أو مسيء قد كان استوجب القتل[ بها ]{[11892]} أو الصلب من جميع عقوبات أهل الدنيا .

السابعة-قوله تعالى : " ذلك أزكى لهم " أي غض البصر وحفظ الفرج أطهر في الدين وأبعد من دنس الأنام . " إن الله خبير " أي عالم . " بما يصنعون " تهديد ووعيد .


[11882]:زيادة عن صحيح البخاري.
[11883]:راجع ج 18 ص 276.
[11884]:من ب و ك.
[11885]:نفرت العين وغيرها من الأعضاء تنفر نفورا: هاجت وورمت.
[11886]:في ك: محرم.
[11887]:أي في غير القرآن.
[11888]:في ك: "أن لا يراها أحد".
[11889]:في ك: ميازرهم.
[11890]:الرحضاء: العرق في أثر الحمى.
[11891]:صفيق: متين جيد النسج وفي ك: ضيق. وليس بصحيح.
[11892]:من ك.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ} (30)

قوله تعالى : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ( 30 ) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنين لعلكم تفلحون ( 31 ) } .

هذا أمر من الله لعباده المؤمنين بأن يكفوا أبصارهم عما حُرم النظر إليه فلا ينظروا إلا إلى ما أبيح النظر إليه .

ومن الحقائق البديهية أن البصر لهو أعظم سبيل يفضي إلى تحريك النفس من الداخل . فما تفتأ النفس ساكنة راقدة هادئة غير مفتونة حتى تؤزها فتنة الجسد المنظور . وطريق ذلك وسببه البصر . فإنه ينقل بوساطة الأعصاب الموصولة بالداخل ، حقيقة المنظر المؤثر لتفتتن به النفس وتميد . فلا جرم أن يكون الكف من البصر عن النظر إلى المحرمات سببا عظيما في انتفاء الفتنة أو التخفيف من شدتها وغلوائها .

ومن هنا يأتي تحريم النظر إلى النساء الأجنبيات لمجرد التلذذ والشهوة . وفي ذلك جاء في الصحيح عن أبي سعيد قال : قال رسول الله ( ص ) : " إياكم والجلوس على الطرقات " قالوا : يا رسول الله لا بد لنا من مجالسنا نتحدث فيها . فقال رسول الله ( ص ) : " إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه " قالوا : وما حق الطريق يا رسول الله ؟ قال : " غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " . فقد أمر بغض البصر من غير لزوم ولا حاجة تدعو للنظر إلا التلذذ والتشهي . فإن مثل هذا النظر مدعاة لتحريك الشهوة والافتتان من الداخل مع ما يصحب ذلك من تلهف القلب وشدة انشغاله ، ومن اضطراب الأعصاب وبالغ احترارها ، وفي هذه الغمرة من الفتنة تغيب عن النفس نعمة الراحة والسكون فتظل مفتتنة مشبوبة ، فضلا عما يفضي إليه ذلك من الرغبة اللحاحة في قضاء الوطر الأخير وهو الزنا .

وفي الصحيح عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله ( ص ) : " كتب على بن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ؛ فزنا العينين النظر ، وزنا اللسان النطق ، وزنا الأذنين الاستماع ، وزنا اليدين البطش وزنا الرجلين الخطى . والنفس تمنى وتشتهي . والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " .

ولقد كان كثير من علماء السلف ينهون عن إدامة النظر إلى الأمرد لاحتمال الفتنة والغواية . فما ينبغي للمؤمن أن يديم النظر لوجه الأمرد دون حاجة ، دفعا للشيطان أن ينفخ في عروق الناظر فيحرك فيه كوامن الغريزة المستنيمة .

على أنه من خصائص الإسلام المميزة حرصه على الوقاية قبل العلاج ؛ فإن الوقاية لهي الأهم ؛ لأنها تحول دون التلبس بالفواحش والمنكرات . وعلى هذا فإن الإسلام ؛ إذ يهيمن بعقيدته وتشريعه على أمة ، يبادر في تبديد بواعث الفتنة والغواية والفساد من بين الناس . فما من سبب يفضي إلى المعصية أو الفاحشة إلا منعه الإسلام وحرمه تحريما قبل أن تقع المعصية أو الفاحشة نفسها . وفاحشة الزنا لا تقع بغتة إلا عقب أسباب ومقدمات وبواعث تؤول إلى الزنا نفسه . فكان من مسلمات المنطق حظر هذه الأسباب والمقدمات كيلا يقع الزنا نفسه . على أن الأسباب والمؤديات إلى الزنا كثيرة : أولها وأهونها وأيسرها النظر ؛ فهو السبب البسيط الأول الذي يطرق المشاعر والأعصاب لتأخذ الشهوة بعد ذلك في التحرك والاضطراب والتململ . ومن هنا جاء الأمر بغض البصر عن المحارم .

على أن النظر إلى النساء ، إن كان لغرض لا فتنة فيه فهو جائز ووجوه ذلك كثير ، منها : إذا أراد النكاح فله أن ينظر إلى وجه المرأة وكفيها . وذلك للخبر : " إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة " وقال المغيرة بن شعبة : خطبت امرأة فقال عليه السلام : " نظرت إليها ؟ " فقلت : لا . قال " فانظر فإنها أحرى أن يؤدم بينكما " .

ومنها : النظر إليها عند تحمل الشهادة . ولا ينظر حينئذ إلى غير الوجه لحصول المعرفة به .

ومنها : نظر الطبيب الأمين إليها من أجل المعالجة كما يجوز للختان أن ينظر إلى فرج المختون .

ومنها : لو وقعت المرأة في غرق أو حرق ؛ فله أن ينظر إلى بدنها كي يخلصها .

قوله : ( من أبصارهم ) من ، لتبيين الجنس . والمقصود بها التبعيض وهو قول أكثر أهل العلم . وقيل : زائدة . وهو قول ضعيف{[3250]} .

قوله : ( ويحفظوا فروجهم ) وذلك بصونها من التهتك وسترها لئلا يراها من لا يحل له النظر إليها . والمراد حفظ الفروج عن سائر ما حرم الله ، من الزنا والمس والنظر . أما الوطء فهو أغلظ في النهي والتحريم .

قوله : ( ذلك أزكى لهم ) الإشارة عائدة إلى غض البصر وحفظ الفروج ؛ فإن ذلك أطهر للقلوب ، وأبعد من التدنس بالآثام أو الوقوع في الريبة .

قوله : ( إن الله خبير بما يصنعون ) ذلك تهديد من الله ووعيد للذين يقعون في المحظورات ، المخالفين عن أمر الله ، والمتلبسين فيما نهى عنه من النظر إلى الأجنبيات أو الاعتداء على أعراض المسلمين بمختلف الوجوه المحرمة . فإن الله عليم بذلك كله ، خبير بما يصنعون الآثمون والعصاة .


[3250]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 194.