في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَـٰٓفَّـٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ} (41)

ذلك مشهد الكفر والضلال والظلام في عالم الناس ، يتبعه مشهد الإيمان والهدى والنور في الكون الفسيح . مشهد يتمثل فيه الوجود كله ، بمن فيه وما فيه ، شاخصا يسبح لله : إنسه وجنه ، أملاكه وأفلاكه ، أحياؤه وجماده . . وإذا الوجود كله تتجاوب بالتسبيح أرجاؤه ، في مشهد يرتعش له الوجدان حين يتملاه :

( ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض ، والطير صافات . كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ) . .

إن الإنسان ليس مفردا في هذا الكون الفسيح ؛ فإن من حوله ، وعن يمينه وعن شماله ، ومن فوقه ومن تحته ؛ وحيثما امتد به النظر أو طاف به الخيال . . إخوان له من خلق الله ، لهم طبائع شتى ، وصور شتى ، وأشكال شتى . ولكنهم بعد ذلك كله يلتقون في الله ، ويتوجهون إليه ، ويسبحون بحمده : ( والله عليم بما يفعلون ) . .

والقرآن يوجه الإنسان إلى النظر فيما حوله من صنع الله ، وإلى من حوله من خلق الله في السماوات والأرض ، وهم يسبحون بحمده وتقواه ؛ ويوجه بصره وقلبه خاصة إلى مشهد في كل يوم يراه ، فلا يثير انتباهه ولا يحرك قلبه لطول ما يراه . ذلك مشهد الطير صافات أرجلها وهي طائرة في الفضاء تسبح بحمد الله : ( كل قد علم صلاته وتسبيحه ) . . والإنسان وحده هو الذي يغفل عن تسبيح ربه ؛ وهو أجدر خلق الله بالإيمان والتسبيح والصلاة .

وإن الكون ليبدو في هذا المشهد الخاشع متجها كله إلى خالقه ، مسبحا بحمده ، قائما بصلاته ؛ وإنه لكذلك في فطرته ، وفي طاعته لمشيئة خالقه الممثلة في نواميسه . وإن الإنسان ليدرك - حين يشف - هذا المشهد ممثلا في حسه كأنه يراه ؛ وإنه ليسمع دقات هذا الكون وإيقاعاته تسابيح لله . وإنه ليشارك كل كائن في هذا الوجود صلاته ونجواه . . كذلك كان محمد بن عبد الله - صلاة الله وسلامه عليه - إذا مشى سمع تسبيح الحصى تحت قدميه . وكذلك كان داود - عليه السلام - يرتل مزاميره فتؤوب الجبال معه والطير

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَـٰٓفَّـٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ} (41)

قوله تعالى : " ألم تر أن الله " لما ذكر وضوح الآيات زاد في الحجة والبينات ، وبين أن مصنوعاته تدل بتغييرها على أن لها صانعا قادرا على الكمال ، فله بعثة الرسل ، وقد بعثهم وأيدهم بالمعجزات ، وأخبروا بالجنة والنار . والخطاب في " ألم تر " للنبي صلى الله عليه وسلم ، ومعناه : ألم تعلم ، والمراد الكل . " أن الله يسبح له من في السماوات " من الملائكة . " والأرض " من الجن والإنس . " والطير صافات " قال مجاهد وغيره : الصلاة للإنسان والتسبيح لما سواه من الخلق . وقال سفيان : للطير صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود . وقيل : إن ضربها بأجنحتها صلاة ، وإن أصواتها تسبيح ، حكاه النقاش . وقيل : التسبيح ها هنا ما يرى في المخلوق من أثر الصنعة . ومعنى " صافات " مصطفات الأجنحة في الهواء . وقرأ الجماعة " والطير " بالرفع عطفا على " من " . وقال الزجاج : ويجوز " والطير " بمعنى مع الطير . قال النحاس : وسمعته يخبر - قمتُ وزيدا - بمعنى مع زيد . قال : وهو أجود من الرفع . قال : فإن قلت قمت أنا وزيد ، كان الأجود الرفع ، ويجوز النصب . " كل قد علم صلاته وتسبيحه " يجوز أن يكون المعنى : كل قد علم الله صلاته وتسبيحه ؛ أي علم صلاة المصلي وتسبيح المسبح . ولهذا قال : " والله عليم بما يفعلون " أي لا يخفي عليه طاعتهم ولا تسبيحهم . ومن هذه الجهة يجوز نصب " كل " عند البصريين والكوفيين بإضمار فعل يفسره ما بعده . وقد قيل : المعنى قد علم كل مصل ومسبح صلاة نفسه وتسبيحه الذي كلفه . وقرأ بعض الناس " كل قد عُلِم صلاته وتسبيحه " غير مسمى الفاعل . وذكر بعض النحويين أن بعضهم قرأ " كل قد عَلَّم صلاته وتسبيحه " ، فيجوز أن يكون تقديره : كل قد علمه الله صلاته وتسبيحه . ويجوز أن يكون المعنى : كل قد علم غيره صلاته وتسبيحه أي صلاة نفسه ؛ فيكون التعليم الذي هو الإفهام والمراد الخصوص ؛ لأن من الناس من لم يعلم . ويجوز أن يكون المعنى كل قد استدل منه المستدل ، فعبر عن الاستدلال بالتعليم قاله المهدوي . والصلاة هنا بمعنى التسبيح ، وكرر تأكيدا ، كقول " يعلم السر والنجوى " . والصلاة قد تسمى تسبيحا ، قاله القشيري .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَـٰٓفَّـٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ} (41)

قوله تعالى : { ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ( 41 ) ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير ( 42 ) ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ( 43 ) يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ( 44 ) } الخطاب من الله لرسوله ( ص ) . والاستفهام للتقرير . والمعنى : قد علمت يا محمد بالحس والمشاهدة والنظر ( أن الله يسبح له من في السماوات والأرض ) أي ينزهونه عما لا يليق به في ذاته وصفاته وأفعاله . والمراد بمن في السماوات والأرض ؛ كل كائن سواء في ذلك العقلاء من الإنس والجن والملائكة ، أو غير العقلاء كالكواكب والبحار والأشجار والجبال . أما العقلاء : فيخشى الله منهم المؤمنون الذين يعبدونه ويسبحونه . أما غير المؤمنين : فإنما يعبدون الله بصفاتهم وهيئاتهم الخِلْقية التي جُبلوا عليها . أي أن آثار الصنعة الإلهية في غير المؤمنين تنطق بأن الله حق ، وأنه الخالق الموجد المتصف بصفات الكمال . وكذلك غير العقلاء من خلق الله كالطير والبهيمة ، فإن ما يسمع من أصواتها وما يشاهد فيها من آثار الصنعة الإلهية من توالد وتكاثر وتذليل وغير ذلك من وجوه الحركة فيها ، فإن ذلك كله تسبيح لله ؛ أي تنزيه له عن كل عيب أو نقيصة .

وأما الجمادات : فإنها على الدوام تسبح بحمده وذكره فلا تفتر ولا تكلّ ، وهيئة تسبيحها وذكرها لا يعلمها غير الذي ذرأها وكوّنها . وفي ذلك من التوبيخ للكافرين الضالين ما لا يخفى ؛ فقد ضل هؤلاء الغافلون العصاة عن أمر الله وزاغوا عن منهجه الحق وصراطه المستقيم ، وانفتلوا يعبدون الأوثان على اختلافها من الأحجار والتماثيل وغير ذلك من طواغيت الجن والإنس الذين أضلوهم وزينوا لهم الفساد والشر ، وحملوهم على التلبس بالباطل حملا ، مخلفين وراءهم منهج الله القائم على الحق والعدل والتوحيد .

قوله : ( والطير صافات ) الطير ، معطوف على الموصول ( من ) و ( صافات ) منصوب على الحال . أي يصففن أجنحتهن في الهواء طائرات محلقات ، وقد خصهن الله بالذكر لما يتجلى فيهن من بديع الصنعة وعجيب الهيئة والمنظر المثير مما نجده في الطير وهو يجوب الفضاء خافقا بجناحيه في صورته الجميلة وطيرانه العجيب ورفيفه المذهل الخلاب مما يستوقف العقل أيما استيقاف كيما يتدبر ويتفكر وإنه لا يدّكر بعد ذلك من البشر إلا كل عتّل جاحد أثيم .

قوله : ( كل قد علم صلاته وتسبيحه ) الضمير في ( علم ) ، يعود إلى ما سبق ذكره من المسبحات ؛ أي كل واحد مما ذكر قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه . والصلاة هنا بمعنى الدعاء . والمراد من الإخبار بأن كل واحد من المذكورات قد علم دعاء نفسه وتسبيحه : أن ذلك كله صادر عن علم الله الذي ألهمها ذلك وعلّمها إياه . وذلك دليل على عظيم شأن الله وبالغ قدرته .