سورة الشعراء مكية وآياتها سبع وعشرون ومائتان
موضوع هذه السورة الرئيسي هو موضوع السور المكية جميعا . . العقيدة . . ملخصة في عناصرها الأساسية : توحيد الله : ( فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين ) . . والخوف من الآخرة : ( ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ) . . والتصديق بالوحي المنزل على محمد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ( وإنه لتنزيل رب العالمين ؛ نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين ) . . ثم التخويف من عاقبة التكذيب ، إما بعذاب الدنيا الذي يدمر المكذبين ؛ وإما بعذاب الآخرة الذي ينتظر الكافرين : ( فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون ! ) . . ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) .
ذلك إلى تسلية الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وتعزيته عن تكذيب المشركين له وللقرآن : ( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين )وإلى طمأنة قلوب المؤمنين وتصبيرهم على ما يلقون من عنت المشركين ؛ وتثبيتهم على العقيدة مهما أوذوا في سبيلها من الظالمين ؛ كما ثبت من قبلهم من المؤمنين .
وجسم السورة هو القصص الذي يشغل ثمانين ومائة آية من مجموع آيات السورة كلها . والسورة هي هذا القصص مع مقدمة وتعقيب . والقصص والمقدمة والتعقيب تؤلف وحدة متكاملة متجانسة ، تعبر عن موضوع السورة وتبرزه في أساليب متنوعة ، تلتقي عند هدف واحد . . ومن ثم تعرض من كل قصة الحلقة أو الحلقات التي تؤدي هذه الأغراض .
ويغلب على القصص كما يغلب على السورة كلها جو الإنذار والتكذيب ، والعذاب الذي يتبع التكذيب . ذلك أن السورة تواجه تكذيب مشركي قريش لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واستهزاءهم بالنذر ، وإعراضهم عن آيات الله ، واستعجالهم بالعذاب الذي يوعدهم به ؛ مع التقول على الوحي والقرآن ؛ والادعاء بأنه سحر أو شعر تتنزل به الشياطين !
والسورة كلها شوط واحد - مقدمتها وقصصها وتعقيبها - في هذا المضمار . لذلك نقسمها إلى فقرات أو جولات بحسب ترتيبها . ونبدأ بالمقدمة قبل القصص المختار :
( طسم . تلك آيات الكتاب المبين ) . .
طا . سين . ميم . . الأحرف المقطعة للتنبيه إلى أن آيات الكتاب المبين - ومنها هذه السورة - مؤلفة من مثل هذه الأحرف ؛ وهي في متناول المكذبين بالوحي ؛ وهم لا يستطيعون أن يصوغوا منها مثل هذا الكتاب المبين . والحديث عن هذا الكتاب متداول في السورة . في مقدمتها ونهايتها . كما هو الشأن في السور المبدوءة بالأحرف المقطعة في القرآن .
هي مكية في قول الجمهور . وقال مقاتل : منها مدني ، الآية التي يذكر فيها الشعراء ، وقوله : " أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل " [ الشعراء : 197 ] . وقال ابن عباس وقتادة : مكية إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة من قوله : " والشعراء يتبعهم الغاوون " [ الشعراء : 224 ] إلى آخرها . وهي مائتان وسبع وعشرون آية . وفي رواية : ست وعشرون . وعن ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أعطيت السورة التي تذكر فيها البقرة من الذكر الأول وأعطيت طه وطسم من ألواح موسى وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش وأعطيت المفصل نافلة ) . وعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة وأعطاني المبين مكان الإنجيل وأعطاني الطواسين مكان الزبور وفضلني بالحواميم والمفصل ما قرأهن نبي قبلي ) .
قوله تعالى : " طسم " قرأ الأعمش ويحيى وأبو بكر والمفضل وحمزة والكسائي وخلف : بإمالة الطاء مشبعا في هذه السورة وفي أختيها . وقرأ نافع وأبو جعفر وشيبة والزهري : بين اللفظين ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم . وقرأ الباقون بالفتح مشبعا . قال الثعلبي : وهي كلها لغات فصيحة . وقد مضى في " طه " {[12183]} قول النحاس في هذا . قال النحاس : وقرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم والكسائي : " طسم " بإدغام النون في الميم ، والفراء يقول بإخفاء النون . وقرأ الأعمش : وحمزة : " طسين ميم " بإظهار النون . قال النحاس : للنون الساكنة والتنوين أربعة أقسام عند سيبويه : يبينان عند حروف الحلق ، ويدغمان عند الراء واللام والميم والواو والياء ، ويقلبان ميما عند الباء ويكونان من الخياشيم ، أي لا يبينان ، فعلى هذه الأربعة الأقسام التي نصها سيبويه لا تجوز هذه القراءة ؛ لأنه ليس ها هنا حرف من حروف الحلق فتبين النون عنده ، ولكن في ذلك وجيه : وهو أن حروف المعجم حكمها أن يوقف عليها ، فإذا وقف عليها تبينت النون . قال الثعلبي : الإدغام اختيار أبي عبيد وأبي حاتم قياسا على كل القرآن ، وإنما أظهرها أولئك للتبيين والتمكين ، وأدغمها هؤلاء لمجاورتها حروف الفم . قال النحاس : وحكى أبو إسحاق في كتابه " فيما يجرى وفيما لا يجرى " أنه يجوز أن يقال : " طسين ميم " بفتح النون وضم الميم ، كما يقال هذا معدي كرب . وقال أبو حاتم : قرأ خالد : " طسين ميم " . ابن عباس : " طسم " قسم وهو اسم من أسماء الله تعالى ، والمقسم عليه : " إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية " . وقال قتادة : اسم من أسماء القرآن أقسم الله به . مجاهد : هو اسم السورة ؛ ويحسن افتتاح السورة . الربيع : حساب مدة قوم . وقيل : قارعة تحل بقوم . " طسم " و " طس " واحد . قال{[12184]} :
وفاؤكما كالرَّبْعِ أشْجَاهُ طاسِمُهْ *** بأن تُسْعِدَا والدمعُ أشفاه ساجِمُهْ
وقال القرظي : أقسم الله بطول وسنائه وملكه . وقال عبد الله بن محمد بن عقيل : الطاء طور سيناء والسين إسكندرية والميم مكة . وقال جعفر بن محمد بن علي : الطاء شجرة طوبى ، والسين سدرة المنتهى ، والميم محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : الطاء من الطاهر والسين من القدوس - وقيل : من السميع وقيل : من السلام - والميم من المجيد . وقيل : من الرحيم . وقيل : من الملك . وقد مضى هذا المعنى في أول سورة " البقرة " {[12185]} . والطواسيم والطواسين سور في القرآن جمعت على غير قياس . وأنشد أبو عبيدة :
وبالطواسيم التي قد ثُلِّثَت *** وبالحواميم التي قد سُبِّعَتْ
قال الجوهري : والصواب أن تجمع بذوات وتضاف إلى واحد ، فيقال : ذوات طسم وذوات حم .
هذه السورة مكية . وفيها من مختلف المعاني والقصص والأخبار والأفكار ما يزجي بأوضح دلالة على حقيقة الإعجاز في القرآن الكريم . هذا الكتاب الحكيم الذي تضمن في خلاله كل علوم الدين والدنيا ، ما بين القصص وتبشير وتنذير وأمر وزجر ونهي وترغيب وترهيب وتشريع ووعد ووعيد ، وتذكير بالساعة وأخبارها وأهوالها . كل ذلك في كتاب جامع ظاهر باهر ، ما كان ليحيط بكل ذلك لو لم يكن من عند الله .
والسورة مبدوءة بالتأنيس من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم كيلا يهلك نفسه حزنا ألا يؤمن قومه إذ كذبوا واستكبروا .
وفي السورة إخبار عن كليم الله موسى ، والطاغية فرعون ، الذي شهد بنفسه المعجزات الحسية معاينة فعصى واستكبر . ثم لحاقه ببني إسرائيل عقب خروجهم فرارا من ظلمه وطغيانه ، يبتغي قتلهم وإذلالهم . وهناك تتجلى المعجزة الكبرى في إنفلاق البحر لما ضربه موسى بعصاه فانحسر عن اثني عشر طريقا يبسا سار فيها بنو إسرائيل سالمين آمنين ، ومياه البحر من حولهم وعلى جانبي كل سبط منهم شاهقة واقفة كالجبال .
إلى غير ذلك من تخاصم المجرمين فيما بينهم يوم القيامة قبل أن يكبكبوا جميعا في النار . ثم الإخبار عن قوم نوح وعاد وثمود وقم لوط وشعيب . ثم التذكير بالشعر والشعراء الذين يتبعهم الغواة وهم أهل الضلال من الإنس والجن ، والذين يهيمون في كل فنون الريبة وأودية الفحش ، كالهجاء والتزلف والنفاق والمبالغة في المديح والإطراء والغزل المبتذل . ويستثنى منهم ، الشعراء المؤمنون المتقون الذين يسخّرون شعرهم في طاعة الله وفي نشر دعوة الإسلام والذب عنه . وبهم سميت السورة .
{ طسم ( 1 ) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ( 2 ) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ( 4 ) وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ( 5 ) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ( 6 ) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأرض كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 7 ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآية وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ( 8 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ }
مضى الكلام عن مثل هذه الحروف من فواتح السور . كقوله هنا { طسم } وقد ذكر في تأويل هذه الحروف الفواتح عدة أقوال ، وهي لا نجد لها مستندا من دليل ظاهر . والذي نميل إليه أن هذه الحروف دليل يساق للاحتجاج على كون القرآن معجزا . وتقدير الكلام أن هذه الآيات التي عجزتم عن معارضتها مكونة من حروف كهذه الحروف . وعلى هذا فإن { طسم } مبتدأ ، وخبره { تلك آيات الكتاب المبين } والمراد بالكتاب هنا القرآن . أي هذه آيات القرآن الظاهرة التي أنزلها الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لتكون للناس نورا وهداية ومنهاجا يهتدون به وتصلح عليه أحوالهم في المعاش والمعاد .