ذلك كان حكم الله على المحكومين الذين لا يقبلون حكم شريعة الله في حياتهم . . فالآن يجيء حكمه - تعالى - على الحاكمين ، الذين لا يحكمون بما أنزل الله . الحكم الذي تتوافى جميع الديانات التي جاءت من عند الله عليه :
( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور . يحكم بها النبيون الذين أسلموا ، للذين هادوا ، والربانيون والأحبار ، بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ؛ فلا تخشوا الناس واخشون ، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ، والعين بالعين ، والأنف بالأنف ، والأذن بالأذن ، والسن بالسن ، والجروح قصاص . فمن تصدق به فهو كفارة له . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) . .
لقد جاء كل دين من عندالله ليكون منهج حياة . منهج حياة واقعية . جاء الدين ليتولى قيادة الحياة البشرية ، وتنظيمها ، وتوجيهها ، وصيانتها . ولم يجيء دين من عند الله ليكون مجرد عقيدة في الضمير ؛ ولا ليكون كذلك مجرد شعائر تعبدية تؤدي في الهيكل والمحراب . فهذه وتلك - على ضرورتهما للحياة البشرية وأهميتهما في تربية الضمير البشري - لا يكفيان وحدهما لقيادة الحياة وتنظيمها وتوجيهها وصيانتها ؛ ما لم يقم على أساسهما منهج ونظام وشريعة تطبق عمليا في حياة الناس ؛ ويؤخذ الناس بها بحكم القانون والسلطان ؛ ويؤاخذ الناس على مخالفتها ، ويؤخذون بالعقوبات .
والحياة البشرية لا تستقيم إلا إذا تلقت العقيدة والشعائر والشرائع من مصدر واحد ؛ يملك السلطان على الضمائر والسرائر ، كما يملك السلطان على الحركة والسلوك . ويجزي الناس وفق شرائعة في الحياة الدنيا ، كما يجزيهم وفق حسابة في الحياة الآخرة .
فأما حين تتوزع السلطة ، وتتعدد مصادر التلقي . . حين تكون السلطة لله في الضمائر والشعائر بينما السلطة لغيره في الانظمة والشرائع . . وحين تكون السلطة لله في جزاء الآخرة بينما السلطة لغيره في عقوبات الدنيا . . حينئذ تتمزق النفس البشرية بين سلطتين مختلفتين ، وبين اتجاهين مختلفين ، وبين منهجين مختلفين . . وحينئذ تفسد الحياة البشرية ذلك الفساد الذي تشير إليه آيات القرآن في مناسبات شتى : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) . . ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ) . . ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) . .
من أجل هذا جاء كل دين من عند الله ليكون منهج حياة . وسواء جاء هذا الدين لقرية من القرى ، أو لأمة من الأمم ، أو للبشرية كافة في جميع أجيالها ، فقد جاء ومعه شريعة معينة لحكم واقع الحياة ، إلى جانب العقيدة التي تنشى ء التصور الصحيح للحياة ، إلى جانب الشعائر التعبدية التي تربط القلوب بالله . . وكانت هذه الجوانب الثلاثة هي قوام دين الله . حيثما جاء دين من عند الله . لأن الحياة البشرية لا تصلح ولا تستقيم إلا حين يكون دين الله هو منهج الحياة .
وفي القرآن الكريم شواهد شتى على احتواء الديانات الأولى ، التي ربما جاءت لقرية من القرى ، أو لقبيلة من القبائل على هذا التكامل ، في الصورة المناسبة للمرحلة التي تمر بها القرية أو القبيلة . . وهنا يعرض هذا التكامل في الديانات الثلاث الكبرى . . اليهودية ، والنصرانية ، والإسلام . .
ويبدأ بالتوراة في هذه الآيات التي نحن بصددها في هذه الفقرة :
( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ) :
فالتوراة - كما أنزلها الله - كتاب الله الذي جاء لهداية بني إسرائيل ، وإنارة طريقهم إلى الله . وطريقهم في الحياة . . وقد جاءت تحمل عقيدة التوحيد . وتحمل شعائر تعبدية شتى . وتحمل كذلك شريعة :
( يحكم بها النبيون الذين أسلموا ، للذين هادوا ، والربانيون والأحبار ، بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ) .
أنزل الله التوراة لا لتكون هدى ونورا للضمائر والقلوب بما فيها من عقيدة وعبادات فحسب . ولكن كذلك لتكون هدى ونورا بما فيها من شريعة تحكم الحياة الواقعية وفق منهج الله ، وتحفظ هذه الحياة في إطار هذا المنهج . ويحكم بها النبيون الذين أسلموا أنفسهم لله ؛ فليس لهم في أنفسهم شيء ؛ إنما هي كلها لله ؛ وليست لهم مشيئة ولا سلطة ولا دعوى في خصيصة من خصائص الألوهية - وهذا هو الإسلام في معناه الأصيل - يحكمون بها للذين هادوا - فهي شريعتهم الخاصة نزلت لهم في حدودهم هذه وبصفتهم هذه - كما يحكم بها لهم الربانيون والأحبار ؛ وهم قضاتهم وعلماؤهم . وذلك بما أنهم قد كلفوا المحافظة على كتاب الله ، وكلفوا أن يكونوا عليه شهداء ، فيؤدوا له الشهادة في أنفسهم ، بصياغة حياتهم الخاصة وفق توجيهاته ، كما يؤدوا له الشهادة في قومهم بإقامة شريعته بينهم .
وقبل أن ينتهي السياق من الحديث عن التوراة ، يلتفت إلى الجماعة المسلمة ، ليوجهها في شأن الحكم بكتابالله عامة ، وما قد يعترض هذا الحكم من شهوات الناس وعنادهم وحربهم وكفاحهم ، وواجب كل من استحفظ على كتاب الله في مثل هذا الموقف ، وجزاء نكوله أو مخالفته :
( فلا تخشوا الناس واخشون ؛ ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) . .
ولقد علم الله - سبحانه - أن الحكم بما أنزل الله ستواجهه - في كل زمان وفي كل أمة - معارضة من بعض الناس ؛ ولن تتقبله نفوس هذا البعض بالرضى والقبول والاستسلام . . ستواجهه معارضة الكبراء والطغاة وأصحاب السلطان الموروث . ذلك أنه سينزع عنهم رداء الألوهية الذي يدعونه ؛ ويرد الألوهية لله خالصة ، حين ينزع عنهم حق الحاكمية والتشريع والحكم بما يشرعونه هم للناس مما لم يأذن به الله . . وستواجهة معارضة أصحاب المصالح المادية القائمة على الاستغلال والظلم والسحت . ذلك أن شريعة الله العادلة لن تبقي على مصالحهم الظالمة . . وستواجهه معارضة ذوي الشهوات والأهواء والمتاع الفاجر والانحلال . ذلك أن دين الله سيأخذهم بالتطهر منها وسيأخذهم بالعقوبة عليها . . وستواجهه معارضة جهات شتى غير هذه وتيك وتلك ؛ ممن لا يرضون أن يسود الخير والعدل والصلاح في الأرض .
علم الله - سبحانه - أن الحكم بما أنزل ستواجهه هذه المقاومة من شتى الجبهات ؛ وأنه لا بد للمستحفظين عليه والشهداء أن يواجهوا هذه المقاومة ؛ وأن يصمدوا لها ، وإن يحتملوا تكاليفها في النفس والمال . . فهو يناديهم :
( فلا تخشوا الناس واخشون ) . .
فلا تقف خشيتهم للناس دون تنفيذهم لشريعة الله . سواء من الناس أولئك الطغاة الذين يأبون الاستسلام لشريعة الله ، ويرفضون الإقرار - من ثم - يتفرد الله - سبحانه - بالألوهية . أو أولئك المستغلون الذين تحول شريعة الله بينهم وبين الاستغلال وقد مردوا عليه . أو تلك الجموع المضللة او المنحرفة أو المنحلة التي تستثقل أحكام شريعة الله وتشغب عليها . . لا تقف خشيتهم لهؤلاء جميعا ولغيرهم من الناس دون المضي في تحكيم شريعة الله في الحياة . فالله - وحده - هو الذي يستحق أن يخشوة . والخشية لا تكون إلا لله . .
كذلك علم الله - سبحانه - أن بعض المستحفظين على كتاب الله المستشهدين ؛ قد تراودهم أطماع الحياة الدنيا ؛ وهم يجدون أصحاب السلطان ، وأصحاب المال ، وأصحاب الشهوات ، لا يريدون حكم الله فيملقون شهوات هؤلاء جميعا ، طمعا في عرض الحياة الدنيا - كما يقع من رجال الدين المحترفين في كل زمان وفي كل قبيل ؛ وكما كان ذلك واقعا في علماء بني إسرائيل .
( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلًا ) . .
وذلك لقاء السكوت ، أو لقاء التحريف ، أو لقاء الفتاوي المدخولة !
وكل ثمن هو في حقيقته قليل . ولو كان ملك الحياة الدنيا . . فكيف وهو لا يزيد على أن يكون رواتب ووظائف وألقابا ومصالح صغيرة ؛ يباع بها الدين ، وتشترى بها جهنم عن يقين ؟ !
إنه ليس أشنع من خيانة المستأمن ؛ وليس أبشع من تفريط المستحفظ ؛ وليس أخس من تدليس المستشهد . والذين يحملون عنوان : " رجال الدين " يخونون ويفرطون ويدلسون ، فيسكتون عن العمل لتحكيم ما أنزل الله ، ويحرفون الكلم عن مواضعه ، لموافأة أهواء ذوي السلطان على حساب كتاب الله . .
بهذا الحسم الصارم الجازم . وبهذا التعميم الذي تحمله ( من ) الشرطية وجملة الجواب . بحيث يخرج من حدود الملابسة والزمان والمكان ، وينطلق حكما عاما ، على كل من لم يحكم بما أنزل الله ، في أي جيل ، ومن أي قبيل . .
والعلة هي التي أسلفنا . . هي أن الذي لا يحكم بما أنزل الله ، إنما يرفض ألوهية الله . فالألوهية من خصائصها ومن مقتضاها الحاكمية التشريعية . ومن يحكم بغير ما أنزل الله ، يرفض ألوهية الله وخصائصها في جانب ، ويدعي لنفسه هو حق الألوهية وخصائصها في جانب آخر . . وماذا يكون الكفر إن لم يكن هو هذا وذاك ؟ وما قيمة دعوى الإيمان أو الإسلام باللسان ، والعمل - وهو أقوى تعبيرا من الكلام - ينطق بالكفر أفصح من اللسان ؟ !
إن المماحكة في هذا الحكم الصارم الجازم العام الشامل ، لا تعني إلا محاولة التهرب من مواجهة الحقيقة . والتأويل والتأول في مثل هذا الحكم لا يعني إلا محاولة تحريف الكم عن مواضعه . . وليس لهذه المماحكة من قيمة ولا أثر في صرف حكم الله عمن ينطبق عليهم بالنص الصريح الواضح الأكيد .
قوله تعالى : " إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور " أي بيان وضياء وتعريف أن محمدا صلى الله عليه وسلم حق . " هدى " في موضع رفع بالابتداء " ونور " عطف عليه . " يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا " قيل : المراد بالنبيين محمد صلى الله عليه وسلم ، وعبر عنه بلفظ الجمع . وقيل : كل من بعث من بعد موسى بإقامة التوراة ، وأن اليهود قالت : إن الأنبياء كانوا يهودا . وقالت النصارى : كانوا نصارى ، فبين الله عز وجل كذبهم . ومعنى " أسلموا " صدقوا بالتوراة من لدن موسى إلى زمان{[5622]} عيسى عليهما السلام وبينهما ألف نبي ، ويقال : أربعة آلاف . ويقال : أكثر من ذلك ، كانوا يحكمون بما في التوراة . وقيل : معنى " أسلموا " خضعوا وانقادوا لأمر الله فيما بعثوا به . وقيل : أي يحكم بها النبيون الذين هم على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم والمعنى واحد . و " الذين أسلموا " ههنا نعت فيه معنى المدح مثل " بسم الله الرحمن الرحيم " . " هادوا " أي تابوا من الكفر . وقيل : فيه تقديم وتأخير ، أي إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون والربانيون والأحبار ، أي يحكم بها الربانيون وهم الذين يسوسون الناس بالعلم ويربونهم بصغاره قبل كباره ، عن ابن عباس وغيره . وقد تقدم في آل عمران{[5623]} . وقال أبو رزين : الربانيون العلماء الحكماء والأحبار . قال ابن عباس : هم الفقهاء : والحبر والحبر الرجل العالم وهو مأخوذ من التحبير وهو التحسين ، فهم يحبرون العلم أي يبينونه ويزينونه ، وهو محبر في صدورهم . قال مجاهد : الربانيون فوق العلماء . والألف واللام للمبالغة . قال الجوهري : والحِبر والحَبر واحد أحبار اليهود ، وبالكسر أفصح ؛ لأنه يجمع على أفعال دون{[5624]} الفعول . قال الفراء : هو حِبر بالكسر يقال ذلك للعالم . وقال الثوري : سألت الفراء لم سمي الحبر حبرا ؟ فقال : يقال للعالم حبر وحبر فالمعنى مداد حبر ثم حذف كما قال : " واسأل القرية " {[5625]} [ يوسف : 82 ] أي أهل القرية . قال : فسألت الأصمعي فقال ليس هذا بشيء ، إنما سمي حبرا لتأثيره ، يقال : على أسنانه حبر{[5626]} أي صفرة أو سواد . وقال أبو العباس : سمي الحبر الذي يكتب به حبرا لأنه يحبر به أي يحقق به . وقال أبو عبيد : والذي عندي في واحد الأحبار الحبر بالفتح ومعناه العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه . قال : وهكذا يرويه المحدثون كلهم بالفتح ، والحبر الذي يكتب به وموضعه المحبرة بالكسر . والحبر أيضا الأثر والجمع حبور ، عن يعقوب .
" بما استحفظوا من كتاب الله " أي استودعوا من علمه . والباء متعلقة " الربانيين والأحبار " كأنه قال : والعلماء بما استحفظوا . أو تكون متعلقة ب " يحكم " أي يحكمون بما استحفظوا . " وكانوا عليه شهداء " أي على الكتاب بأنه من عند الله . ابن عباس : شهداء على حكم النبي صلى الله عليه وسلم أنه في التوراة . " فلا تخشوا الناس " أي في إظهار صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وإظهار الرجم . " واخشون " أي في كتمان ذلك ؛ فالخطاب لعلماء اليهود . وقد يدخل بالمعنى كل من كتم حقا وجب عليه ولم يظهره . وتقدم معنى " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " مستوفى{[5627]} .
قوله تعالى : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " و " الظالمون " و " الفاسقون " نزلت كلها في الكفار ، ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء ، وقد تقدم . وعلى هذا المعظم ، فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة . وقيل : فيه إضمار ، أي ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن ، وجحدا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر ، قاله ابن عباس ومجاهد ، فالآية عامة على هذا . قال ابن مسعود والحسن : هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له ، فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساق المسلمين ، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له . وقال ابن عباس في رواية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار . وقيل : أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ، فأما من حكم بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية ، والصحيح الأول ، إلا أن الشعبي قال : هي في اليهود خاصة ، واختاره النحاس ، قال : ويدل على ذلك ثلاثة أشياء : منها أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله : " للذين هادوا " ؛ فعاد الضمير عليهم ، ومنها أن سياق الكلام يدل على ذلك ، ألا ترى أن بعده " وكتبنا عليهم " فهذا الضمير لليهود بإجماع ، وأيضا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص . فإن قال قائل : " من " إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها ؟ قيل له : " من " هنا بمعنى الذي مع ما ذكرناه من الأدلة ، والتقدير : واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، فهذا من أحسن ما قيل في هذا ، ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات أهي في بني إسرائيل ؟ قال : نعم هي فيهم ، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل . وقيل : " الكافرون " للمسلمين ، و " الظالمون " لليهود ، و " الفاسقون " للنصارى ؛ وهذا اختيار أبي بكر بن العربي ، قال : لأنه ظاهر الآيات . وهو اختيار ابن عباس وجابر بن زيد وابن أبي زائدة وابن شبرمة والشعب أيضا . قال طاوس وغيره : ليس بكفر ينقل عن الملة ، ولكنه كفر دون كفر{[5628]} ، وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله ، فهو تبديل له يوجب الكفر ، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين . قال القشيري : ومذهب الخوارج أن من ارتشى وحكم بغير حكم الله فهو كافر ، وعزي هذا إلى الحسن والسدي . وقال الحسن أيضا : أخذ الله عز وجل على الحكام ثلاثة أشياء : ألا يتبعوا الهوى ، وألا يخشوا الناس ويخشوه ، وألا يشتروا بآياته ثمنا قليلا .
قوله تعالى : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بئايتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } أنزل الله التوراة هدى لبني إسرائيل ، أي ترشيد لهم بما يدلهم على طرق السعادة والنجاة ويبين لهم الأحكام والشرائع والتكاليف . وكذلك أنزلها لهم نورا ، أي ضياء يكشف ما تشابه عليهم . وقيل : بيان بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم حق .
قوله : { يحكم بها النبيئون الذين أسلموا } الجملة حال من التوراة . وقيل الجملة مستأنفة مبينة لشأن التوراة وسمو رتبتها . والمراد بالنبيين هنا ، النبيون من لدن موسى إلى عيسى المسيح عليهم الصلاة والسلام ، وكان بين الاثنين ألف نبي .
وقيل : أربعة آلاف نبي . وقيل : المراد بهم هذا الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم ومن قبله من أنبياء بني إسرائيل . ويقتضي هذا التأويل أن يكون شرع من قبلنا شرعا لنا ما لم ينسخ .
قوله : { الذين أسلموا } أي استسلموا وانقادوا لأمر الله ، امتثالا لما كلفهم به . والإسلام لفظ عام معناه الخضوع والإذعان لأوامر الله والانقياد للتكاليف والأحكام الشرعية . فلا جرم أن يتناول مضمون الإسلام سائر النبيين والمرسلين من لدن آدم حتى النبي الخاتم عليهم الصلاة والسلام .
وقوله : { للذين هادوا } أي تابوا من الكفر . وهم اليهود .
والتقدير ، أن النبيين من بعد موسى – وكلهم على ملة الإسلام بما يعنيه الإسلام من خضوع وامتثال واستسلام لأمر الله – كانوا يحكمون بالتوراة فيما بين اليهود فلا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها أيما تحريف .
قوله : { والربانيون والأحبار } معطوف على { النبيون } . وذلك في الحكم بأحكام التوراة وحمل الناس على العمل بها . والربانيون بمعنى العلماء والحكماء وقيل : العلماء والفقهاء وهم فوق الأحبار . وقيل : هم الذين يسوسون الناس بالعلم . وهو قول ابن عباس وغيره .
أما الأحبار ، فهم الفقهاء والمفرد بكسر الحاء . وسمي بذلك من أجل الحبر الذي يكتب فيه . وقيل : حبر بكسر الحاء وفتحها . وقيل : أصله من التحبير ، أي التزيين والتحسين . فالأحبار يحبرون العلم أي يبينوه ويزينوه . والمراد بذلك أحبار اليهود{[976]} .
قوله : { بما استحفظوا من كتاب الله } أي بالذي استحفظوه من النبيين وهي التوراة . فقد سألهم النبيون أن يحفظوها من التغيير والتبديل ، وأن يعملوا بأحكامها كاملة دون انتقاص . ويدل ذلك على استخلاف النبيين للعلماء والفقهاء في أداء هذه الأمانة التي أودعوها . قال ابن جرير الطبري في تأويل ذلك : وأما قوله : { بما استحفظوا من كتب الله } فإن معناه : يحكم النبيون الذين أسلموا بحكم التوراة والربانيون والأحبار يعني العلماء بما استودعوا علمه من كتاب الله الذي هو التوراة .
قوله : { وكانوا عليه شهداء } أي أن هؤلاء النبيين والربانين والأحبار كانوا شهداء على أن كل ما في التوراة حق وصدق وهو من عند الله . فهم رقباء على كتاب الله ( التوراة ) يحمونه من التغيير والتبديل .
قوله : { فلا تخشوا الناس واخشون } ذلك تحذير من الله للحكام والعلماء ونهي لهم أن يخشوا غير الله فيجوروا في أقضيتهم وأحكامهم ، ويمضوها على خلاف ما أمروا به من الحق والعدل خشية من سلطان أو ظالم أو خوفا من أذى يحيق بهم أو تحرجا من لوم لائم من قريب أو صديق بل عليهم أن يخشوا الله وحده في ذلك كله فلا يميلوا أو يزيغوا وأن يظلوا على تخوف من الله وحده دون سواه ، فهو الأجدر أن يخافه الناس وأن يرهبوه ، فإن بيده مقاليد كل شيء وهو القاهر فوق عباده وهو المقتدر على فعل كل شيء كإعزاز المؤمنين الثابتين على الحق وقصم الجبارين والطغاة والمضلين .
قال الرازي في هذا المعنى : والمعنى إياكم أن تحرفوا كتابي للخوف من الناس والملوك والأشراف فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم وتستخرجوا الحيل في سقوط تكاليف الله تعالى عنهم . فلا تكونوا خائفين من الناس ، بل كونوا خائفين مني ومن عقابي .
قوله : { ولا تشتروا بئاياتي ثمنا قليلا } أي إياكم أن تستبدلوا أو تستعيضوا عن آياتي وهي أحكامي وشرائعي التي فرضتها عليكم ، بالثمن المهين البخس من محقرات الدنيا وخسائسها ومغرياتها كالرشوة والجاه ورضا الناس وغير ذلك من متاع الحياة الفانية ، كالذي فعله أحبار يهود في كتمانهم التوراة ، إذ حرفوها تحريفا وغيروا أحكامها ومعانيها تغييرا يناسب أهواءهم ورغبتهم في الدنيا بما فيها من زخرف وغرور{[977]} .
قوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون } جاء في تأويل هذه الآية عدة أقوال ، منها : أن هذه نزلت في اليهود فتكون مختصة بهم دون غيرهم وهذا القول ضعيف ، لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
ومنها : أن المراد ليس كفرا ينقل عن الملة كمن يكفر بالله واليوم الآخر . فكأنهم بذلك حملوا الآية على كفر النعمة لا على كفر الدين . وهذا ضعيف أيضا ، لأن لفظ الكفر إذا أطلق انصرف إلى الكفر في الدين .
ومنها : أن من لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار ويشبه بذلك الكافرين . وهذا ضعيف كذلك ، لأنه مخالف لظاهر الآية .
ومنها وهو الذي نختاره ونرى أنه الصحيح : أن قوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكفرون } تأويله أن من جحد ما أنزل الله فقد كفر . ومن أقر بما أنزل الله فهو ظالم فاسق وليس كافرا . فالمعنى يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه . أما من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه أنه حكم الله كذلك ، لكنه أتى بما يخالفه فهو حاكم بما أنزل الله إلا أنه تارك له . فلا يلزم دخوله في زمرة الكافرين بل الفاسقين الظالمين . وبعبارة أخرى فإن المصدق لشريعة الله المقر بها إقرارا والمستيقن أنها من عند الله ، وأنها صالحة للناس لكنه عمل بخلافها فهو ليس كافرا ولكنه مندرج في أفواج الفاسقين الخارجين عن منهج الله . أو الظالمين الذين بدلوا شريعة الله ليحلوا مكانها شريعة غيرها . لا جرم أن أولئك عصاة خاطئون وإن كانوا غير كافرين .
قال ابن عباس : في الآية إضمار . أي ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن وجحدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر .
قال ابن مسعود والحسن في ذلك : هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له . فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساق المسلمين ، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له{[978]} .