قوله تعالى : " فاليوم ننجيك ببدنك " أي نلقيك على نجوة من الأرض . وذلك أن بني إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون غرق ، وقالوا : هو أعظم شأنا من ذلك ، فألقاه الله على نجوة من الأرض ، أي مكان مرتفع من البحر حتى شاهدوه قال أوس بن حجر يصف مطرا :
فمن بعَقْوتِه كمن بنَجْوَتِه *** والمستكنُّ كمن يمشي بقِرْوَاحِ{[8576]}
وقرأ اليزيدي وابن السميقع " ننحيك " بالحاء من التنحية ، وحكاها علقمة عن ابن مسعود ، أي تكون على ناحية من البحر . قال ابن جريج : فرمي به على ساحل البحر حتى رآه بنو إسرائيل ، وكان قصيرا أحمر كأنه ثور . وحكى علقمة عن عبدالله أنه قرأ " بندائك " من النداء . قال أبو بكر الأنباري : وليس بمخالف لهجاء مصحفنا ، إذ سبيله أن يكتب بياء وكاف بعد الدال ؛ لأن الألف تسقط من ندائك في ترتيب خط المصحف كما سقط من الظلمات والسماوات ، فإذا وقع بها الحذف استوى هجاء بدنك وندائك ، على أن هذه القراءة مرغوب عنها لشذوذها وخلافها ما عليه عامة المسلمين ، والقراءة سنة يأخذها آخر عن أول ، وفي معناها نقص عن تأويل قراءتنا ، إذ ليس فيها للدرع ذكره الذي تتابعت الآثار بأن بني إسرائيل اختلفوا في غرق فرعون ، وسألوا الله تعالى ، أن يريهم إياه غريقا فألقوه على نجوة من الأرض ببدنه وهو درعه التي يلبسها في الحروب . قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي : وكانت درعه من لؤلؤ منظوم . وقيل : من الذهب وكان يعرف بها . وقيل : من حديد ، قاله أبو صخر : والبدن الدرع القصيرة . وأنشد أبو عبيدة للأعشى :
وبيضاء كالنِّهْي موضُونة*** لها قَوْنَسٌ فوق جيب البدن{[8577]}
وأنشد أيضا لعمرو بن معد يكرب :
ومضى نساؤهم بكل مُفَاضَةٍ*** جدلاء سابغةٍ وبالأبدان{[8578]}
ترى الأبدان فيها مسبغات*** على الأبطال واليَلَبِ الحصينا
أراد بالأبدان الدروع واليلب الدروع اليمانية ، كانت تتخذ من الجلود يخرز بعضها إلى بعض ، وهو اسم جنس ، الواحد يلبة . قال عمرو بن كلثوم :
علينا البيض واليلب اليماني*** وأسياف يقمن وينحنينا
وقيل " ببدنك " بجسد لا روح فيه ، قاله مجاهد . قال الأخفش : وأما قول من قال بدرعك فليس بشيء . قال أبو بكر : لأنهم لما ضرعوا إلى الله يسألونه مشاهدة فرعون غريقا أبرزه لهم فرأوا جسدا لا روج فيه ، فلما رأته بنو إسرائيل قالوا نعم ! يا موسى هذا فرعون وقد غرق ، فخرج الشك من قلوبهم وابتلع البحر فرعون كما كان . فعلى هذا " ننجيك ببدنك " احتمل معنيين : أحدهما - نلقيك على نجوة من الأرض . والثاني - نظهر جسدك الذي لا روح فيه . والقراءة الشاذة " بندائك " يرجع معناها إلى معنى قراءة الجماعة ؛ لأن النداء يفسر تفسيرين : أحدهما - نلقيك بصياحك بكلمة التوبة ، وقولك بعد أن أغلق بابها ومضى وقت قبولها : " آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين " [ يونس : 90 ] على موضع رفيع . والآخر - فاليوم نعزلك عن غامض البحر بندائك لما قلت أنا ربكم الأعلى ، فكانت تنجيته بالبدن معاقبة من رب العالمين له على ما فرط من كفره الذي منه نداؤه الذي افترى فيه وبهت ، وادعى القدرة والأمر الذي يعلم أنه كاذب فيه وعاجز عنه وغير مستحق له . قال أبو بكر الأنباري : فقراءتنا تتضمن ما في القراءة الشاذة من المعاني وتزيد عليها .
قوله تعالى : " لتكون لمن خلفك آية " أي لبني إسرائيل ولمن بقي من قوم فرعون ممن لم يدركه الغرق ولم ينته إليه هذا الخبر . " وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون " أي معرضون عن تأمل آياتنا والتفكر فيها . وقرئ " لمن خلفك " ( بفتح اللام ) ، أي لمن بقي بعدك يخلفك في أرضك . وقرأ علي بن أبي طالب " لمن خلقك " بالقاف ، أي تكون آية لخالقك .
ثم أكده - بدل شماتة الأعداء به{[38402]} الذين كانوا عنده أقل شيء وأحقره - بقوله مسبباً عما تضمنه ذلك الإنكار من الإذلال بالإهلاك إشارة إلى أن الماء أحاط به وصار يرتفع قليلاً قليلاً{[38403]} حتى امتد زمن التوبيخ : { فاليوم ننجيك } أي تنجية عظيمة . ولما كان ذلك ساراً وكانت المساءة بما يفهم السرور إنكاء ، قال دالاً على أن ذلك يعد نزع روحه : { ببدنك } أي من غير روح وهو كامل لم ينقص منه شيء حتى لا يدخل في معرفتك لبس { لتكون } أي كوناً هو في غاية الثبات { لمن خلفك } أي يتأخر عنك في الحياة من بني إسرائيل و{[38404]} غيرهم { آية } في{[38405]} أنك عبد{[38406]} ضعيف حقير ، لست برب فضلاً عن أن تكون أعلى ويعرفوا{[38407]} أن من عصى{[38408]} الملك أخذ وإن كان أقوى{[38409]} الناس ، وأكثرهم جنوداً ، وقد ادعى بعض الملحدين إيمانه بهذه الآية إرادة لما يعيذ الله منه من حل{[38410]} العقد الواجب من أن فرعون من أكفر الكفرة بإجماع أهل الملل ليهون للناس الاجتراء على المعاصي ، وادعى أنه لا نص في القرآن على أنه من أهل النار وضل عن الصرائح التي في القرآن في ذلك في غير موضع وعن أن قوله تعالى :
وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين }{[38411]}[ يونس : 83 ] مع قوله تعالى :{ وأن المسرفين هم أصحاب النار }{[38412]}[ غافر : 43 ] قياس قطعي الدلالة بديهي النص على أنه من أهل النار ، والآية - كما ترى - دليل على قوله : { قل أرأيتم{[38413]} إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً } - الآية ، لو كان فرعون مثل قريش ، فكيف ولا نسبة لهم منه في شدة الاستكبار التابعة لكثرة{[38414]} الجموع ونفوذ الكلمة بضخامة الملك وعز السلطان والقوة بالأموال والأعوان ، وقد روي أن جبريل عليه السلام كان أتاه{[38415]} بفتيا في عبد نشأ في نعمة{[38416]} سيده فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه ، فكتب فرعون جزاء العبد الخارج عن{[38417]} طاعة{[38418]} سيده الكافر نعماءه أن يغرق في البحر ، فلما ألجمه الغرق ناوله جبريل عليه السلام خطه فعرفه .
ولما لم يعمل فرعون وآله بمقتضى ما رأوا من الآيات ، كان حكمهم حكم الغافلين عنها ، فكان التقدير : و{[38419]} لقد غفلوا عما جاءهم من الآيات { وإن كثيراً } أكده لأن مثله ينبغي - لبعده عن الصواب - أن لا يصدق أن أحداً يقع فيه { من الناس } أي وهم من لم يصل إلى حد{[38420]} أول أسنان أهل الإيمان لما عندهم من النوس - وهو الاضطراب - والأنس بأنفسهم { عن آياتنا } أي على ما لها من العظمة { لغافلون } والإصلاح : تقويم العمل على ما ينفع بدلاً مما يضر ؛ وإحقاق الحق : إظهاره وتمكينه بالدلائل الواضحة حتى يرجع الطاعن عنه حسيراً والمناصب له مفلولاً{[38421]} ؛ والإسراف{[38422]} : الإبعاد في مجاوزة الحق ؛ والفتنة : البلية ، وهي معاملة تظهر الأمور الباطنة ؛ والنجاة : الخلاص مما فيه المخافة ، ونظيرها{[38423]} السلامة ، وعلقوا النجاة بالرحمة لأنها إنعام على المحتاج بما تطلع إليه نفوس العباد ، فهو على أوكد ما يكون من الدعاء إلى الصلاح ؛ والوحي : إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء ، والإيحاء والإيماء والإشارة نظائر ، ولا يجوز أن تطلق الصفة بالوحي إلا لنبي ؛ وتبوأ{[38424]} : اتخذ ، وأصله الرجوع ، فالمتبوأ : المنزل ، لأنه يرجع إليه للمقام فيه : والطمس : محو الأثر فهو تغير إلى الدثور والدروس ؛ والإجابة : موافقة الدعوة فيما طلب بها لوقوعها على تلك الصفة ؛ والدعوة : طلب الفعل بصيغة الأمر ، وقد تكون بالماضي ؛ والمجاوزة : الخروج عن الحد من إحدى{[38425]} الجهات ؛ والبحر : مستقر الماء الواسع بحيث لا يدرك طرفيه من كان في وسطه ، وهو مأخوذ من الاتساع ؛ والاتباع : اللحاق بالأول ؛ والبغي : طلب الاستعلاء بغير حق ؛ والآن : فصل{[38426]} الزمانين الماضي والمستقبل ، ومع أنه إشارة إلى الحاضر ، ولهذا بنى كما بنى " ذا " ؛ والبدن : مسكن روح الحيوان على صورته .