في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ} (76)

54

كل هذا الحوار كان على منظر ومسمع من يوسف . فأمر بالتفتيش . وأرشدته حصافته إلى أن يبدأ برحالهم قبل رحل أخيه . كي لا يثير شبهة في نتيجة التفتيش :

( فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه ) !

ويدعنا السياق نتصور الدهشة بالمفاجأة العنيفة لأبناء يعقوب الموقنين ببراءتهم ، الحالفين ، المتحدين . . فلا يذكر شيئا عن هذا ، بل يتركه يتملاه الخيال على الصورة التي تكمل رسم المشهد بانفعالاته . . بينما يأخذ في التعقيب ببعض مرامي القصة ، ريثما يفيق النظارة وأبناء يعقوب مما هم فيه :

( كذلك كدنا ليوسف ) . .

أي كذلك دبرنا له هذا التدبير الدقيق .

( ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ) . .

فلو حكم شريعة الملك ما تمكن من أخذ أخيه ، إنما كان يعاقب السارق على سرقته ، دون أن يستولي على أخيه كما استولى عليه بتحكيم إخوته لدينهم هم . وهذا هو تدبير الله الدي ألهم يوسف أسبابه . وهو كيد الله له . والكيد يطلق على التدبير في الخفاء للخير أو للشر سواء . وإن كان الشر قد غلب عليه . وظاهر الأمر هنا أنه شر يحل بأخيه وهو شر يحل بإخوته لإحراجهم أمام أبيه . وهو سوء - ولو مؤقتا - لأبيه . فلهذا اختار تسميته كيدا على إجمال اللفظ وبالإلماع إلى ظاهره . وهو من دقائق التعبير .

( ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ) . . ( إلا أن يشاء الله ) . .

فيدبر مثل هذا التدبير الذي رأيناه .

ويتضمن التعقيب الإشارة إلى ما ناله يوسف من رفعة :

( نرفع درجات من نشاء ) . .

وإلى ما ناله من علم ، مع التنبيه إلى أن علم الله هو الأعلى :

( وفوق كل ذي علم عليم ) . .

وهو احتراس لطيف دقيق .

ولا بد أن نقف أمام التعبير القرآني الدقيق العميق :

( كذلك كدنا ليوسف . . ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك . . . ) . .

إن هذا النص يحدد مدلول كلمة " الدين " - في هذا الموضع - تحديدا دقيقا . . إنه يعني : نظام الملك وشرعه . . فإن نظام الملك وشرعه ما كان يجعل عقوبة السارق هو أخذه في جزاء سرقته . إنما هذا كان نظام يعقوب وشريعة دينه . وقد ارتضى إخوة يوسف تحكيم نظامهم هم وشريعتهم ؛ فطبقها يوسف عليهم عندما وجد صواع الملك في رحل أخيه . . وعبر القرآن الكريم عن النظام والشريعة بأنها " الدين " . .

هذا المدلول القرآني الواضح هو الذي يغيب في جاهلية القرن العشرين عن الناس جميعا . سواء منهم من يدعون أنفسهم مسلمين وغيرهم من الجاهلين !

إنهم يقصرون مدلول " الدين " على الاعتقاد والشعائر . . ويعدون كل من يعتقد في وحدانية الله وصدق رسوله ويؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ؛ ويؤدي الشعائر المكتوبة . . . داخلا في " دين الله " مهما تكن دينونته بالطاعة والخضوع وإقراره بالحاكمية لغير الله من الأرباب المتفرقة في

الأرض . . بينما النص القرآني هنا يحدد مدلول " دين الملك " بانه نظام الملك وشريعته . وكذلك " دين الله " فهو نظامه وشريعته . .

إن مدلول " دين الله " قد هزل وانكمش حتى صار لا يعني في تصور الجماهير الجاهلية إلا الاعتقاد والشعائر . . ولكنه لم يكن كذلك يوم جاء هذا الدين منذ آدم ونوح إلى محمد عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين .

لقد كان يعني دائما : الدينونة لله وحده ؛ بالتزام ما شرعه ، ورفض ما يشرعه غيره . وإفراده - سبحانه - بالألوهية في الأرض مثل إفراده بالألوهية في السماء ؛ وتقرير ربوبيته وحده للناس : أي حاكميته وشرعه وسلطانه وأمره . وكان مفرق الطريق دائما بين من هم في دين " الله " ومن هم في " دين الملك " أن الأولين يدينون لنظام الله وشرعه وحده ، وأن الآخرين يدينون لنظام الملك وشرعه . أو يشركون فيدينون لله في الاعتقاد والشعائر ، ويدينون لغير الله في النظام والشرائع !

وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة ، ومن بديهيات العقيدة الإسلامية تماما .

وبعض المترفقين بالناس اليوم يتلمسون لهم عذرا في أنهم يجهلون مدلول كلمة " دين الله " وهم من ثم لا يصرون ولا يحاولون تحكيم شريعة الله وحدها بوصفها هي " الدين " . وأن جهلهم هذا بمدلول الدين يعفيهم من أن يكونوا جاهليين مشركين !

وأنا لا أتصور كيف أن جهل الناس ابتداء بحقيقة هذا الدين يجعلهم في دائرة هذا الدين !

إن الاعتقاد بحقيقة فرع عن معرفتها . فإذا جهل الناس حقيقة عقيدة فكيف يكونون معتنقين لها ؟ وكيف يحسبون من أهلها وهم لا يعرفون ابتداء مدلولها ؟

إن هذا الجهل قد يعفيهم من حساب الآخرة ، أو يخفف عنهم العذاب فيها ؛ ويلقي بتبعاتهم وأوزارهم على كاهل من لا يعلمونهم حقيقة هذا الدين وهم يعرفونها . . ولكن هذه مسألة غيبية متروك أمرها لله ، والجدل في الجزاء الأخروي لأهل الجاهلية عامة ليس وراءه كبير طائل . وليس هو الذي يعنينا نحن البشر الذين ندعو إلى الإسلام في الأرض !

إن الذي يعنينا هو تقرير حقيقة الدين الذي فيه الناس اليوم . . إنه ليس دين الله قطعا . فدين الله هو نظامه وشرعه وفق النصوص القرآنية الصريحة . فمن كان في نظام الله وشرعه فهو في " دين الله " . ومن كان في نظام الملك وشرعه فهو في " دين الملك " . ولا جدال في هذا .

والذين يجهلون مدلول الدين لا يمكن أن يكونوا معتقدين بهذا الدين . لأن الجهل هنا وارد على أصل حقيقة الدين الأساسية . والجاهل بحقيقة هذا الدين الأساسية لا يمكن عقلا وواقعا أن يكون معتقدا به . إذ الاعتقاد فرع عن الإدراك والمعرفة . . وهذه بديهية . .

وخير لنا من أن ندافع عن الناس - وهم في غير دين الله - ونتلمس لهم المعاذير ، ونحاول أن نكون أرحم بهم من الله الذي يقرر مدلول دينه وحدوده ! . .

خير لنا من هذا كله أن نشرع في تعريف الناس حقيقة مدلول " دين الله " ليدخلوا فيه . . أو يرفضوه . .

هذا خير لنا وللناس أيضا . . خير لنا لأنه يعفينا من تبعة ضلال هؤلاء الجاهلين بهذا الدين ، الذين ينشأ عن جهلهم به عدم اعتناقه في الحقيقة . . وخير للناس لأن مواجهتهم بحقيقة ما هم عليه - وأنهم في دين الملكلا في دين الله - قد تهزهم هزة تخرجهم من الجاهلية إلى الإسلام ، ومن دين الملك إلى دين الله !

كذلك فعل الرسل - عليهم صلوات الله وسلامه - وكذلك ينبغي أن يفعل الدعاة إلى الله في مواجهة الجاهلية في كل زمان ومكان . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ} (76)

قوله تعالى : " فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه " إنما بدأ يوسف برحالهم لنفي التهمة والريبة من قلوبهم إن بدأ بوعاء أخيه . والوعاء يقال بضم الواو وكسرها ، لغتان : وهو ما يحفظ فيه المتاع ويصونه . " ثم استخرجها من وعاء أخيه " يعني بنيامين ، أي استخرج السقاية أو الصواع عند من يؤنث ، وقال : " ولمن جاء به " [ يوسف : 72 ] فذكر ، فلما رأى ذلك إخوته نكسوا رؤوسهم ، وظنوا الظنون كلها ، وأقبلوا عليه وقالوا ويلك يا بنيامين ! ما رأينا كاليوم قط ، ولدت أمك " راحيل " أخوين لصين ! قال لهم أخوهم : والله ما سرقته ، ولا علم لي بمن وضعه في متاعي . ويروى{[9209]} أنهم قالوا له : يا بنيامين ! أسرقت ؟ قال : لا والله ، قالوا : فمن جعل الصواع في رحلك ؟ قال : الذي جعل البضاعة في رحالكم . ويقال : إن المفتش كان إذا فرغ من رحل رجل استغفر الله عز وجل تائبا من فعله ذلك ، وظاهر كلام قتادة وغيره أن المستغفر كان يوسف ؛ لأنه كان يفتشهم ويعلم أين الصواع حتى فرغ منهم ، وانتهى إلى رحل بنيامين فقال : ما أظن هذا الفتى رضي بهذا ولا أخذ شيئا ، فقال له إخوته : والله لا نبرح حتى تفتشه ، فهو أطيب لنفسك ونفوسنا ، ففتش فأخرج السقاية ، وهذا التفتيش من يوسف يقتضي أن المؤذن سَرَّقهم برأيه ، فيقال : إن جميع ذلك كان أمر من الله تعالى ، ويقوي ذلك قوله تعالى : " كذلك كدنا ليوسف " . فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " كدنا " معناه صنعنا ، عن ابن عباس . القتبي : دبرنا . ابن الأنباري : أردنا ، قال الشاعر :

كَادَتْ وكدتُ وتلك خيرُ إرَادَةٍ *** لو عادَ من عهد الصِّبَا ما قد مضى

وفيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة ، ولا هدمت أصلا ، خلافا لأبي حنيفة في تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول ، وخرمت التحليل .

الثانية : أجمع العلماء على أن للرجل قبل حلول الحول التصرف في مال بالبيع والهبة إذا لم ينو الفرار من الصدقة ، وأجمعوا على أنه إذا حال الحول وأظل الساعي أنه لا يحل له التحيل ولا النقصان ، ولا أن يفرق بين مجتمع ، ولا أن يجمع بين متفرق . وقال مالك : إذا فوت{[9210]} من ماله شيئا ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر . أو نحوه لزمته الزكاة . عند الحول ، أخذا منه بقوله عليه السلام : ( خشية الصدقة ) . وقال أبو حنيفة : إن نوى بتفريقه{[9211]} الفرار من الزكاة قبل الحول بيوم لا يضره ؛ لأن الزكاة لا تلزم إلا بتمام الحول ، ولا يتوجه إليه معنى قوله : ( خشية الصدقة ) إلا حينئذ . قال ابن العربي : سمعت أبا بكر محمد بن الوليد الفهري وغيره يقول : كان شيخنا قاضي القضاة أبو عبدالله محمد بن علي الدامغاني صاحب عشرات الآلاف دينار{[9212]} من المال ، فكان إذا جاء رأس الحول دعا بنيه فقال لهم : كبرت سني ، وضعفت قوتي ، وهذا مال لا أحتاجه فهو لكم ، ثم يخرجه فيحمله الرجال على أعناقهم إلى دور بنيه ، فإذا جاء رأس الحول ودعا بنيه لأمر قالوا : يا أبانا ! إنما أملنا حياتك ، وأما المال فأي رغبة لنا فيه ما دمت حيا ، أنت ومالك لنا ، فخذه إليك ، ويسير الرجال به حتى يضعوه بين يديه ، فيرده إلى موضعه ، يريد بتبديل الملك إسقاط الزكاة على رأي أبي حنيفة في التفريق بين المجتمع ، والجمع بين المتفرق ، وهذا خطب عظيم وقد صنف البخاري رضي الله عنه في جامعه كتابا مقصودا فقال : " كتاب الحيل " .

قلت : وترجم فيه أبوابا منها : " باب الزكاة وألا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة " . وأدخل فيه حديث أنس بن مالك ، وأن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة ، وحديث طلحة بن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس . الحديث ، وفي آخره : ( أفلح إن صدق ) أو ( دخل الجنة إن صدق ) . وقال بعض الناس : في عشرين ومائة بعير حقتان ، فإن أهلكها متعمدا أو وهبها أو احتال فيها فرارا من الزكاة فلا شيء عليه ، ثم أردف بحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان ويقول أنا كنزك ) الحديث ، قال المهلب : إنما قصد البخاري في هذا الباب أن يعرفك أن كل حيلة يتحيل بها أحد في إسقاط الزكاة فإن إثم ذلك عليه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما منع من جمع الغنم وتفريقها خشية الصدقة فهم منه هذا المعنى ، وفهم من قوله : ( أفلح إن صدق ) أن من رام أن ينقض شيئا من فرائض الله بحيلة يحتالها أنه لا يفلح ، ولا يقوم بذلك عذره عند الله ، وما أجازه الفقهاء من تصرف صاحب المال في ماله قرب حلول الحول إنما هو ما لم يرد بذلك الهرب من الزكاة ، ومن نوى ذلك فالإثم عنه غير ساقط ، والله حسيبه ، وهو كمن فر من صيام رمضان قبل رؤية الهلال بيوم ، واستعمل سفرا لا يحتاج إليه رغبة عن فرض الله الذي كتبه الله على المؤمنين ، فالوعيد متوجه عليه ، ألا ترى عقوبة من منع الزكاة يوم القيامة بأي وجه متعمدا{[9213]} كيف تطؤه الإبل ، ويمثل له ماله شجاعا أقرع ! ؟ وهذا يدل على أن الفرار من الزكاة لا يحل ، وهو مطالب بذلك في الآخرة .

الثالثة : قال ابن العربي : قال بعض علماء الشافعية في قوله تعالى : " وكذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه " . دليل على وجه الحيلة إلى المباح ، واستخراج الحقوق ، وهذا وهم عظيم ، وقوله تعالى : " وكذلك كدنا ليوسف في الأرض " قيل فيه : كما مكنا ليوسف ملك نفسه عن امرأة العزيز مكنا له ملك الأرض عن العزيز ، أو مثله مما لا يشبه ما ذكره . قال الشفعوي : ومثله قوله عز وجل : " وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث{[9214]} " [ ص :44 ] وهذا ليس حيلة ، إنما هو حمل لليمين على الألفاظ أو على المقاصد . قال الشفعوي : ومثله حديث أبي سعيد الخدري في عامل خيبر أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر جنيب ، الحديث ، ومقصود الشافعية من هذا الحديث أنه عليه السلام أمره أن يبيع جمعا{[9215]} ويبتاع جنيبا من الذي باع منه الجمع أو من غيره . وقالت المالكية : معناه من غيره ؛ لئلا يكون جنيبا بجمع ، والدراهم ربا ، كما قال ابن عباس : جريرة بجريرة{[9216]} والدراهم ربا .

قوله تعالى : " في دين الملك " أي سلطانه ، عن ابن عباس ابن عيسى : عاداته ، أي يظلم بلا حجة . مجاهد : في حكمه ، وهو استرقاق السراق . " إلا أن يشاء الله " أي إلا بأن يشاء الله أن يجعل السقاية في رحله تَعِلَّةً وعذرا له . وقال قتادة : بل كان حكم الملك الضرب والغرم ضعفين ، ولكن شاء الله أن يجري على ألسنتهم حكم بني إسرائيل ، على ما تقدم .

قوله تعالى : " نرفع درجات من نشاء " أي بالعلم والإيمان . وقرئ " نرفع درجات من نشاء " بمعنى : نرفع من نشاء درجات ، وقد مضى في " الأنعام " {[9217]} وقوله : " وفوق كل ذي علم عليم " روى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : يكون ذا أعلم من ذا وذا أعلم من ذا ، والله فوق كل عالم . وروى سفيان عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير قال : كنا عند ابن عباس رحمه الله فتحدث بحديث فتعجب منه رجل فقال : سبحان الله ! وفوق كل ذي علم عليم ، فقال ابن عباس : بئس ما قلت ، الله العليم وهو فوق كل عالم .


[9209]:في ع: ويقال.
[9210]:في ع: فرق.
[9211]:في ع: بتفويته.
[9212]:من ع و ي.
[9213]:في ع و ي: بأي وجه منعها.
[9214]:راجع ج 15 ص 212.
[9215]:الجمع: تمر مختلط من أنواع متفرقة، وليس مرغوبا فيه.
[9216]:كذا في الأصل وفي "أحكام القرآن لابن العربي" ولعل العبارة كما في ع: حريرة بالمهملة.
[9217]:راجع ج 7 ص 30 فما بعدها.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ} (76)

{ فبدأ } أي فتسبب عن ذلك أنه بدأ المؤذن أو غيره ممن أمر بذلك { بأوعيتهم } .

ولما لم يكن - بين فتح أوعيتهم وفتح وعاء أخيه - فاصل يعد فاصلاً ، فكانت بداءته بأوعيتهم مستغرقة لما بينهما من الزمان ، لم يأت بجار ، فقال { قبل وعاء أخيه } أي أخي يوسف عليه الصلاة والسلام شقيقه ، إبعاداً عن التهمة { ثم } أي بعد تفتيش أوعيتهم والتأني في ذلك{[42275]} { استخرجها } أي أوجد إخراج السقاية{[42276]} التي تقدم أنه{[42277]} جعلها في وعاء أخيه { من وعاء أخيه } .

ولما كان هذا كيداً عظيماً في أخذ أخيه بحكمهم ، مع ما توثق منهم أبوهم ، عظمه تعالى بالإشارة إليه بأداة البعد والإسناد إليه فقال{[42278]} : { كذلك } أي مثل هذا الكيد العظيم { كدنا ليوسف } خاصة بأن علمناه إياه جزاء لهم على كيدهم بيوسف عليه الصلاة والسلام ، {[42279]} ولذلك صنعنا جميع الصنائع التي أعلت يوسف عليه الصلاة والسلام{[42280]} وألجأت إخوته الذين كادوه بما ظنوا أنه أبطل أمره إلى المجيء إليه إلى أن كان آخرها حكمهم على أنفسهم بما حكموا ، ثم علل ذلك بقوله : { ما كان } أو{[42281]} هو استئناف{[42282]} تفسير للكيد ، وأكد{[42283]} النفي باللام فقال : { ليأخذ أخاه } .

ولما كان الأخذ على جهات مختلفة ، قيده بقوله : { في دين الملك } يعني ملك مصر ، على حالة من الحالات ، لأن جزاء السارق عندهم غير هذا { إلا أن يشاء الله } أي الذي له الأمر كله ، ذلك بسبب يقيمه كهذا{[42284]} السبب الذي هو حكم السارق وأهله على أنفسهم ، فلا يكون حينئذ من الملك إلا تخليتهم{[42285]} وما حكموا به على نفوسهم .

ومادة " سرق " بتراكيبها الأربعة{[42286]} : سرق ، وسقر ، وقسر ، وقرس - تدور على الغلبة المحرقة والموجعة ، وتارة تكون بحر ، وتارة ببرد ، وتارة بغير ذلك ، وتلازمها القوة والضعف{[42287]} والكثرة والقلة والمخادعة ، فيأتي الخفاء{[42288]} والليل ، فمن مطلق الغلبة : القسر ، وهو الغلبة والقهر ، وقال ابن دريد : القسر{[42289]} : الأخذ بالغلبة والاضطهاد ، والقسورة{[42290]} : الأسد ، والعزيز{[42291]} كالقسور ، والرماة{[42292]} من الصيادين ، واحده قسور ، ونبات سهلي - كأنه يكثر فيه الصيد ، فتنتابه القساورة ، وقسور النبت{[42293]} : كثر ، و{[42294]} ركز الناس ، أي صوتهم الخفي{[42295]} وحسهم - لأن الصيادين يتخافتون ؛ والسقر لغة في الصقر - لطير{[42296]} يصيد ؛ وقسر : جبل السراة - كأنه موضع الصيد والقسر والغلبة ، والقيسري : الكثير{[42297]} - لأنه ملزوم للغلبة ، وضرب من الجعلان - كأنه سمي لمطلق الكثرة ولأذاه بما يعانيه من النجاسات ، والقيسري{[42298]} - أيضاً من الإبل : العظيم أو الصلب أو الضخم الشديد : وجمل قراسية - بالضم وتخفيف الياء : ضخم{[42299]} ، والقرس - بالكسر : صغار البعوض ؛ والقسورة أيضاً من الغلمان : الشاب القوي ، والرامي{[42300]} - لأنه أهل لأن يغلب ، والقسور أيضاً : الصياد مطلقاً ؛ ويلزمه المخادعة والاستخفاء ، ومنه القسورة : نصف الليل أو أوله أو معظمه - لأنه{[42301]} محل الاستخفاء والمقاهرة ؛ ومنه السرق ، وهو الأخذ في خفية ، وعبارة القزاز : في ختل{[42302]} وغفلة ، وسرق - كفرح : خفي ، والسوارق{[42303]} : الزوائد في فراش القفل{[42304]} - لغرابتها وخفاء أمرها ، أو لسلبها السرقة بمنعها{[42305]} السارق من فتح القفل ، والمسترق : المستمع مختفياً ، وانسرق عنهم : خنس ليذهب ، ويلزم المخادعة والاختفاء نوع ضعف ، ومنه : سرقت مفاصله - كفرح : ضعفت ، والمسترق : الناقص الضعيف الخلق ؛ وانسرق : فتر وضعف - إما منه وإما من السلب{[42306]} ، لأن من فتر أو ضعف يكف{[42307]} عن السرقة والأذى ؛ وقسور{[42308]} الرجل : أسن ، وكان منه القارس والقريس أي القديم{[42309]} ، ومسترق العنق : قصيرها - كأنه سرق منها شيء ، وهو يسارق النظر إليه ، أي يطلب غفلته لينظر إليه ، وتسرق : سرق{[42310]} شيئاً فشيئاً ، وسُرَّق - كسكر - كان{[42311]} اسمه الحباب فابتاع من بدوي{[42312]} راحلتين ، ثم أجلسه على باب دار ليخرج إليه بثمنهما{[42313]} فخرج من الباب الآخر فهرب بهما ، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم سرقاً{[42314]} ، وكان لا يحب أن يسمى بغيره ، والسرق - محركاً : أجود الحرير أو الحرير{[42315]} الأبيض ، أو الحرير عامة ، فارسي معرب أصله سره{[42316]} ، قال القزاز : ومعناه : جيد ، لأنه أهل لأن يقصد بالسرقة لخفة محمله وكثرة تمنه ، والسرقين معرب سركين{[42317]} يمكن أن يكون من الضعف ، ولعل المعرب يكون خارجاً عن أصل المادة ، لأنه لا{[42318]} أصل له في العربية ؛ ومن الأذى بالحر السفر : حر الشمس وأذاه{[42319]} ، يقال : سقرته الشمس - بالسين والصاد - إذا آلمت دماغه ، ومنه اشتقاق سقر ، وهو اسم إحدى طبقات النار{[42320]} ، والسقر : القيادة على{[42321]} الحرم ، والسقر : ما يسيل من الرطب - من التسمية باسم{[42322]} السبب ، لأن الحر سببه ، والقوسرة : القوصرة - ويخففان - لأنه يوضع فيه التمر الذي قد{[42323]} يكون منه السقر{[42324]} ، والساقر{[42325]} : الكافر واللعان{[42326]} لغير المستحقين - لكثرة الأذى ، {[42327]} أو لاستحقاق الكون في سقر{[42328]} ، والساقور{[42329]} : الحر والحديدة يكوى{[42330]} بها الحمار ؛ ومن الأذى بالبرد : القرس - وهو البرد الشديد والبارد ، والقرس - ويحرك : أبرد الصقيع وأكثفه ، والقرس - بالتحريك : الجامد ، وأقرس العود جمد ماءه ، ومنه القريس - لسمك طبخ وترك حتى جمد ، وقرس الماء : جمد ، والبرد : اشتد كقرس{[42331]} كفرح ، وآل قراس ويقال : بنات{[42332]} قراس - كسحاب : أجبل باردة أو هضاب بناحية السراة ، وقرسنا الماء : بردناه .

إذا تقرر ذلك فتصحيح قول المؤذن " إنكم لسارقون " إن نظر إلى الغلبة في خفاء فلا شك أنهم متصفون بذلك لأخذهم{[42333]} يوسف من أبيه عليهما السلام على هذه الحالة ، وإن نظر إلى مطلق الأخذ{[42334]} في خفاء{[42335]} فيكون إطلاق{[42336]} ذلك عليهم مجازاً ، لأن معهم - في حال ندائه لهم وهم سائرون - شيئاً ليس هو لهم هم ذاهبون به في خفاء ، أي أنتم في هذه الحالة فاعلون فعل السارق ، ويقوي إرادة الأول قوله تعالى { لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون } وقوله تعالى : { من وجدنا متاعنا عنده } كما سيأتي{[42337]} .

ولما كان يوسف عليه الصلاة والسلام إنما تمكن{[42338]} من ذلك بعلو درجته وتمكنه ورفعته ، بعد ما كان فيه عندهم من الصغار ، كان ذلك محل عجب ، فقال تعالى - التفاتاً إلى مقام التكلم تقوية{[42339]} للكلام بمقام الغيبة والتكلم ، وزاده إشعاراً بعظمة ، هذا الفعل بصوغه في مظهر العظمة منبهاً لمن قد يغفل : { نرفع } أي بما لنا من العظمة ، وكان الأصل : درجاته ، ولكنه عمم لأنه أدل على العظمة ، فكان أليق بمظهرها ، فقال منبهاً على أنه كان حصل ليوسف عليه الصلاة والسلام من الهضم ما ظن كما{[42340]} ظن أنه لا يرتفع بعده : { درجات من نشاء } أي بالعلم .

ولما كان سبب{[42341]} الرفعة هو الأعلمية بالأسباب ، وذلك أن{[42342]} الخلق لو اجتهدوا في خفض أحد فنصبوا{[42343]} له كل سبب علموه وقدروا عليه ، وأراد{[42344]} الله ضد ذلك ، لقيّض{[42345]} بعلمه سبباً واحداً إن شاء فأبطل جميع تلك الأسباب وقضى برفعته ، نبه تعالى على ذلك بقوله : { وفوق كل ذي علم } أي من الخلق { عليم } عظيم العلم ، لا تكتنه عظمة علمه العقول ، ولا تتخيلها الفهوم{[42346]} ، فهو يسبب{[42347]} من الأسباب ما تطيح له أسباب العلماء وتحير له ألباب العقلاء البصراء ، وهو الله تعالى - كما نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وسعيد بن جبير{[42348]} ، فالتنوين للتعظيم .


[42275]:زيد من ظ و م ومد.
[42276]:في ظ: السقاة.
[42277]:في ظ: التي- كذا.
[42278]:زيد من م ومد.
[42279]:سقط ما بين الرقمين من مد.
[42280]:سقط ما بين الرقمين من مد.
[42281]:من م ومد، وفي الأصل و ظ "و".
[42282]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: استيفاد.
[42283]:زيد ما بين الحاجزين من ظ و م ومد.
[42284]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: هكذا.
[42285]:في م ومد: تحليتهم.
[42286]:في م ومد: الأربع.
[42287]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الضعفة.
[42288]:في م: الخفي.
[42289]:راجع الجمهرة 2/334.
[42290]:راجع الجمهرة 3/362 والقاموس.
[42291]:من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل: العرير- كذا.
[42292]:من م والقاموس، وفي الأصل و ظ ومد: الرماد.
[42293]:في ظ: البنت.
[42294]:زيد في التاج: القسورة.
[42295]:في م: الحفي.
[42296]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: فطير.
[42297]:في القاموس: الكبير.
[42298]:العبارة من " الكثير" إلى هنا ساقطة من ظ.
[42299]:من م ومد والقاموس، وفي الأصل و ظ: فخم.
[42300]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: الراي؛ وراجع أيضا القاموس.
[42301]:من م ومد، وفي الأصل: أو انه، وفي ظ: انه.
[42302]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: حقل.
[42303]:زيدت الواو بعده في الأصل و ظ، ولم تكن في م ومد فحذفناها.
[42304]:من مد والقاموس، وفي الأصل و ظ: القمل، وفي م: الفعل- كذا.
[42305]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: يمنعها.
[42306]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: المسلب.
[42307]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: يكفه.
[42308]:في مد: تسور.
[42309]:من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل: النديم.
[42310]:زيد من م ومد والقاموس.
[42311]:سقط من م.
[42312]:من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل: بدري.
[42313]:من م ومد والقاموس، وفي الأصل و ظ: بثمنها.
[42314]:في ظ: سراقا.
[42315]:زيد من ظ و م ومد، غير أن في ظ ومد "و" مكان "أو".
[42316]:في م: سرة، وراجع أيضا التاج.
[42317]:في ظ: سريكين.
[42318]:زيد من م ومد.
[42319]:من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل: إذا.
[42320]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الناس.
[42321]:في ظ: عن.
[42322]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: اسم.
[42323]:سقط من ظ.
[42324]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الساقر.
[42325]:في القاموس: السقار.
[42326]:في ظ: اللقان.
[42327]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[42328]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[42329]:من م ومد والقاموس، وفي الأصل و ظ: السارق.
[42330]:في ظ: يكون.
[42331]:في ظ: كقرح.
[42332]:في م: نبات.
[42333]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لأحدهم.
[42334]:سقط من ظ.
[42335]:زيد من م.
[42336]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: إطلاقه.
[42337]:في م: يأتي.
[42338]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: يمكن.
[42339]:من م ومد، وفي الأصل: بقوته، وفي ظ: لقوته.
[42340]:في م ومد: كل.
[42341]:العبارة من هنا إلى "كل سبب" متكررة في الأصل.
[42342]:في ظ: لأن.
[42343]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: نصبوا.
[42344]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: أراده.
[42345]:من م ومد، وفي الأصل: لتيفن، وفي ظ: يفيض.
[42346]:في ظ: المفهوم.
[42347]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: بسبب.
[42348]:راجع الدر المنثور للسيوطي 4/18.