في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ} (5)

وكذلك كانت رسالة موسى . بلسان قومه .

( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا : أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور ، وذكرهم بأيام الله . إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور . وإذ قال موسى لقومه : اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون ، يسومونكم سوء العذاب ، ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم . وإذ تأذن ربكم : لئن شكرتم لأزيدنكم ، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد . وقال موسى : إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ) . .

والتعبير يوحد بين صيغة الأمر الصادر لموسى والصادر لمحمد - عليهما صلاة الله وسلامه - تمشيا مع نسق الأداء في السورة - وقد تحدثنا عنه آنفا - فإذا الأمر هناك :

( لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ) . .

والأمر هنا :

( أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور ) . .

الأولى للناس كافة والثانية لقوم موسى خاصة ، ولكن الغاية واحدة :

( أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور ) . . ( وذكرهم بأيام الله ) . .

وكل الأيام أيام الله . ولكن المقصود هنا أن يذكرهم بالأيام التي يبدو فيها للبشر أو لجماعة منهم أمر بارز أو خارق بالنعمة أو بالنقمة ؛ كما سيجيء في حكاية تذكير موسى لقومه . وقد ذكرهم بأيام لهم ، وأيام لأقوام نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم . فهذه هي الأيام .

( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) . .

ففي هذه الأيام ما هو بؤسى فهو آية للصبر ، وفيها ما هو نعمى فهو آية للشكر . والصبار الشكور هو الذي يدرك هذه الآيات ، ويدرك ما وراءها ، ويجد فيها عبرة له وعظة ؛ كما يجد فيها تسرية وتذكيرا .

/خ27

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ} (5)

قوله تعالى : " ولقد أرسلنا موسى بآياتنا " أي بحجتنا وبراهيننا ، أي بالمعجزات الدالة على صدقه ، قال مجاهد : هي التسع الآيات{[9449]} . " أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور " نظيره قوله تعالى : لنبينا عليه السلام أول السورة : " لتخرج الناس من الظلمات إلى النور " : " أن " هنا بمعنى أي ، كقوله تعالى : " وانطلق الملأ منهم أن امشوا{[9450]} " [ ص : 6 ] أي امشوا .

قوله تعالى : " وذكرهم بأيام الله " أي قل لهم قولا يتذكرون به أيام الله تعالى . قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : بنعم الله عليهم ، وقاله أبي بن كعب ورواه مرفوعا ، أي بما أنعم الله عليهم من النجاة من فرعون ومن التيه إلى سائر النعم ، وقد تسمى النعم الأيام ، ومنه قول عمرو بن كلثوم{[9451]} :

وأيامٍ لنا غُرٍّ طِوَالٍ

وعن ابن عباس أيضا ومقاتل : بوقائع الله في الأمم السالفة ، يقال : فلان عالم بأيام العرب ، أي بوقائعها . قال ابن زيد : يعني الأيام التي انتقم فيها من الأمم الخالية ، وكذلك روى ابن وهب عن مالك قال : بلاؤه . وقال الطبري : وعظهم بما سلف في الأيام الماضية لهم ، أي بما كان في أيام الله من النعمة{[9452]} والمحنة ، وقد كانوا عبيدا مستذلين ، واكتفى بذكر الأيام عنه لأنها كانت معلومة عندهم . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( بينا موسى عليه السلام في قومه يذكرهم بأيام الله وأيام الله بلاؤه ونعماؤه ) وذكر حديث الخضر ، ودل هذا على جواز الوعظ المرفق للقلوب ، المقوي لليقين ، الخالي من كل بدعة ، والمنزه عن كل ضلالة وشبهة .

" إن في ذلك " أي في التذكير بأيام الله " لآيات " أي دلالات . " لكل صبار " أي كثير الصبر على طاعة الله ، وعن معاصيه . " شكور " لنعم الله . وقال قتادة : هو العبد ، إذا أعطي شكر ، وإذا ابتلي صبر . وروى عن النبي أنه قال : ( الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر - ثم تلا هذه الآية - " إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور " . ) ونحوه عن الشعبي موقوفا . وتواري الحسن البصري عن الحجاج سبع سنين ، فلما بلغه موته قال : اللهم قد أمته فأمت سنته ، وسجد شكرا ، وقرأ : " إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور " . وإنما خص بالآيات كل صبار شكور ؛ لأنه يعتبر بها ولا يغفل عنها ، كما قال : " إنما أنت منذر من يخشاها{[9453]} " [ النازعات : 45 ] وإن كان منذرا للجميع .


[9449]:الآيات التسع هي: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا ويده والسنين ونقص من الثمرات.
[9450]:راجع ج 15 ص 151.
[9451]:البيت من معلقته وتمامه: عصينا الملك فيها أن ندينا وقد يكون تسميتها غرا لعلوهم على الملك وامتناعهم منه، فأيامهم غر لهم، وطوال على أعدائهم، وعليه فلا دليل في البيت على أن الأيام بمعنى النعم. وأيام بالجر عطف على (بأنا) في البيت قبله، ويجوز أن تجعل الواو بدلا من رب.
[9452]:في أ و و: النقمة والمحنة.
[9453]:راجع ج 19 ص 207.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ} (5)

ولما ذكر سبحانه الرسل بما ذكره ، توقع السامع تفصيل شيء من أخبارهم ، فابتدأ بذكر من كتابه{[44580]} أجل كتاب بعد القرآن هدى للناس دليلاً{[44581]} على أنه يفعل ما يشاء من الإضلال والهداية ، وتسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وتثبيتاً وتصبيراً على أذى قومه ، وإرشاداً{[44582]} إلى ما{[44583]} فيه الصلاح في مكالمتهم ، فقال مصدراً بحرف التوقع : { ولقد أرسلنا } أي بعظمتنا { موسى بآياتنا } أي البينات{[44584]} ؛ ثم فسر الإرسال بقوله : { أن أخرج قومك } أي الذين{[44585]} فيهم قوة على مغالبة{[44586]} الأمور { من الظلمات } أي أنواع الجهل { إلى النور * } بتلك الآيات { وذكرهم } أي تذكيراً عظيماً { بأيام الله } أي الذي له الجلال والإكرام من وقائعه{[44587]} في الأمم السالفة وغير ذلك من المنح لأوليائه والمحن{[44588]} لأعدائه كما أرسلناك لذلك{[44589]} { إن في ذلك } أي{[44590]} التذكير العظيم { لآيات } على وحدانية الله وعظمته { لكل صبار } أي بليغ الصبرعلى بلاء الله ، قال في العوارف{[44591]} : وقال أبو الحسن بن سالم : هم{[44592]} ثلاثة : متصبر ، وصابر ، وصبار{[44593]} ، فالمتصبر من صبر في الله{[44594]} ، فمرة يصبر ومرة{[44595]} يجزع ، والصابر من يصبر في الله ولله{[44596]} ولا يجزع ولكن يتوقع منه الشكوى ، وقد يمكن منه الجزع ، فأما الصبار فذلك الذي صبّره{[44597]} الله{[44598]} في الله{[44599]} ولله وبالله ، {[44600]} فهذا لو وقع{[44601]} عليه جميع البلايا لا يجزع ولا يتغير من جهة الوجوب{[44602]} والحقيقة ، لا من جهة الرسم{[44603]} والخليقة ، وإشارته في هذا ظهور حكم العلم فيه مع ظهور صفة{[44604]} الطبيعة . { شكور * } أي عظيم الشكر لنعمائه ، فإن أيامه عند أوليائه لا تخلو من نعمة أو نقمة ، وفي صيغة المبالغة إشارة إلى أن عادته{[44605]} تعالى جرت{[44606]} بأنه إنما ينصر{[44607]} أولياءه بعد طول الامتحان بعظيم البلاء ليتبين الصادق من الكاذب

{ حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله }[ البقرة :214 ] { حتى إذا استيئس الرسل }[ يوسف :110 ] ، { الم أحسب الناس أن يتركوا{[44608]} }[ العنكبوت :2 ] وذلك أنه لا شيء أشق على النفوس من مفارقة المألوف لا سيما إن كان ديناً ولا سيما إن كان قد{[44609]} درج عليه الأسلاف{[44610]} ، فلا يقوم بالدعاء إلى الدين إلا من بلغ الذروة{[44611]} في الصبر .


[44580]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: كابه.
[44581]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: دليل.
[44582]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لما.
[44583]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لما.
[44584]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: بالبينات.
[44585]:في ظ: الذي.
[44586]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: مقابلة.
[44587]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: وفايته.
[44588]:في ظ: المنح.
[44589]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: كذلك.
[44590]:العبارة من هنا إلى "الطبيعة شكور" ساقطة من م.
[44591]:من ظ ومد، وفي الأصل: العواريه- كذا، وهذا يأتي في مقدمة الكتب التي ألفها الشيخ شهاب الدين السهروردي.
[44592]:في ظ: هو.
[44593]:زيد من ظ ومد.
[44594]:زيد في ظ: ولله.
[44595]:في ظ: من.
[44596]:زيد من ظ ومد.
[44597]:من ظ ومد، وفي الأصل: يصبره.
[44598]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[44599]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[44600]:من مد، وفي الأصل: وهذا وقع، وفي ظ: وهذا لو وقع- كذا.
[44601]:من مد، وفي الأصل: وهذا وقع، وفي ظ: وهذا لو وقع- كذا.
[44602]:تكرر ما بين الرقمين في الأصل و ظ.
[44603]:تكرر ما بين الرقمين في الأصل و ظ.
[44604]:من مد، وفي الأصل: صنعة، وفي ظ: ضد.
[44605]:في مد: إعادته.
[44606]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: أجرت.
[44607]:في ظ ومد: تنصر.
[44608]:سورة 29 آية 2.
[44609]:زيد من ظ و م ومد.
[44610]:زيد من ظ و م ومد.
[44611]:في ظ: الذرة.