ثم يمضي في تنظيم العلاقات والارتباطات بين الأقارب والأصدقاء :
ليس على الأعمى حرج ، ولا على الأعرج حرج ، ولا على المريض حرج ، ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم ، أو بيوت آبائكم ، أو بيوت أمهاتكم ، أو بيوت أخوانكم ، أو بيوت أخواتكم ، أو بيوت أعمامكم ، أو بيوت عماتكم ، أو بيوت أخوالكم ، أو بيوت خالاتكم ؛ أو ما ملكتم مفاتحه ، أو صديقكم . ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا . فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ، تحية من عند الله مباركة طيبة . كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون . .
روى أنهم كانوا يأكلون من هذه البيوت المذكورة - دون استئذان - ويستصحبون معهم العمي والعرج والمرضى ليطعموهم . . الفقراء منهم . . فتحرجوا أن يطعموا وتحرج هؤلاء أن يصحبوهم دون دعوة من أصحاب البيوت أو إذن . ذلك حين نزلت : ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل )فقد كانت حساسيتهم مرهفة . فكانوا يحذرون دائما أن يقعوا فيما نهى الله عنه ، ويتحرجون أن يلموا بالمحظور ولو من بعيد . فأنزل الله هذه الآية ، ترفع الحرج عن الأعمى والمريض والأعرج ، وعن القريب أن يأكل من بيت قريبه . وأن يصحب معه أمثال هؤلاء المحاويج . وذلك محمول على أن صاحب البيت لا يكره هذا ولا يتضرر به . استنادا إلى القواعد العامة في أنه " لا ضرر ولا ضرار " وإلى أنه " لا يحل مال امرى ء مسلم إلا بطيب نفس " .
ولآن الآية آية تشريع ، فإننا نلحظ فيها دقة الأداء اللفظي والترتيب الموضوعي ، والصياغة التي لا تدع مجالا للشك والغموض . كما نلمح فيها ترتيب القرابات . فهي تبدأ ببيوت الأبناء والأزواج ولا تذكرهم . بل تقول ( من بيوتكم )فيدخل فيها بيت الابن وبيت الزوج ، فبيت الابن بيت لأبيه ، وبيت الزوج بيت لزوجته ، وتليها بيوت الآباء ، فبيوت الأمهات . فبيوت الإخوة ، فبيوت الأخوات . فبيوت الأعمام ، فبيوت العمات ، فبيوت الأخوال ، فبيوت الخالات . . ويضاف إلى هذه القرابات الخازن على مال الرجل فله أن يأكل مما يملك مفاتحه بالمعروف ولا يزيد على حاجة طعامه . ويلحق بها بيوت الأصدقاء . ليلحق صلتهم بصلة القرابة . عند عدم التأذي والضرر . فقد يسر الأصدقاء أن يأكل أصدقاؤهم من طعامهم بدون استئذان .
فإذا انتهى من بيان البيوت التي يجوز الأكل منها ، بين الحالة التي يجوز عليها الأكل : ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا )فقد كان من عادات بعضهم في الجاهلية ألا يأكل طعاما على انفراد . فإن لم يجد من يؤاكله عاف الطعام ! فرفع الله هذا الحرج المتكلف ، ورد الأمر إلى بساطته بلا تعقيد ، وأباح أن يأكلوا أفرادا أو جماعات .
فإذا انتهى من بيان الحالة التي يكون عليها الأكل ذكر آداب دخول البيوت التي يؤكل فيها : ( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة ) . . وهو تعبير لطيف عن قوة الرابطة بين المذكورين في الآية . فالذي يسلم منهم على قريبه أو صديقه يسلم على نفسه . والتحية التي يلقيها عليه هي تحية من عند الله . تحمل ذلك الروح ، وتفوح بذلك العطر . وتربط بينهم بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها . .
وهكذا ترتبط قلوب المؤمنين بربهم في الصغيرة والكبيرة :
( كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون ) . . وتدركون ما في المنهج الإلهي من حكمة ومن تقدير . .
الأولى-قوله تعالى : " ليس على الأعمى حرج " اختلف العلماء في تأويل هذه الآية على أقوال ثمانية . أقربها - هل هي منسوخة أو ناسخة أو محكمة ، فهذه ثلاثة أقوال :
الأول : أنها منسوخة من قوله تعالى : " ولا على أنفسكم " إلى آخر الآية ، قاله عبد الرحمن بن زيد ، قال : هذا شيء انقطع ، كانوا في أول الإسلام ليس على أبوابهم أغلاق ، وكانت الستور مرخاة ، فربما جاء الرجل فدخل البيت وهو جائع وليس فيه أحد ، فسوغ الله عز وجل أن يأكل منه ، ثم صارت الأغلاق على البيوت فلا يحل لأحد أن يفتحها ، فذهب هذا وانقطع . قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه . . ) الحديث . خرجه الأئمة .
الثاني : أنها ناسخة ، قاله جماعة . روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : لما أنزل الله عز وجل " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " {[12069]} قال المسلمون : إن الله عز وجل قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ، وأن الطعام من أفضل الأموال ، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد ، فكف الناس عن ذلك ، فأنزل الله عز وجل : " ليس على الأعمى حرج - إلى - أو ما ملكتم مفاتحه " . قال : هو الرجل يوكل الرجل بضيعته .
قلت : علي بن أبي طلحة هذا هو مولى بني هاشم سكن الشام ، يكنى أبا الحسن ويقال أبا محمد ، اسم أبيه أبي طلحة سالم ، تكلم في تفسيره ، فقيل : إنه لم ير ابن عباس ، والله أعلم .
الثالث : أنها محكمة ، قاله جماعة من أهل العلم ممن يقتدي بقولهم ، منهم سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود . وروى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان المسلمون يوعِبُون في النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانوا يدفعون مفاتيحهم إلى ضَمْناهم ويقولون : إذا احتجتم فكلوا ، فكانوا يقولون إنما أحلوه لنا عن غير طيب نفس ، فأنزل الله عز وجل : " ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم " إلى آخر الآية . قال النحاس : يُوعِبُون أي يخرجون بأجمعهم في المغازي ، يقال : أوعب بنو فلان لبني فلان إذا جاؤوهم بأجمعهم . وقال ابن السكيت : يقال أوعب بنو فلان جلاءً ، فلم يبق ببلدهم منهم أحد . وجاء الفرس بركض وعيب ، أي بأقصى ما عنده . وفي الحديث : ( في الأنف إذا استوعب جدعه الدية ) إذا لم يترك منه شيء . واستيعاب الشيء استئصاله . ويقال : بيت وعيب إذا كان واسعا يستوعب كل ما جعل فيه . والضَّمْنَى هم الزَّمْنَى ، واحدهم ضَمِن زَمِن . قال النحاس : وهذا القول من أجل ما روي في الآية ؛ لما فيه عن الصحابة والتابعين من التوفيق أن الآية نزلت في شيء بعينه . قال ابن العربي : وهذا كلام منتظم لأجل تخلفهم عنهم في الجهاد وبقاء أموالهم بأيديهم ، لكن قوله " أو ما ملكتم مفاتحه " قد اقتضاه ، فكان هذا القول بعيدا جدا . لكن المختار أن يقال : إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر ، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به من المشي ، وما يتعذر من الأفعال مع وجود العرج ، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه ، كالصوم وشروط الصلاة وأركانها ، والجهاد ونحو ذلك . ثم قال بعد ذلك مبينا : وليس عليكم حرج في أن تأكلوا من بيوتكم . فهذا معنى صحيح ، وتفسير بين مفيد ، ويعضده الشرع والعقل ، ولا يحتاج في تفسير الآية إلى نقل .
قلت : وإلى هذا أشار ابن عطية فقال : فظاهر الآية وأمر الشريعة يدل على أن الحرج عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر ، وتقتضي نيتهم فيه الإتيان بالأكمل ، ويقتضي العذر أن يقع منهم الأنقص ، فالحرج مرفوع عنهم في هذا ، فأما ما قال الناس في الحرج هنا وهي :
الثانية-فقال ابن زيد : هو الحرج في الغزو ، أي لا حرج عليهم في تأخرهم . وقوله تعالى : " ولا على أنفسكم " الآية ، معنى مقطوع من الأول . وقالت فرقة : الآية كلها في معنى المطاعم . قالت : وكانت العرب ومن بالمدينة قبل المبعث تتجنب الأكل مع أهل الأعذار ، فبعضهم كان يفعل ذلك تقذرا لجولان اليد من الأعمى ، ولانبساط الجلسة من الأعرج ، ولرائحة المريض وعلاته ، وهي أخلاق جاهلية وكبر ، فنزلت الآية مؤذنة . وبعضهم كان يفعل ذلك تحرجا من غير أهل الأعذار ، إذ هم مقصرون عن درجة الأصحاء في الأكل ، لعدم الرؤية في الأعمى ، وللعجز عن المزاحمة في الأعرج ، ولضعف المريض ، فنزلت الآية في إباحة الأكل معهم . وقال ابن عباس في كتاب الزهراوي : إن أهل الأعذار تحرجوا في الأكل مع الناس من أجل عذرهم ، فنزلت الآية مبيحة لهم . وقيل : كان الرجل إذا ساق أهل العذر إلى بيته فلم يجد فيه شيئا ذهب به إلى بيوت قرابته ، فتحرج أهل الأعذار من ذلك ، فنزلت الآية .
الثالثة-قوله تعالى : " ولا على أنفسكم " هذا ابتداء كلام أي ولا عليكم أيها الناس . ولكن لما اجتمع المخاطب وغير المخاطب غلب المخاطب لينتظم الكلام . وذكر بيوت القربات وسقط منها بيوت الأبناء ، فقال المسفرون : ذلك لأنها داخلة في قوله : " في بيوتكم " لأن بيت ابن الرجل بيته وفي الخبر ( أنت ومالك لأبيك ) . لأنه ذكر الأقرباء بعد ولم يذكر الأولاد . قال النحاس : وعارض بعضهم هذا القول فقال : هذا تحكم على كتاب الله تعالى ، بل الأولى في الظاهر ألا يكون الابن مخالفا لهؤلاء ، وليس الاحتجاج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنت ومالك لأبيك ) بقوي لوهي هذا الحديث ، وأنه لو صح لم تكن فيه حجة ؛ إذ قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم علم أن مال ذلك المخاطب لأبيه . وقد قيل إن{[12070]}المعنى : أنت لأبيك ، ومالك مبتدأ ، أي ومالك لك . والقاطع لهذا التوارث بين الأب والابن . وقال الترمذي الحكيم : ووجه قوله تعالى : " ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم " كأنه يقول مساكنكم التي فيها أهاليكم وأولادكم ؛ فيكون للأهل والولد هناك شيء قد أفادهم هذا الرجل الذي له المسكن ، فليس عليه حرج أن يأكل معهم من ذلك القوت ، أو يكون للزوجة والولد هناك شيء من ملكهم فليس عليه في ذلك حرج .
الرابعة-قوله تعالى : " أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم " قال بعض العلماء : هذا إذا أذنوا له في ذلك . وقال آخرون : أذنوا له أو لم يأذنوا فله أن يأكل ؛ لأن القرابة التي بينهم هي إذن منهم . وذلك لأن في تلك القرابة عطفا تسمح النفوس منهم بذلك العطف أن يأكل هذا من شيئهم ويسروا بذلك إذا علموا . ابن العربي : أباح لنا الأكل من جهة النسب من غير استئذان إذا كان الطعام مبذولا ، فإذا كان محرزا{[12071]} دونهم لم يكن لهم أخذه ، ولا يجوز أن يجاوزوا إلى الادخار ، ولا إلى ما ليس بمأكول وإن غير محرز عنهم إلا بإذن منهم .
الخامسة-قوله تعالى : " أو ما ملكتم مفاتحه " يعني مما اختزنتم وصار في قبضتكم . وعظم ذلك ما ملكه الرجل في بيته وتحت غلقه ، وذلك هو تأويل الضحاك وقتادة ومجاهد . وعند جمهور المفسرين يدخل في الآية الوكلاء والعبيد والأجراء . قال ابن عباس : عُني وكيل الرجل على ضيعته ، وخازنه على ماله ، فيجوز له أن يأكل مما قيم عليه . وذكر معمر عن قتادة عن عكرمة قال : إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن ، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير . ابن العربي : وللخازن أن يأكل مما يخزن إجماعا ، وهذا إذا لم تكن له أجرة ، فأما إذا كانت له أجرة على الخزن حرم عليه الأكل . وقرأ سعيد بن جبير " ملكتم " بضم الميم وكسر اللام وشدها . وقرأ أيضا " مفاتيحه " بياء بين التاء والحاء ، جمع مفتاح ، وقد مضى في " الأنعام " {[12072]} . وقرأ قتادة " مفتاحه " على الإفراد . وقال ابن عباس : نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو ، خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا وخلف مالك بن زيد على أهله ، فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال : تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
السادسة-قوله تعالى : " أو صديقكم " الصديق بمعنى الجمع ، وكذلك العدو ، قال الله تعالى : " فإنهم{[12073]} عدو لي " [ الشعراء : 77 ] . وقال جرير :
دَعَوْنَ الهوى ثم ارْتَمَيْنَ قلوبَنا *** بأسهم أعداء وهن صديقُ
والصديق من يصدقك في مودته وتصدقه في مودتك . ثم قيل : إن هذا منسوخ بقوله : " لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " {[12074]} [ الأحزاب : 53 ] ، وقوله تعالى : " فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها " [ النور : 28 ] الآية ، وقوله عليه السلام : ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه ) . وقيل : هي محكمة ، وهو أصح . ذكر محمد بن ثور عن معمر قال : دخلت بيت قتادة فأبصرت فيه رطبا فجعلت آكله ، فقال : ما هذا ؟ فقلت : أبصرت رطبا في بيتك فأكلت ، قال : أحسنت ؛ قال الله تعالى : " أو صديقكم " . وذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله : " أو صديقكم " قال : إذا دخلت بيت صديقك من غير مؤامرته لم يكن بذلك بأس . وقال معمر قلت لقتادة : ألا أشرب من هذا الحب ؟{[12075]} قال : أنت لي صديق ! فما هذا الاستئذان . وكان صلى الله عليه وسلم يدخل حائط أبي طلحة المسمى ببيرحا{[12076]} ويشرب من ماء فيها طيب بغير إذنه ، على ما قاله علماؤنا ، قالوا : والماء متملك لأهله . وإذا جاز الشرب من ماء الصديق بغير إذنه جاز الأكل من ثماره وطعامه إذا علم أن نفس صاحبه تطيب به ؛ لتفاهته ويسير مؤنته ، أو لما بينهما من المودة . ومن هذا المعنى إطعام أم حرام له صلى الله عليه وسلم إذا نام عندها ؛ لأن الأغلب أن ما في البيت من الطعام هو للرجل ، وأن يد زوجته في ذلك عارية . وهذا كله ما لم يتخذ الأكل خُبْنَة{[12077]} ، ولم يقصد بذلك وقاية ماله ، وكان تافها يسيرا .
السابعة-قرن الله عز وجل في هذه الآية الصديق بالقرابة المحضة الوكيدة ؛ لأن قرب المودة لصيق . قال ابن عباس في كتاب النقاش : الصديق أو كد من القرابة ، ألا ترى استغاثة الجهنميين " فما لنا من شافعين . ولا صديق حميم " {[12078]} [ الشعراء : 100 - 101 ] .
قلت : ولهذا لا تجوز عندنا شهادة الصديق لصديقه ، كما لا تجوز شهادة القريب لقريبه . وقد مضى بيان هذا والعلة فيه في " النساء " {[12079]} . وفي المثل - أيهم أحب إليك أخوك أم صديقك - قال : أخي إذا صديقي .
الثامنة-قوله تعالى : " ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا " قيل : إنها نزلت في بني ليث بن بكر ، وهم حي من بني كنانة ، وكان الرجل منهم لا يأكل وحده ويمكث أياما جائعا حتى يجد من يؤاكله . ومنه قول بعض الشعراء :
إذا ما صنعتِ الزاد فالتمسِي له *** أكيلاً فإني لستُ آكله وَحْدِي
قال ابن عطية : وكانت هذه السيرة موروثة عندهم عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان لا يأكل وحده . وكان بعض العرب إذا كان له ضيف لا يأكل إلا أن يأكل مع ضيفه ، فنزلت الآية مبينة سنة الأكل ، ومذهبة كل ما خالفها من سيرة العرب ، ومبيحة من أكل المنفرد ما كان عند العرب محرما ، نحت به نحو كرم الخلق ، فأفرطت في إلزامه ، وإن إحضار الأكيل لحسن ، ولكن بألا يحرم الانفراد .
التاسعة- " جميعا " نصب على الحال . و " أشتاتا " جمع شَتّ والشَّتّ المصدر بمعنى التفرق يقال : شَتّ القوم أي تفرقوا . وقد ترجم البخاري في صحيحه باب ( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ) الآية . و ( النِّهْدُ والاجتماع ) - . ومقصوده فيما قاله علماؤنا في هذا الباب : إباحة الأكل جميعا وإن اختلفت أحوالهم في الأكل . وقد سوغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، فصارت تلك سنة في الجماعات التي تدعى إلى الطعام في النِّهْدِ والولائم وفي الإملاق في السفر . وما ملكت مفاتحه بأمانة أو قرابة أو صداقة فلك أن تأكل مع القريب أو الصديق ووحدك . والنِّهْدُ : ما يجمعه الرفقاء من مال أو طعام على قدر في النفقة ينفقونه بينهم ، وقد تناهدوا ، عن صاحب العين . وقال ابن دريد : يقال من ذلك : تناهد القوم الشيء بينهم . الهروي : وفي حديث الحسن ( أخرجوا نِهْدَكُم فإنه أعظم للبركة وأحسن لأخلاقكم ) . النهد : ما تخرجه الرفقة عند المناهدة ، وهو استقسام النفقة بالسوية في السفر وغيره . والعرب تقول : هات نهدك ، بكسر النون . قال المهلب : وطعام النهد لم يوضع للآكلين على أنهم يأكلون بالسواء ، وإنما يأكل كل واحد على قدر نهمته ، وقد يأكل الرجل أكثر من غيره . وقد قيل : إن تركها أشبه بالورع . وإن كانت الرفقة تجتمع كل يوم على طعام أحدهم فهو أحسن من النهد لأنهم لا يتناهدون إلا ليصيب كل واحد منهم من ماله ، ثم لا يدري لعل أحدهم يقصر عن ماله ويأكل غيره أكثر من ماله وإذا كانوا يوما عند هذا ويوما عند هذا بلا شرط فإنما يكونون أضيافا ، والضيف يأكل بطيب نفس مما يقدم إليه . وقال أيوب السختياني : إنما كان النِّهد أن القوم كانوا يكونون في السفر فيسبق بعضهم إلى المنزل فيذبح ويهيئ الطعام ثم يأتيهم ، ثم يسبق أيضا إلى المنزل فيفعل مثل ذلك ، فقالوا : إن هذا الذي تصنع كلنا نحب أن نصنع مثله فتعالوا نجعل بيننا شيئا لا يتفضل بعضنا على بعض ، فوضعوا النِّهد بينهم . وكان الصلحاء إذا تناهدوا تحرى أفضلهم أن يزيد على ما يخرجه أصحابه ، وإن لم يرضوا بذلك منه إذا علموه فعله سرا دونهم .
العاشرة-قوله تعالى : " فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون " اختلف المتأولون في أي البيوت أراد ، فقال إبراهيم النخعي والحسن : أراد المساجد ، والمعنى : سلموا على من فيها من ضيفكم{[12080]} . فإن لم يكن في المساجد أحد فالسلام أن يقول المرء : السلام على رسول الله . وقيل : يقول السلام عليكم ، يريد الملائكة ، ثم يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . وذكر عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : " فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم " الآية ، قال : إذا دخلت المسجد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . وقيل : المراد بالبيوت البيوت المسكونة ، أي فسلموا على أنفسكم . قال جابر بن عبد الله وابن عباس أيضا وعطاء بن أبي رباح . وقالوا : يدخل في ذلك البيوت غير المسكونة ، ويسلم المرء فيها على نفسه بأن يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . قال ابن العربي : القول بالعموم في البيوت هو الصحيح ، ولا دليل على التخصيص ، وأطلق القول ليدخل تحت هذا العموم كل بيت كان للغير أو لنفسه ، فإذا دخل بيتا لغيره أستأذن كما تقدم ، فإذا دخل بيتا لنفسه سلم كما ورد في الخبر ، يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، قاله ابن عمر . وهذا إذا كان فارغا ، فإن كان فيه أهله وخدمه فليقل : السلام عليكم . وإن كان مسجدا فليقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . وعليه حمل ابن عمر البيت الفارغ . قال ابن العربي : والذي أختاره إذا كان البيت فارغا ألا يلزم السلام ، فإنه إن كان المقصود الملائكة فالملائكة لا تفارق العبد بحال ، أما إنه إذا دخلت بيتك يستحب لك ذكر الله بأن تقول : ما شاء الله لا قوة إلا بالله . وقد تقدم في سورة [ الكهف ]{[12081]} . وقال القشيري في قوله : " إذا دخلتم بيوتا " : والأوجه أن يقال إن هذا عام في دخول كل بيت ، فإن كان فيه ساكن مسلم يقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وإن لم يكن فيه ساكن يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، وإن كان في البيت من ليس بمسلم قال : السلام على من اتبع الهدى ، أو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . وذكر ابن خويز منداد قال : كتب إلى أبو العباس الأصم قال حدثنا محمد بن عبدالله بن عبدالحكم قال حدثنا ابن وهب قال حدثنا جعفر بن ميسرة عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا دخلتم بيوتا فسلموا على أهلها واذكروا اسم الله ، فإن أحدكم إذا سلم حين يدخل بيته وذكر اسم الله تعالى على طعامه يقول الشيطان لأصحابه لا مبيت لكم ها هنا ولا عشاء ، وإذا لم يسلم أحدكم إذا دخل ولم يذكر اسم الله على طعامه قال الشيطان لأصحابه أدركتم المبيت والعشاء ) .
قلت : هذا الحديث ثبت{[12082]} معناه مرفوع من حديث جابر ، خرجه مسلم . وفي كتاب أبي داود عن أبي مالك الأشجعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا ولج الرجل بيته فليقل اللهم إني أسألك خير الولوج وخير الخروج باسم الله ولجنا وباسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا ليسلم على أهله ) .
الحادية عشرة-قوله تعالى : " تحية " مصدر ؛ لأن قوله : " فسلموا " معناه فحيوا . وصفها بالبركة لأن فيها الدعاء واستجلاب مودة المسلم عليه . ووصفها أيضا بالطيب لأن سامعها يستطيبها . والكاف من قوله : " كذلك " كاف تشبيه . و " ذلك " إشارة إلى هذه السنن ، أي كما بين لكم سنة دينكم في هذه الأشياء يبين لكم سائر ما بكم حاجة إليه في دينكم .
ولما أتم سبحانه ما ذكر من حرمات البيوت المستلزمة لصيانة الأبضاع على وجه يلزم منه إحراز الأموال ، أتبعه ما يباح من ذلك للأكل الذي هو من أجلّ مقاصد الأموال اجتماعاً وانفراداً ، فقال في جواب من كأنه سأل : هل هذا التحجير في البيوت سارٍ في الأقارب وغيرهم في جميع الأحوال ؟ : { ليس على الأعمى حرج } أي في مؤاكلة غيره وما يأتي من الأحكام ، وإن كره غيره أكله لمد يده كيفما اتفق فإنه مرحوم ، والاستئذان من أجل البصر { ولا على الأعرج } الذي لايرجى { حرج } وإن تقذر منه بعض المترفين فإنه يجامعه في أنه يرحم لنقصه { ولا على المريض } أي مرضاً يرجى بعرج أو غيره { حرج } كذلك لمرضه ، وأخره لرجاء برئه { ولا على أنفسكم } أي ولا على غير من ذكر ، وعبر بذلك تذكيراً بأن الكل من نفس واحدة { أن تأكلوا من بيوتكم } أي التي فيها عيالكم ، وذكرها سبحانه لئلا يحصل من تركها لو تركها ريبة ، وليدخل فيها بيوت الأولاد لأنهم من كسب الأب " أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه " " أنت ومالك لأبيك " { أو بيوت آبائكم } وإن بعدت أنسابكم - ولعله جمع لذلك - فإنها مرباكم وحرمتها حرمتكم { أو بيوت أمهاتكم } كذلك ، وقدم الأب لأنه أجل وهو حاكم بيته دائماً والمال له { أو بيوت إخوانكم } من الأبوين أو الأب أو الأم بالنسب أو الرضاع ، فإنهم من أولى من رضي بذلك بعد الوالدين ، لأنهم أشقاؤكم ، وهم أولياء بيوتهم { أو بيوت أخواتكم } فإنهن بعدهم ، من أجل أن ولي البيت - إذا كن مزوجات - الزوج { أو بيوت أعمامكم } فإنهم شقائق آبائكم سواء كانوا أشقاء أو لأب أو أم ، ولو أفرد العم لتوهم أنه الشقيق فقط فإنه أحق بالاسم { أو بيوت عماتكم } فهن بعد الأعمام لضعفهن ، ولأنه ربما كان أولياء بيوتهن الأزواج { أو بيوت أخوالكم } لأنهم شقائق أمهاتكم { أو بيوت خالاتكم } أخرهن لما ذكر { أو ما ملكتم مفاتحه } أي التصرف فيه بوجه من الوجوه كالوكالة { أو صديقكم } الذي تعرفون رضاه بذلك ولو بقرينة كما هو الغالب ، ولذلك أطلقه ، وإن لم يكن أمكنكم من مفتاحه بل كان عياله فيه ، كل ذلك من غير إفساد ولا حمل ولا ادخار ، وقد عدل الصديق هنا بالقريب ، تنبيهاً على شريف رتبة الصداقة ولطيف سرها ، وخفيف أمرها ، وأفرده لعزته ؛ وعن جعفر بن محمد : من عظم حرمة الصديق أن جعله كالنفس والأب ومن معه . قال الأصبهاني : وقالوا : إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح ، وبما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل .
ولما ذكر معدن الأكل ، ذكر حاله فقال : { ليس عليكم جناح } أي شيء من الإثم الذي من شأنه أن يميل بصاحبه عن السواء في { أن تأكلوا جميعاً } أي مجتمعين وإن كان بينكم ناقص الخلقة ، لأن من كان معرضاً للآفات جدير بأن يرحم المبتلى ، فلا يستقذره حذراً من انعكاس الحال .
ولما رغب في أول الإسلام - لما كان فيه أكثر الناس من الضيق - في المؤاساة ، والاجتماع مع الضيوف ، ترغيباً ظن به الوجوب ، مع ما كانوا عليه من الكرم الباعث على الجود والاجتماع للأنس بالمحتاج ، خفف عنهم بقوله : { أو أشتاتاً } أي متفرقين لغير قصد الاستقذار ، والترفع والإضرار ، وإن كان الأكل في جماعة أفضل وأبرك - كما يفهمه تقديمه ، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده " أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا نأكل ولا نشبع ، قال : " فلعلكم تأكلون متفرقين ؟ اجتمعوا على طعامكم ، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه " " ولابن ماجه عن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كلوا جميعاً ولا تفرقوا فإن البركة مع الجماعة " .
ولما ذكر موطن الأكل وكيفيته ، ذكرالحال التي يكون عليها الداخل إلى تلك المواطن أو غيرها ، فقال مسبباً عما مضى من الإذن ، معبراً بأداة التحقيق ، بشارة بأنهم يطيعون بعد أن كانوا تحرجوا من ذلك حين أنزل تعالى
{ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل }[ النساء : 29 ] : { فإذا دخلتم } أي بسبب ذلك أو غيره { بيوتاً } أي مأذوناً فيها ، أيّ بيوت كانت مملوكة أو لا ، مساجد أو غيرها { فسلموا } عقب الدخول { على أنفسكم } أي أهلها الذين هم منكم ديناً وقرباً ، وعبر بذلك ترغيباً في السلام ، والإحسان في الإكرام ، ولتصلح العبارة لما إذا لم يكن فيها أحد فيقال حينئذ " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " فيكون من الاستعمال في الحقيقة والمجاز { تحية } مصدر من المعنى دون اللفظ ، أو أوقعوا الدعاء للمحيي بسلامة وحياة وملك بقاء { من عند الله } أي هي جديرة لتمام حسنها أن تضاف إلى من له الكمال كله سبحانه { مباركة } أي ثابتة أعظم ثبات بكونها موافقة لما شرع الله من خالص قلوبكم { طيبة } تلذذ السمع ؛ ثم وصف البيان ، تنبيهاً على ما في هذه الآيات من الحسن والإحسان ، فقال مستأنفاً كما مر غير مرة : { كذلك } أي مثل هذا البيان ، العظيم الشأن { يبين الله } أي المحيط بكل شيء { لكم الآيات } التي لا أكمل منها .
ولما كان الله تعالى ، بعلمه وحكمته ، وعزه وقدرته ، ولطفه وخبرته ، قد خلق عقلاً نيراً يهدي إلى الحق ، وإلى طريق مستقيم ، وقسمه بين عباده ، وخلق فيهم أنواعاً من العوائق لذلك العقل عن النفوذ على سمت الاستقامة ، من الهوى والكسل ، الفتور والملل ، جعلها حجباً تحجبه عن النفوذ ، وتستر عنه المدارك ، و تمنعه من البلوغ ، إلا برياضات ومجاهدات تكل عنها القوى ، وتضعف عندها العزائم ، فلا يكاد الماهر منهم يرتب قياساً صحيحاً ، لغلطه في المقدمات ، فتكون النتيجة حينئذ فاسدة القاعدة ، واهية الأساس ، فكانوا لا يزالون لذلك مختلفين ، حتى يوصلهم الاختلاف إلى الإحن ، والمشاجرة والفتن ، فيجرهم إلى السيف وذهاب النفوس وتلف الأرواح ، فأنزل سبحانه لهم في كل وقت شرعاً يليق بذلك الزمان على لسان رسول من رسله عليهم الصلاة والسلام ، جعل ذلك الشرع يطابق العقل السوي ، والنور الضوي ، والمنهل الروي ، والسبب القوي ، من تمسك به هدي ولم يزغ ، حد فيه سبحانه حدوداً ، وأقام فيه زواجر ، لتظهر حكمته ، ويتضح علمه وقدرته ، فصارت شرائع متفقة الأصول ، مختلفة الفروع ، بحسب الأزمنة ، إشارة إلى أن الفاعل في تغيير الأحكام بحسب الأزمان واحد مختار ، وامتحاناً للعباد ، تمييزاً لأهل الصلاح منهم من أهل الفساد ، وكانت الإغارة على شيء من الأعراض والأموال على غير ما أذن فيه تُذهب العقول ، وتعمي البصائر ، ختم الآية بقوله : { لعلكم تعقلون* } أي لتكونوا على رجاء عند من يصح منه الرجاء من ثبات هذا الوصف لكم ، وهو ضبط النفوس وردها عن الأهوية ، باتباع آيات الشرع التي أنزلها الذي كرر وصفه هنا بأنه عليم حكيم ، فلا تتولوا بعد قولكم ( سمعنا وأطعنا }[ المائدة : 7 ] عن الإذعان للأحكام وأنتم معرضون .