في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ} (111)

105

ولكن القوم يطلعون عليه باعتراض عجيب . وهو اعتراض مكرور في البشرية مع كل رسول :

( قالوا : أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ? ) . .

وهم يعنون بالأرذلين الفقراء . وهم السابقون إلى الرسل والرسالات ، وإلى الإيمان والاستسلام . لا يصدهم عن الهدى كبرياء فارغة ، ولا خوف على مصلحة أو وضع أو مكانة . ومن ثم فهم الملبون السابقون . فأما الملأ من الكبراء فتقعد بهم كبرياؤهم ، وتقعد بهم مصالحهم ، القائمة على الأوضاع المزيفة ، المستمدة من الأوهام والأساطير ، التي تلبس ثوب الدين . ثم هم في النهاية يأنفون أن يسويهم التوحيد الخالص بالجماهير من الناس ، حيث تسقط القيم الزائفة كلها ، وترتفع قيمة واحدة . قيمة الإيمان والعمل الصالح . قيمة واحدة ترفع قوما وتخفض آخرين . بميزان واحد هو ميزان العقيدة والسلوك القويم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ} (111)

فيه مسألتان :

الأولى- قوله تعالى : " قالوا أنومن لك " أي نصدق قولك . " واتبعك الأرذلون " الواو للحال وفيه إضمار قد ، أي وقد اتبعك . " الأرذلون " جمع الأرذل ، المكسر الأراذل والأنثى الرذلى والجمع الرذل . قال النحاس : ولا يجوز حذف الألف واللام في شيء من هذا عند أحد من النحويين علمناه . وقرأ ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم ، " وأتباعك الأرذلون " . النحاس : وهي قراءة حسنة ، وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد . وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع . قال الشاعر :

له تَبَعٌ قد يعلم الناس أنه *** على من يُدَانِي صيفٌ وربيعُ

ارتفاع " أتباعك " يجوز أن يكون بالابتداء و " الأرذلون " الخبر ، التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون . ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله : " أنؤمن لك " والتقدير : أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم ، وحسن ذلك الفصل بقوله : " لك "

وقد مضى القول في الأراذل في سورة " هود " {[12217]} مستوفى . ونزيده هنا بيانا

الثانية- فقيل : إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه . واختلف هل كان معهم غيرهم أم لا . وعلى أن الوجهين كان فالكل صالحون ، وقد قال نوح : " ونجني ومن معي من المؤمنين " والذين معه هم الذين أتبعوه ، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم . قال السهيلي : وقد أغري كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية : هم الحاكة والحجامون . ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام ، فهما من وجوه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم ، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين ، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا ؛ لأن هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا ، وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين .


[12217]:راجع ج 9 23 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ} (111)

ولما قام الدليل على نصحه وأمانته ، أجابوا بما ينظر إلى محض الدنيا كما أجاب من قال من أشراف العرب { ما لهذا الرسول } الآيات ، وقال : لو طردت هؤلاء الضعفاء لرجونا أن نتبعك حتى نزل في ذلك{ ولا تطرد الذين يدعون ربهم }[ الأنعام : 52 ] ونحوها من الآيات ، بأن { قالوا } أي قومه ، منكرين لاتباعه استناداً إلى داء الكبر الذي ينشأ منه بطر الحق وغمط الناس - أي احتقارهم : { أنؤمن لك } أي لأجل قولك هذا وما أثبته أوصافك { و } الحال أنه قد { اتبعك الأرذلون* } أي المؤخرون في الحال والمآل ، والأحوال والأفعال ، فيكون إيماننا بك سبباً لاستوائنا معهم ، فلو طردتهم لم يكن لنا عذر في التخلف عنك ، ولا مانع من اتباعك ، فكان ما متعوا به من العرض الفاني مانعاً لهم عن السعادة الباقية ، وأما الضعفاء فانكسار قلوبهم وخلوّها عن شاغل ، موجبٌ لإقبالها على الخير وقبولها له ، لأن الله تعالى عند المنكسرة قلوبهم ، وهكذا قالت قريش في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وما زالت أتباع الرسل كذلك حتى صارت من سماتهم وأماراتهم كما قال هرقل في سؤاله عن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان مثال المستكبرين مثال شخص كان آخر دونه بدرجة ، فأصبح فوقه بدرجة ، فأنف من أن يرتقي إلى درجته لئلا يساويه ، ورضي لنفسه أن يكون دونه ، فما أسخف عقله ! وما أكثر جهله ! فلا شيء أبين من هذا في أن التقدم في الأمور الدنيوية داء لا دواء له إلا إماتة النفس بالتبرؤ منه والبعد عنه .