يئس إخوة يوسف من محاولة تخليص أخيهم الصغير ، فانصرفوا من عنده ، وعقدوا مجلسا يتشاورون فيه . وهم هنا في هذا المشهد يتناجون . والسياق لا يذكر أقوالهم جميعا . إنما يثبت آخرها الذي يكشف عما انتهوا إليه :
( فلما أستيأسوا منه خلصوا نجيا . قال كبيرهم : ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف ؟ فلن أبرح الارض حتى يأذن لي أبي ، أو يحكم الله لي ، وهو خير الحاكمين . ارجعوا إلى أبيكم فقولوا : يا أبانا إن ابنك سرق ، وما شهدنا إلا بما علمنا ، وما كنا للغيب حافظين . واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها ، وإنا لصادقون ) . .
إن كبيرهم ليذكرهم بالموثق المأخوذ عليهم ، كما يذكرهم بتفريطهم في يوسف من قبل . ويقرن هذه إلى تلك ، ثم يرتب عليهما قراره الجازم : ألا يبرح مصر ، وألا يواجه أباه ، إلا أن يأذن له أبوه ، أو يقضي الله له بحكم ، فيخضع له وينصاع .
قوله تعالى : " فلما استيئسوا منه " أي يئسوا ، مثل عجب واستعجب ، وسخر واستسخر . " خلصوا " أي انفردوا وليس هو معهم . " نجيا " نصب على الحال من المضمر في " خلصوا " وهو واحد يؤدي عن جمع ، كما في هذه الآية ، ويقع على الواحد كقوله تعالى : " وقربناه نجيا{[9223]} " [ مريم :52 ] وجمعه أنجية ، قال الشاعر{[9224]} :
إني إذا ما القوم كانوا أَنْجِيَةْ *** واضطربَ القومُ اضطرابَ الأَرْشِيَةْ
وقرأ ابن كثير : " استايسوا " " ولا تايسوا " " إنه لا يايس " " أفلم يايس " بألف من غير همز على القلب ، قدمت الهمزة وأخرت الياء ، ثم قلبت الهمزة ألفا لأنها ساكنة قبلها فتحة ، والأصل قراءة الجماعة ؛ لأن المصدر ما جاء إلا على تقديم الياء - يأسا - والإياس ليس بمصدر أيس ، بل هو مصدر أسته أوسا وإياسا أي أعطيته . وقال قوم : أيس ويئس لغتان ، أي فلما يئسوا من رد أخيهم إليهم تشاوروا فيما بينهم لا يخالطهم غيرهم من الناس ، يتناجون فيما عرض لهم . والنجي فعيل بمعنى المناجي .
قوله تعالى : " قال كبيرهم " قال قتادة : وهو روبيل ، كان أكبرهم في السن . مجاهد : هو شمعون ، كان أكبرهم في الرأي . وقال الكلبي : يهوذا ، وكان أعقلهم . وقال محمد بن كعب وابن إسحاق : هو لاَوَى ، وهو أبو الأنبياء . " ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله " أي عهدا من الله في حفظ ابنه ، ورده إليه . " ومن قبل ما فرطتم في يوسف " " ما " في محل نصب عطفا على " أن " والمعنى : ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ، وتعلموا تفريطكم في يوسف ، ذكره النحاس وغيره . و " من " في قوله : " ومن قبل " متعلقة ب " تعلموا " . ويجوز أن تكون " ما " زائدة ، فيتعلق الظرفان اللذان هما " من قبل " و " في يوسف " بالفعل وهو " فرطتم " . ويجوز أن تكون " ما " والفعل مصدرا ، و " من قبل " متعلقا بفعل مضمر ، التقدير : تفريطكم في يوسف واقع من قبل ، فما والفعل في موضع رفع بالابتداء ، والخبر هو الفعل المضمر الذي يتعلق به " من قبل " . " فلن أبرح الأرض{[9225]} " أي ألزمها ، ولا أبرح مقيما فيها ، يقال : برح بَرَاحا وبُرُوحا أي زال ، فإذا دخل النفي صار مثبتا . " حتى يأذن لي أبي " بالرجوع فإني أستحي منه . " أو يحكم الله لي " بالممر مع أخي فأمضي معه إلى أبي . وقيل : المعنى أو يحكم الله لي بالسيف فأحارب واخذ أخي ، أو أعجز فأنصرف بعذر ، وذلك أن يعقوب قال : " لتأتنني به إلا أن يحاط بكم " [ يوسف : 66 ] ومن حارب وعجز فقد أحيط به . وقال ابن عباس : وكان يهوذا إذا غضب وأخذ السيف فلا يرد وجهه مائة ألف ، يقوم شعره في صدره مثل المَسَالّ فتنفذ من ثيابه . وجاء في الخبر أن يهوذا قال لإخوته - وكان أشدهم غضبا - : إما أن تكفوني الملك ومن معه أكفكم أهل مصر ، وإما أن تكفوني أهل مصر أكفكم الملك ومن معه ، قالوا : بل اكفنا الملك ومن معه نكفك أهل مصر ، فبعث واحدا من إخوته فعدوا أسواق مصر فوجدوا فيها تسعة أسواق ، فأخذ كل واحد منهم سوقا ، ثم إن يهوذا دخل على يوسف وقال : أيها الملك ! لئن لم تخلِّ معنا أخانا لأصيحن صيحة لا تبقي في مدينتك حاملا إلا أسقطت ما في بطنها ، وكان ذلك خاصة فيهم عند الغضب ، فأغضبه يوسف وأسمعه كلمة ، فغضب يهوذا واشتد غضبه ، وانتفجت{[9226]} شعراته ، وكذا كان كل واحد من بني يعقوب ، كان إذا غضب ، اقشعر جلده ، وانتفخ جسده ، وظهرت شعرات ظهره ، من تحت الثوب ، حتى تقطر من كل شعرة قطرة دم ، وإذا ضرب الأرض برجله تزلزلت وتهدم البنيان ، وإن صاح صيحة لم تسمعه حامل من النساء والبهائم والطير إلا وضعت ما في بطنها ، تماما أو غير تمام ، فلا يهدأ غضبه إلا أن يسفك دما ، أو تمسكه يد من نسل يعقوب ، فلما علم يوسف أن غضب أخيه يهوذا قد تم وكمل كلم ولدا له صغيرا بالقبطية ، وأمره أن يضع يده بين كتفي يهوذا من حيث لا يراه ، ففعل فسكن غضبه{[9227]} وألقى السيف فالتفت يمينا وشمالا لعله يرى أحدا من إخوته فلم يره ، فخرج مسرعا إلى إخوته وقال : هل حضرني منكم أحد ؟ قالوا : لا ! قال : فأين ذهب شمعون ؟ قالوا : ذهب إلى الجبل ، فخرج فلقيه ، وقد احتمل صخرة عظيمة ، قال : ما تصنع بهذه ؟ قال أذهب إلى السوق الذي وقع في نصيبي أَشْدَخُ بها رؤوس كل من فيه ، قال : فارجع فردها أو ألقها في البحر ، ولا تحدثن حدثا ، فوالذي اتخذ إبراهيم خليلا ! لقد مسني كف من نسل يعقوب . ثم دخلوا على يوسف ، وكان يوسف أشدهم بطشا ، فقال : يا معشر العبرانيين ! أتظنون أنه ليس أحد أشد منكم قوة ، ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله فدحا به من خلف الجدار - الركل الضرب بالرجل الواحدة ، وقد ركَلَه يركُلُه ، قاله الجوهري - ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه لجنبه{[9228]} ، وقال : هات الحدادين أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم ، ثم صعد على سريره وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه فوضع بين يديه ، ثم نقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول ؟ قالوا : لا ! قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبي هؤلاء هم ولا غم ولا كرب إلا بسببهم ، ثم نقر نقرة ثانية وقال : إنه يخبرني أن هؤلاء أخذوا أخا لهم صغيرا فحسدوه ونزعوه من أبيهم ثم أتلفوه ، فقالوا : أيها العزيز ! استر علينا ستر الله عليك ، وامنن علينا من الله عليك ، فنقره نقرة ثالثة وقال إنه يقول : إن هؤلاء طرحوا صغيرهم في الجب ، ثم باعوه بيع العبيد بثمن بخس ، وزعموا لأبيهم أن الذئب أكله ، ثم نقره رابعة وقال : إنه يخبرني أنكم أذنبتم ذنبا منذ ثمانين سنة لم تستغفروا الله منه ، ولم تتوبوا إليه ، ثم نقره خامسة وقال إنه يقول : إن أخاهم الذي زعموا أنه هلك لن تذهب الأيام حتى يرجع فيخبر الناس بما صنعوا ، ثم نقره سادسة وقال إنه يقول : لو كنتم أنبياء أو بني أنبياء ما كذبتم ولا عققتم والدكم ، لأجعلنكم نكالا للعالمين . ايتوني بالحدادين أقطع أيديهم وأرجلهم ، فتضرعوا وبكوا وأظهروا التوبة وقالوا : لو قد أصبنا أخانا يوسف إذ هو حي لنكونن طوع يده ، وترابا يطأ علينا برجله ، فلما رأى ذلك يوسف من إخوته بكى وقال لهم : اخرجوا عني ! قد خليت سبيلكم إكراما لأبيكم ، ولولا هو لجعلتكم نكالا .
{ خلصوا نجيا } أي : انفردوا عن غيرهم يناجي بعضهم بعضا ، والنجي يكون بمعنى : المناجي أو مصدرا .
{ قال كبيرهم } قيل : كبيرهم في السن وهو روبيل ، وقيل : كبيرهم في الرأي وهو شمعون ، وقيل : يهوذا .
{ ومن قبل ما فرطتم في يوسف } تحتمل { ما } وجوها :
والثاني : أن تكون مصدرية ومحلها الرفع بالابتداء تقديره وقع من قبل تفريطكم في يوسف ، والثالث : أن تكون موصولة ومحلها أيضا الرفع كذلك ، والأول أظهر .