في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ} (18)

وفي ظل هذا المصير يجيء التعقيب مثلا مصورا في مشهد يضرب الذين كفروا ، ولفتة إلى قدرة الله على أن يذهب المكذبين ويأتي بخلق جديد . . ذلك قبل أن يتابع مشاهد الرواية في الساحة الأخرى ، وقد أسدل الستار على فصلها الأخير في هذه الأرض ، مخايلا بالساحة الأخرى :

( مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف . لا يقدرون مما كسبوا على شيء . ذلك هو الضلال البعيد ) . .

ومشهد الرماد تشتد به الريح في يوم عاصف مشهود معهود ، يجسم به السياق معنى ضياع الأعمال سدى ، لا يقدر أصحابها على الإمساك بشيء منها ، ولا الانتفاع به أصلا . يجسمه في هذا المشهد العاصف المتحرك ، فيبلغ في تحريك المشاعر له ما لا يبلغه التعبير الذهني المجرد عن ضياع الأعمال وذهابها بددا .

هذا المشهد ينطوي على حقيقة ذاتية في أعمال الكفار . فالأعمال التي لا تقوم على قاعدة من الإيمان ، ولا تمسكها العروة الوثقى التي تصل العمل بالباعث ، وتصل الباعث بالله . . مفككة كالهباء والرماد ، لا قوام لها ولا نظام . فليس المعول عليه هو العمل ، ولكن باعث العمل . فالعمل حركة آلية لا يفترق فيها الإنسان عن الآلة إلا بالباعث والقصد والغاية .

وهكذا يلتقي المشهد المصور مع الحقيقة العميقة ، وهو يؤدي المعنى في أسلوب مشوق موح مؤثر . ويلتقي معها التعقيب :

( ذلك هو الضلال البعيد ) .

فهو تعقيب يتفق ظله مع ظل الرماد المتطاير في يوم عاصف . . إلى بعيد ! !

/خ27

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ} (18)

قوله تعالى : " مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد " اختلف النحويون في رفع " مثل " فقال سيبويه : ارتفع بالابتداء والخبر مضمر ، التقدير : وفيما يتلى عليكم أو يقص " مثل الذين كفروا بربهم " ثم ابتدأ فقال : " أعمالهم كرماد " أي كمثل رماد " اشتدت به الريح " . وقال الزجاج : أي مثل الذين كفروا فيما يتلى عليكم أعمالهم كرماد ، وهو عند الفراء على إلغاء المثل ، التقدير : والذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد . وعنه أيضا أنه على حذف مضاف ، التقدير : مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد ؛ وذكر الأول عنه المهدوي ، والثاني القشيري والثعلبي ويجوز أن يكون مبتدأ كما يقال : صفة فلان أسمر ، ف " مثل " بمعنى صفة . ويجوز في الكلام جر " أعمالهم " على بدل الاشتمال من " الذين " واتصل هذا بقوله : " وخاب جبار عنيد " والمعنى : أعمالهم محبطة غير مقبولة . والرماد ما بقي بعد احتراق الشيء ، فضرب الله هذه الآية مثلا لأعمال الكفار في أنه يمحقها كما تمحق الريح الشديدة الرماد في يوم عاصف . والعصف شدة الريح ، وإنما كان ذلك لأنهم أشركوا فيها غير الله تعالى . وفي وصف اليوم بالعصوف ثلاثة أقاويل : أحدها : أن العصوف وإن كان للريح فإن اليوم قد يوصف به ؛ لأن الريح تكون فيه ، فجاز أن يقال : يوم عاصف ، كما يقال : يوم حار ويوم بارد ، والبرد والحر فيهما . والثاني : أن يريد " في يوم عاصف " الريح ؛ لأنها ذكرت في أول الكلمة ، كما قال الشاعر :

إذا جاء يومٌ مظلمُ الشمس كَاسِفُ

يريد كاسف الشمس فحذف ؛ لأنه قد مر ذكره ، ذكرهما الهروي . والثالث : أنه من نعت الريح ، غير أنه لما جاء بعد اليوم أتبع إعرابه كما قيل : جحر ضب خرب ، ذكره الثعلبي والماوردي . وقرأ ابن أبي{[9485]} إسحاق وإبراهيم بن أبي بكر " في يوم عاصف{[9486]} " . " لا يقدرون " يعني الكفار . " مما كسبوا على شيء " يريد في الآخرة ، أي من ثواب ما عملوا من البر في الدنيا ، لإحباطه بالكفر . " ذلك هو الضلال البعيد " أي الخسران الكبير ، وإنما جعله كبيرا بعيدا لفوات استدراكه بالموت .


[9485]:من ا و ز و و و ي والبحر.
[9486]:هذه القراءة بإضافة يوم إلى عاصف، ومن قرأ بها أقام الصفة مقام الموصوف، أي في يوم ريح عاصف. وقراءة نافع وابن جعفر: الرياح، على الجمع.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ} (18)

{ مثل الذين كفروا } مذهب سيبويه والفراء فيه كقولهما في مثل الجنة التي في الرعد والقتال والخبر عند سيبويه محذوف تقديره فيما يتلى عليكم والخبر عند الفراء الجملة التي بعده ، والمثل هنا بمعنى الشبيه .

{ أعمالهم كرماد } تشبيها بالرماد في ذهابها وتلاشيها .

{ في يوم عاصف } أي : شديد الريح والعصوف في الحقيقة من صفة الريح .

{ لا يقدرون مما كسبوا على شيء } أي : لا يرون له منفعة .