في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ} (71)

53

والحق لا يمكن أن يدور مع الهوى ؛ وبالحق تقوم السماوات والأرض ، وبالحق يستقيم الناموس ، وتجري السنن في هذا الكون وما فيه ومن فيه :

( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ) . .

فالحق واحد ثابت ، والأهواء كثيرة متقلبة . وبالحق الواحد يدبر الكون كله ، فلا ينحرف ناموسه لهوى عارض ، ولا تتخلف سنته لرغبة طارئة . ولو خضع الكون للأهواء العارضة ، والرغبات الطارئة لفسد كله ، ولفسد الناس معه ، ولفسدت القيم والأوضاع ، واختلت الموازين والمقاييس ؛ وتأرجحت كلها بين الغضب والرضى ، والكره والبغض ، والرغبة والرهبة ، والنشاط والخمول . . وسائر ما يعرض من الأهواء والمواجد والانفعالات والتأثرات . . وبناء الكون المادي واتجاهه إلى غايته كلاهما في حاجة إلى الثبات والاستقرار والاطراد ، على قاعدة ثابتة ، ونهج مرسوم ، لا يتخلف ولا يتأرجح ولا يحيد .

ومن هذه القاعدة الكبرى في بناء الكون وتدبيره ، جعل الإسلام التشريع للحياة البشرية جزءا من الناموس الكوني ، تتولاه اليد التي تدبر الكون كله وتنسق أجزاءه جميعا . والبشر جزء من هذا الكون خاضع لناموسه الكبير ؛ فأولى أن يشرع لهذا الجزء من يشرع للكون كله ، ويدبره في تناسق عجيب . بذلك لا يخضع نظام البشر للأهواء فيفسد ويختل : ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن )إنما يخضع للحق الكلي ، ولتدبير صاحب التدبير .

وهذه الأمة التي جاء لها الإسلام كانت أولى الأمم باتباع الحق الذي يتمثل فيه . ففوق أنه الحق هو كذلك مجد لها وذكر . وما كان لها من ذكر لولاه في العالمين :

( بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون ) . .

وقد ظلت أمة العرب لا ذكر لها في تاريخ العالم حتى جاءها الإسلام . وقد ظل ذكرها يدوي في آذان القرون طالما كانت به مستمسكة . وقد تضاءل ذكرها عندما تخلت عنه ، فلم تعد في العير ولا في النفير . ولن يقوم لها ذكر إلا يوم أن تفيء إلى عنوانها الكبير . . . !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ} (71)

قوله تعالى : " ولو اتبع الحق " " الحق " هنا هو الله سبحانه وتعالى ، قاله الأكثرون ، منهم مجاهد وابن جريج وأبو صالح وغيرهم . وتقديره في العربية : ولو اتبع صاحب الحق ، قاله النحاس . وقد قيل : هو مجاز ، أي لو وافق الحق أهواءهم ، فجعل موافقته اتباعا مجازا ، أي لو كانوا يكفرون بالرسل ويعصون الله عز وجل ثم لا يعاقبون ولا يجازون على ذلك إما عجزا وإما جهلا لفسدت السموات والأرض . وقيل : المعنى ولو كان الحق ما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله تعالى لتنافت الآلهة ، وأراد بعضهم ما لا يريده بعض ، فاضطرب التدبير وفسدت السموات والأرض ، وإذا فسدتا فسد من فيهما . وقيل : " لو اتبع الحق أهواءهم " أي بما يهواه الناس ويشتهونه لبطل نظام العالم ؛ لأن شهوات الناس تختلف وتتضاد ، وسبيل الحق أن يكون متبوعا ، وسبيل الناس الانقياد للحق . وقيل : " الحق " القرآن ، أي لو نزل القرآن بما يحبون لفسدت السموات والأرض . " ومن فيهن " إشارة إلى من يعقل من ملائكة السموات وإنس الأرض وجنها ، الماوردي . وقال الكلبي : يعني وما بينهما من خلق ، وهي قراءة ابن مسعود " لفسدت السموات والأرض وما بينهما " فيكون على تأويل الكلبي وقراءة ابن مسعود محمولا على فساد من يعقل وما لا يعقل من حيوان وجماد . وظاهر التنزيل في قراءة الجمهور يكون محمولا على فساد ما يعقل من الحيوان ؛ لأن ما لا يعقل تابع لما يعقل في الصلاح والفساد ، فعلى هذا ما يكون من الفساد يعود على من في السموات من الملائكة بأن جعلت أربابا وهي مربوبة ، وعبدت وهي مستعبدة . وفساد الإنس يكون على وجهين : أحدهما : باتباع الهوى ، وذلك مهلك . الثاني : بعبادة غير الله ، وذلك كفر . وأما فساد ما عدا ذلك فيكون على وجه التبع ؛ لأنهم مدبرون بذوي العقول فعاد فساد المدبرين عليهم .

قوله تعالى : " بل أتيناهم بذكرهم " أي بما فيه شرفهم وعزهم ، قاله السدي وسفيان . وقال قتادة : أي بما لهم فيه ذكر ثوابهم وعقابهم . ابن عباس : أي ببيان الحق وذكر ما لهم به حاجة من أمر الدين . " فهم عن ذكرهم معرضون "

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ} (71)

{ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض } الاتباع هنا استعارة ، والحق هنا يراد به الصواب والأمر المستقيم ، فالمعنى لو كان الأمر على ما تقتضي أهواءهم من الشرك بالله واتباع الباطل لفسدت السموات والأرض كقوله : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } [ الأنبياء :22 ] وقيل : إن الحق في الآية هو الله تعالى ، وهذا بعيد في المعنى ، وإنما حمله عليه أن جعل الاتباع حقيقة ولم يفهم فيه الاستعارة ، وإنما الحق هنا هو المذكور في قوله : { بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون } .

{ بل أتيناهم بذكرهم } يحتمل أن يكون بتذكيرهم ووعظهم أو بفخرهم وشرفهم وهذا أظهر .