في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ} (96)

93

ثم يقرر أن الاتجاه للكعبة هو الأصل . فهي أول بيت وضع في الأرض للعبادة وخصص لها . مذ أمر الله إبراهيم أن يرفع قواعده ، وأن يخصصه للطائفين والعاكفين والركع السجود . وجعله مباركا وجعله هدى للعالمين ، يجدون عنده الهدى بدين الله ملة إبراهيم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ} (96)

فيه خمس مسائل :

الأولى : ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض قال : ( المسجد الحرام ) . قلت : ثم أي ؟ قال : ( المسجد الأقصى ) . قلت : كم بينهما ؟ قال : ( أربعون عاما ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركتك الصلاة فصل ) . قال مجاهد وقتادة : لم يوضع قبله بيت . قال علي رضي الله عنه : كان قبل البيت بيوت كثيرة ، والمعنى : أنه أول بيت وضع للعبادة . وعن مجاهد قال : تفاخر المسلمون واليهود فقالت اليهود : بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة ؛ لأنه مهاجر{[3227]} الأنبياء وفي الأرض المقدسة . وقال المسلمون : بل الكعبة أفضل ، فأنزل الله هذه الآية . وقد مضى في البقرة{[3228]} بنيان البيت وأول من بناه . قال مجاهد : خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي سنة ، وأن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى . وأما المسجد الأقصى فبناه سليمان عليه السلام ، كما خرجه النسائي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن سليمان بن داود عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثة سأل الله عز وجل{[3229]} حكما يصادف حكمه فأوتيه ، وسأل الله عز وجل ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه ، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد ألا يأتيه أحد لا ينهزه{[3230]} إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه فأوتيه ) . فجاء إشكال بين الحديثين ؛ لأن بين إبراهيم وسليمان آمادا طويلة . قال أهل التواريخ : أكثر من ألف سنة . فقيل : إن إبراهيم وسليمان عليهما السلام إنما جددا ما كان أسسه غيرهما . وقد روي أن أول من بنى البيت آدم عليه السلام كما تقدم . فيجوز أن يكون غيره من ولده وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عاما ، ويجوز أن تكون الملائكة أيضا بنته بعد بنائها البيت بإذن الله ، وكل محتمل . والله أعلم . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أمر الله تعالى الملائكة ببناء بيت في الأرض وأن يطوفوا به ؛ وكان هذا قبل خلق آدم ، ثم إن آدم بنى منه ما بنى وطاف به ، ثم الأنبياء بعده ، ثم استتم بناءه إبراهيم عليه السلام .

الثانية : قوله تعالى : " للذي ببكة " خبر " إن " واللام توكيد . و " بكة " موضع البيت ، ومكة سائر البلد ، عن مالك بن أنس . وقال محمد بن شهاب : بكة المسجد ، ومكة الحرم كله ، تدخل فيه البيوت . قال مجاهد : بكة هي مكة . فالميم على هذا مبدلة من الباء ، كما قالوا : طين لازب ولازم . وقاله الضحاك والمؤرج . ثم قيل : بكة مشتقة من البك وهو الازدحام . تباك القوم ازدحموا . وسميت بكة لازدحام الناس في موضع طوافهم . والبك : دق العنق . وقيل : سميت بذلك لأنها كانت تدق رقاب الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم . قال عبد الله بن الزبير : لم يقصدها جبار قط بسوء إلا وَقَصَه{[3231]} الله عز وجل . وأما مكة فقيل : إنها سميت بذلك لقلة{[3232]} مائها وقيل : سميت بذلك لأنها تَمُكُّ المخ من العظم مما ينال قاصدها من المشقة ، من قولهم : مككت العظم إذا أخرجت ما فيه . ومك الفصيل ضرع أمه وامتكَّه إذا امتص كل ما فيه من اللبن وشربه ، قال الشاعر :

مَكّت فلم تُبْقِ في أجوافها دِرَرا

وقيل : سميت بذلك لأنها تمك من ظَلَم فيها ، أي تهلكه وتنقصه . وقيل : سميت بذلك ؛ لأن الناس كانوا يمُكُّون ويضحكون فيها ، من قوله : " وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية " {[3233]} [ الأنفال :35 ] أي تصفيقا وتصفيرا . وهذا لا يوجبه التصريف ؛ لأن " مكة " ثنائي مضاعف و " مُكاء " ثلاثي معتل .

الثالثة : قوله تعالى : " مباركا " جعله مباركا لتضاعف العمل فيه ، فالبركة كثرة الخير ، ونصب على الحال من المضمر في " وضع " أو بالظرف من " بكة " ، المعنى الذي استقر " ببكة مباركا " ويجوز في غير القرآن " مبارك " ، على أن يكون خبرا ثانيا ، أو على البدل من الذي ، أو على إضمار مبتدأ . " وهدى للعالمين " عطف عليه ، ويكون بمعنى وهو هدى للعالمين . ويجوز في غير القرآن " مبارك " بالخفض يكون نعتا للبيت .


[3227]:- المهاجر (بفتح الجيم): موضع المهاجرة.
[3228]:- راجع جـ2 ص 120.
[3229]:- زيادة عن سنن النسائي.
[3230]:- النهز: الدفع.
[3231]:- الوقص: الكسر والدق.
[3232]:- الزيادة في د.
[3233]:- راجع جـ7 ص 400.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ} (96)

{ إن أول بيت } أي : أول مسجد بني في الأرض ، وقد سأل أبو ذر النبي صلى الله عليه وسلم ، أي مسجد بني أول ؟ قال : " المسجد الحرام ، ثم بيت المقدس " ، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " المعنى أنه أول بيت وضع مباركا وهدى وقد كانت قبله بيوتا " .

{ ببكة } قيل : هي مكة والباء بدل من الميم ، وقيل : مكة الحرم كله ، وبكة المسجد وما حوله .

{ مباركا } نصب على الحال والعامل فيه على قول علي وضع مباركا على أنه حال من الضمير الذي فيه وعلى القول الأول هو حال من الضمير المجرور والعامل فيه العامل المجرور من معنى الاستقرار .